مبحث بعنوان : ترقب يوم الظهور وفق هندسة علامات الظهور
مقدمة - لا شك أن يوم الظهور للإمام المهدي ع هو واحد من اهم الايام التي تنتظرها البشرية في تاريخ وجودها وهو اليوم الذي فيه تتحقق دولة العدل الإلهي ويبسط دين الاسلام دين التوحيد على الأرض جمعاء وهو ثمرة جهود كل الأنبياء والمرسلين وهو المعركة الكبرى والاخيرة التي ينتصر فيها خط الرحمن على خط الشيطان .
ولقد علمنا واثبتنا في مبحث سابق أهمية ذلك اليوم واهمية بحث ودراسة علامات الظهور ، واجبنا على اهم الاشكالات المطروحة والتي تخص الجدوى من ذلك ونقاط الضعف التي واجهت هذا المبحث أو التخصص في السابق والتي نتج عنها فشل محاولات أصحابنا السابقين في تشخيص عصر الظهور وفق احداث حصلت في ازمانهم السابقة .
سنحاول في هذا المبحث التعرف على هندسة علامات الظهور بحسب تفحصنا وفهمنا لها ، والطريقة الممكنة التي يستطيع بها الباحث المختص التعرف على احتمال قرب عصر وذلك من خلال مضامين الروايات وآلية صياغتها والطريقة العلمية الامثل للتعامل معها بحيث لا نقع في التوقيت ولا نخطأ في التشخيص ونتحمل عواقب الفشل .
يتبع مبحث : ترقب يوم الظهور وفق هندسة علامات الظهور
لكي نستطيع ترقب يوم الظهور وفق الهندسة أو الصياغة الروائية التي فهمناها عن علامات الظهور لا بد اولا من مسك خيط أو خيوط عصر الظهور لأنها الاحتمال الممكن الذي إذا شاء الله تعالى وتحقق فسوف يوصلنا ليوم الظهور .
ولذلك نحتاج هنا اولا أن نوضح ماذا نقصد من عصر الظهور
وعليه - عصر الظهور : هو عنوان لمصطلح حديث يخص القضية المهدوية وعلاماتها استعمل حديثا عند الباحثين والخطباء وغيرهم ولعل هناك اختلاف قليل بالقصد والفهم الذي يتعلق بمن يستخدمه ولكن بحدود بحثنا هذا فنحن نقصد من عصر الظهور هو ذلك الزمان الذي يتحقق فيه ظهور الإمام المهدي ع بعد انكسار الغيبة الكبرى . ويسبق ويرافق هذا الزمان ارهاصات واحداث مختلفة الحيثيات في النوع والمكان نطلق عليها العلامات تدلل على احتمال تحققه وتوقع حصوله .
ولذلك نعتقد أن تشخيص قرب عصر الظهور ومن ثم تحققه في الواقع لا يكون إلا من خلال تحقق العلامات التي تسبقه وترافقه اولا ، والمقدرة على تشخيصها من أهل زمان الظهور ( كالباحثين ) ثانيا .
ولكي يستطيع الباحث أو المراقب تشخيص عصر الظهور او احتمال قربه يحتاج إلى أن يفهم هندسة علامات الظهور وإن يستطيع تشخيص العلامات بشكل دقيق وفق الهندسة التي صاغتها الروايات .
ونقصد هنا من هندسة علامات الظهور : هو ذلك النظام العلاماتي الذي يربط علامات عصر الظهور بطريقة وآلية معينة صنعتها وصاغتها الروايات للأحداث المختلفة في النوع والمكان والزمان بحيث اذا وقف الباحث على فهمها بشكل جيد يستطيع التوقع أو الاحتمال لقرب عصر الظهور بشكل كبير .
ولذلك نعتقد ان ما وقع في الأزمان السابقة من محاولات فاشلة متتالية لتشخيص عصر الظهور هو نتيجة لعدم توفر هذه الأسباب التي ذكرناها اعلاه . وسيتبين هذا من خلال التعمق بالبحث وتفاصيله بشكل أوضح للمتابع .
يتبع لاحقا
التعديل الأخير تم بواسطة الباحث الطائي ; 04-02-2026 الساعة 02:50 PM.
بعد ان بينا بعض المقدمات المهمة وبيان بعض المصطلحات الضرورية ، ندخل الآن في صلب المبحث .
