العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية منتدى الاستضافات الشيعية منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام

منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام المنتدى مخصص لاستضافة الخطباء والرواديد والشعراء وكل خدمة الامام الحسين عليه السلام

 
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 2,105
بمعدل : 0.52 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام
افتراضي تحليل الخطاب الإصلاحي في النهضة الحسينية
قديم بتاريخ : يوم أمس الساعة : 07:46 AM




الوصية ليست مجرد تفسير تاريخي لسبب الخروج من المدينة، بل تصبح قاعدة دائمة لكل حركة إصلاحية. وهذا هو جوهر الخطاب الحسيني فإصلاح الأمة لا يبدأ من السيطرة عليها، بل من استنقاذها وخدمة الحق فيها، وهو إصلاح يبدأ من الإنسان وتربيته ووعيه، ثم يمتد إلى المجتمع والدولة، ويجعل الكرامة والحرية...


تحليل الخطاب الحسيني هو قراءة تدبرية في الكلمات والمفردات التي استخدمها الإمام الحسين عليه السلام في نهضته، وفهم ما تحمله من دلالات، وما أراد أن يوصله من خلالها إلى الأمة وإلى أعدائه. فالخطاب لا يُقرأ بوصفه مجموعة من الكلمات المنفصلة عن حركته، بل بوصفه منهاجًا يحدد الدافع والغاية والوسيلة والمرجعية، ويكشف طبيعة النهضة التي قادها الإمام عليه السلام من المدينة إلى كربلاء.

ومن أهم النصوص التي تكشف حقيقة هذه النهضة وأهدافها وصية الإمام الحسين عليه السلام إلى أخيه محمد بن الحنفية عندما خرج من المدينة إلى مكة، إذ قال:

«وإني لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين»(1).

هذه الوصية أصبحت مدار النهضة الحسينية ومحورها الإصلاحي. فكلام الإمام المعصوم عليه السلام كلام مقصود، وكل كلمة فيه موضوعة في مكانها ولها تموجات واسعة من المعاني. وكلام أهل البيت عليهم السلام متصل بالقرآن الكريم، كما جاء في حديث الثقلين: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي»(2). ولذلك نلاحظ أن مفردات الوصية تنفتح على دلالات قرآنية، وأن تحليلها كلمة كلمة يمنحنا رؤية أوسع لفهم النهضة الحسينية.

ولا تمثل هذه الوصية دفاعًا شخصيًا عن الإمام أو بيانًا تاريخيًا لأسباب مغادرته المدينة فحسب، بل هي وثيقة متكاملة تؤسس لمنهاج الإصلاح. فهي تبدأ بتنقية الدافع من الأشر والبطر، ثم تنفي الإفساد والظلم عن العمل والوسيلة، وتحدد طلب الإصلاح غاية، والأمة ميدانًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طريقًا، وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام مرجعية، وتجعل الحق أساس القبول، وتختم بالصبر والثبات والتسليم لحكم الله تعالى.

وبذلك تجيب الوصية عن الأسئلة الكبرى التي تواجه أي حركة إصلاحية: لماذا يتحرك المصلح؟ وما الغاية التي يريدها؟ وبأي وسيلة يعمل؟ وعلى أي مرجعية يسير؟ وكيف يتعامل مع القبول والرفض؟ ولهذا فإن أي إصلاح يبتعد عن المعاني التي تتضمنها هذه الكلمات قد يرفع عنوان الإصلاح، لكنه لا يحقق الإصلاح الحقيقي الذي تحتاج إليه الأمة.


«لم أخرج» والخروج إلى ميدان المسؤولية


قال الإمام الحسين عليه السلام: «إني لم أخرج»، حيث تحمل كلمة «خرجت» في السياق أكثر من مستوى.

المستوى الأول هو الخروج المكاني، أي مغادرة المدينة إلى مكة بعد رفض البيعة ليزيد. فقد جاءت الوصية في حديث الإمام مع أخيه محمد بن الحنفية، ثم أعقبها خروجه من المدينة.