فمما فهمناه واستنتجناه بعد التأمل الطويل والدقيق ان هندسة علامات الظهور وفق الروايات الواصلة الينا يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين . وهذا بالمناسبة وفق المنهج والبحث الخاص عند ( الباحث الطائي )
القسم الأول - العلامات المفتاحية لعصر الظهور .
القسم الثاني- علامات سنة الظهور .
فيما يخص القسم الأول وهو العلامات المفتاحية لعصر الظهور .
فنقصد من العلامات المفتاحية لعصر الظهور هي علامات / احداث تحصل قبل فترة من الزمن ولكن قبل الاحداث الخاصة بسنة الظهور ، وتمتاز بعض منها بأن احداثها اذا وقعت تستمر وتتصل بأحدث سنة الظهور وحتى تحقق الظهور .
وحتى يكون هذا واضحا نضع اهم الأمثلة الروائية .
1-عن الإمام الباقر عليه السلام قال : كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه ، ثم يطلبونه فلا يعطونه . فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم . فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا . ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم ، قتلاهم شهداء ، أما إني لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر .
اقول : فهذه احد اهم الروايات الواصلة الينا يظهر من احداثها انها قريبة نسبيا من عصر الظهور بقرينة قول الامام ع ( أما إني لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر ) .
وإن احداثها تتصل إلى ظهور الإمام الحجة ع بقرينة ( ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم / أي الإمام المهدي )
وطبعا هناك روايات أخرى في مصادرنا ومصادر أهل السنة تعطي وتزيد مضمون هذه الرواية ومحصلتا ان هناك دولة ستتشكل في المشرق في منطقة إيران جغرافيا تحديدا ، تكون موالية لأهل البيت وتواجه تحديات وتستمر احداثها كما هو واضح في الرواية ، ولذلك تعتبر هذه من اهم الروايات المفتاحية لعصر الظهور . فإذا استطعنا تشخيصها من خلال تفاصيل احداثها نكون قد مسكنا احد الخيوط المهمة التي يمكن ان توصلنا لعصر الظهور . ولدينا مبحث خاص لمتابعة هذه الرواية تحت فرضية عصر الظهور .
2- عن الإمام الصادق (عليه السلام) : من يضمن لي موت عبد الله أضمن له القائم - ثم قال - إذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على أحد ولم يتناه هذا الأمر دون صاحبكم إن شاء الله, ويذهب ملك السنين ويصير ملك الشهور والأيام, فقلت: يطول ذلك , قال: كلا .
اقول : وهذا مثال روائي آخر لعلامة مفتاحية لعصر الظهور بدليل ان احداثها تحصل قبل زمن الظهور وتتصل حتى تنتهي بتحقق الظهور بقرينة جواب المعصوم بكلة ( كلا ) لما سأله السائل ( يطول ذلك ) . ونعتقد وغيرنا من الباحثين وبدلالة روايات أخرى ان متعلق الرواية هو يخص حاكم يكون في الحجاز وتسميه بعض الروايات بالعباسي . وتصف روايات أخرى ان الفرج كل الفرج بهلاك العباسي . وقريب منها وما نعتقد انه ذو علاقة باحداثها الرواية التالية
عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
" قال: قلت له: ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟
فقال: بلى.
قلت: وما هي؟
قال : هلاك العباسي ، وخروج السفياني ، وقتل النفس الزكية ، والخسف بالبيداء ، والصوت من السماء.
فقلت: جعلت فداك ، أخاف أن يطول هذا الأمر ؟
فقال: لا ، إنما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا "
اقول : أنظر حدد المعصوم اول العلامات المفتاحية بعلامة هلاك العباسي وانتهى بالصوت من السماء والذي نعتقده النداء الجبرائيلي بظهور الإمام الحجة ع في شهر رمضان او عند قيامه في العاشر من المحرم ، وحدد أيضا ان تحقق هذا العلامات تباعا لا يطول ولا يبعد كثيرا عن اليوم الموعود ويحكمها نظام زمني هو نظام الخرز والذي سنبين أهمية علاقته بعصر الظهور
بسمه تعالى السلام عليكم
بعد ان تابعنا في الآيات المباركة سابقا قصة النبي آدم ع وسجود الملائكة له وعصيان أبليس اللعين وطرده من مقام القرب والرحمة ، وعداوته وتوعده لآدم وبنيه ثم إغوائه لآدم ع وزوجته بالأكل من الشجرة وما نتج عنه أنه بدت لهما سوءآتهما ، فأنزلهما الله تعالى إلى الأرض وبدأ الخطاب الإلهي في الآيات التالية اعلاه يستعرض حقيقة مهمة جوهرية تستخلص لعله واحدة من وأول وأهم العبر في حياة البشرية ،
ولتبيان هذه الحقيقة نتأمل الآيات اعلاه التي هي جائت في سياق متتابع متصل مع الآيات السابقة لها والتي بدأت اولا بحادثة سجود الملائكة لآدم وعصيان أبليس.
فقال الله تعالى : ( يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ )
أي - يا بني آدام الذين اسكنتهم الأرض التي مهدتها لهم وجعلتها دار التزود والامتحان قد أنزلنا عليكم لباسا وذلك مما خلقنا لكم في الأرض تصنعون منه اللباس ومما علمناكم كيف تصنعوه ليواري سوءآتكم التي تسيئكم وتلك رحمة من الله بكم لسترها بما جعل لكم من اللباس .
( فأنتبه للآتي ) - وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ - وهذا الاهم واردف الله تعالى به انه قال عنه ( ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ )
أي - لباس التقوى هو خير لكم من اللباس الذي يواري سوءاتكم .
لان لباس البدن أذا ارتفع اسائكم ما تكرهون ان يراه غيركم فهو ستر لكم وحفظ لاجسامكم ، ولباس التقوى اذا ارتفع اسائكم ما تكرهون ان تروه يوم القيامة من قباحة الذنب في عصيان الله ورسوله وهذا أقبح من سوءاتكم ، لذلك لباس التقوى هو حصن لإيمانكم ووقاء لكم من نار الآخرة ، ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ .
وهذين اللباسين جعلهما الله تعالى من آياته البينات لبني آدم " لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ " ماجرى على أباهما آدم وحواء وكيف نزع عنهما لباس التقوى من خلال الاغواء لهما ؟ وهذا أدى إلى أن تضعف عندهما روح التقوى في حالة من الغفلة فيطيعان أبليس ويعصيان الله ، فتظهر سوءاتهما .
فمحصلة العبرة والحكمة الإلهية البالغة في هذا النص أن التقوى هي الحصن والحاجز الذي يفصل بين طاعة الله وطاعة الشيطان .
وأن الشيطان بأغوائه ووسوسته للإنسان المؤمن تضعف عنده حالة التقوى التي يتحصن بها ، فإذا تمكن من ذلك سهل عليه اغوائه اكثر وبدأ بسلب أيمانه ومعها طاعته فيخرج من عبادة الله إلى عبادة الشيطان ، فيأتيه النداء الإلهي يوم القيامة أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
وعليه أصبح الآن الجواب حاضرا للسؤال الذي طرحناه سابقا والذي كان : ما هي العلة الحقيقة التي تجعل البعض يطيع الله والرسول والبعض الاخر لا ؟
فالجواب هنا سيكون - ان في اساس كل ذنب هو ضعف أو انكسار حالة التقوى عند الإنسان وهذه لعل لها أسباب كثيرة اذا اردت عدها ، كحب الدنيا وما فيها من زينة وجاه وما إلى غيرها على حساب الآخرة ولكن كل هذه حتى تعمل عملها تحتاج إلى أن تكسر الحاجز الواقي وهي التقوى ، فمن لا تقوى له لا دين له ، أو قل أن التقوى هي روح الفضائل . فمن لا تقوى عنده لا فضيلة له .
ومن هنا لا يستطيع الإنسان المؤمن ان يطيع الله ورسوله حقا إلا أن يكون عنده ملكة التقوى التي تمنعه من عصيان الله ورسوله .
ومن يتقي الله فهو يستطيع حقا ان يطيع الله ورسوله ، وهذا يأخذنا لفهم معنى ( ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) .
وهذا يعني ان الانسان إذا اتقى الله واطاعه ورسوله فانه يستطيع أن يخاطب الله تعالى ويرجوا منه ان يهديه ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ، صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ . فافهم .
ومن هنا لعله تفهم اكثر قوله تعالى : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .
فمن يستحق الهداية من الله تعالى هو الذي حصن نفسه بالتقوى وأطاع الله ورسوله قلبا وعملا .
اذا كان هذا واضحا فسننتقل إلى المرحلة الأخيرة من المبحث وهو كيف سيعمل أبليس عمله الاضلالي في يوم الظهور وفق الفهم والمفهوم السابق الذي بيناه حول التقوى