لكن الخروج لا يتوقف عند الانتقال من مكان إلى مكان، بل يحمل مستوى ثانيًا هو الخروج إلى المجال العام. فقد انتقل الإمام من موقف رافض داخل المدينة إلى حركة إصلاحية معلنة تخاطب الأمة وتكشف الانحراف. ولذلك كان خروجه خروجًا إلى ميدان المسؤولية، لا سفرًا عاديًا ولا تغييرًا في المكان وحده.

ويحمل الخروج مستوى ثالثًا، هو الانتقال من حالة السكوت التي أرادتها السلطة إلى الفعل الواعي الهادف. فقد كان من الممكن أن تقدم السلطة الإمام بوصفه طالب سلطة أو مثير فتنة، لذلك عرّف الإمام حركته بنفسه، ونزع عنها منذ البداية معاني المغامرة والانتقام والصراع الشخصي. فهو لم ينف الحركة، بل أكد ان حركته هي في اطار ميزان أخلاقي وشرعي.

والخروج قد يأتي في مقابل الدخول، فالإمام عليه السلام لم يقبل الدخول في الأمر الواقع، ولم يدخل في صفقات السلطة ومصالحها، ولم يستسلم للواقع الفاسد، بل خرج من الحياة مع الظالمين ومن المحيط الذي يتعايش مع الطغيان والفساد. وهذا المعنى يظهر في قوله عليه السلام: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا».

غالبًا ما يستسلم الناس للأمر الواقع، ثم يتعايشون مع الظلم والمعاصي حتى يتحول الانحراف إلى جزء من حياتهم. أما الإمام الحسين عليه السلام فقد رفض هذا التعايش، وأعلن أن الحياة مع الظالمين ليست حياة حقيقية. فكان خروجه رفضًا للدخول في الفساد والظلم، وحركة لإخراج الأمة من الواقع السيئ واستنقاذها من الجهالة وحيرة الضلالة.

وهذا المعنى يتصل بقوله تعالى:

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)(الأنفال: 46-47).

لقد نفى الإمام عليه السلام عن خروجه الدوافع التي ذمتها الآية، فلم يكن خروجه بطرًا ولا رياء للناس، ولم يكن لإثبات الذات أو نشر النزاع في الأمة، وإنما كان استجابة واعية لمسؤولية الإصلاح.


حركة استنقاذية إصلاحية


وتختلف التسميات التي تطلق على حركة الإمام الحسين عليه السلام. فبعضهم يسميها حركة، وبعضهم يسميها نهضة، وبعضهم يسميها ثورة. غير أن الإمام نفسه سماها «طلب الإصلاح»، وهذه التسمية هي الأقدر على بيان طبيعتها وغايتها. فهي ليست مجرد انفجار غاضب أمام الواقع، وليست رد فعل بلا ميزان، بل فعل عقلاني هادف يحمل معنى ومسؤولية.

والنهضة تعني استنهاض الأمة، وهذا متصل بما نقرأه في زيارة الأربعين: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة». فالحركة الحسينية حركة استنقاذية إصلاحية، هدفها إخراج الناس من واقع الفساد الذي يعيشون فيه. فالظالم يمنع الفضيلة والخير، وينشر الشر والفساد حتى يتعايش الناس معهما. ومن هنا كانت النهضة عملية استنقاذ للأمة وإعادة لها إلى وعيها ومسؤوليتها.


تطهير الدافع من الأشر والبطر


قال الإمام عليه السلام: «لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا»، وقد بدأ بنفي الدوافع الفاسدة قبل إعلان الغاية، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، فإذا فسد الدافع تحولت العناوين الكبيرة إلى وسيلة لخدمة الذات، وإذا صلح الدافع أمكن للحركة أن تتجه إلى غايتها من دون أن تنحرف بها الأهواء.

الأشر في اللغة ليس مجرد الفرح، وإنما الفرح المذموم الذي يختلط بالكبر والاندفاع والهوى والإعجاب بالنفس. والإنسان الآشر هو الذي تحركه أهواؤه، ويريد إظهار ذاته وتفوقه على الآخرين. وقد وصف القرآن هذا المعنى بقوله: (الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) (القمر: 25)، لأن الآشر لا يجعل الحق غايته، وقد يستعمل الكذب والخداع ليصل إلى ما يريد.

فقول الإمام عليه السلام: «لم أخرج أشِرًا» يعني أن خروجه لم ينشأ من تضخم الذات أو غضب شخصي أو حب للظهور، ولم يكن استجابة لنزوة عابرة أو رغبة في الانتقام. لم يخرج ليثبت شجاعته أو مكانته، ولم يطلب أن يصبح محورًا يلتف الناس حوله لذاته.

فالأشر يمثل فساد الحركة الداخلية حين تتحول الذات إلى مركز المشروع. وقد تبدأ بعض الحركات بشعار الإصلاح، لكنها تنتهي إلى تقديس قائدها أو خدمة مصالحه، لأن أصلها كان مشبعًا بالأشر والاستعلاء وحب الظهور. ولهذا كان نفي الأشر أول شرط في الخطاب الحسيني، فلا يمكن لمن يريد إصلاح الأمة أن يجعل ذاته غاية الإصلاح.

أما البطر فهو الغرور الناشئ من النعمة أو القوة أو المكانة، حتى يشعر الإنسان بأنه مستغن عن الحق، فيتعالى على الآخرين ويتجاوز الحدود. وهو تجاوز للاعتدال بسبب ما يملكه الإنسان، فتتحول النعمة إلى غرور، ويتحول الامتلاك إلى استعلاء، وتتحول القدرة إلى شعور بالاستغناء.

ولذلك يرتبط البطر في الاستعمال القرآني بكفر النعمة وعدم الاعتراف بمصدرها ووظيفتها، كما قال تعالى:

(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 58).

فالإنسان قد يكون فقيرًا، ثم يغنيه الله بالنعم، لكنه بدل أن يشكر النعمة يبدأ بالبطر، ولا يدرك أن النعمة أمانة ويمكن أن تزول. وكذلك المجتمع قد يشبع ثم يطلب المزيد بلا حدود، فتتغير علاقته بالنعمة، وبدل أن تقوده إلى الشكر والعدل تقوده إلى الغرور والاستئثار.

وقول الإمام عليه السلام: «ولا بطِرًا» يعني أنه لم يخرج مغترًا بمكانته ونسبه، ولم يعتمد على منزلته الاجتماعية ليحصل على امتياز شخصي، ولم يتعامل مع الإمامة أو القرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله بوصفها طريقًا إلى المكاسب السياسية والاجتماعية. فالإمام هو حجة الله وصاحب مقام الإمامة، لكنه لم يجعل هذا المقام وسيلة لإشباع الذات، وإنما تحرك لأداء المسؤولية وإقامة الحق.

وهكذا ينفي الإمام آفتين قد تصيبان كل حركة إصلاحية: أن تتحول الحركة إلى وسيلة لإشباع ذات قائدها، وهذا هو الأشر، وأن تتحول النعمة أو المكانة أو القوة إلى سبب للغرور والاستعلاء، وهذا هو البطر.

والأشر والبطر متقاربان، لكن بينهما فرق دقيق. فالأشر يتعلق غالبًا بانفعال الذات وهواها، وهو حالة حادة تدفع إلى الاندفاع وإثبات النفس. أما البطر فيتعلق بعلاقة الإنسان بالنعمة والقوة والامتياز، وهو حالة من الغرور والاستغناء والتعالي. ويمكن القول إن الأشر هو اشتداد البطر في النفس، بما يصاحبه من حدة وهوى، بينما البطر هو فساد العلاقة بما أعطي الإنسان من قوة ومال ومكانة.

ولم يرد نص مأثور يحدد على نحو قطعي سر تقديم الأشر على البطر، ولذلك يبقى فهم الترتيب قراءة لغوية وبلاغية. ويمكن أن يُفهم من جهة أن الأشر يمثل الصورة الأشد والأكثر اندفاعًا، فبدأ الإمام بنفيها، ثم نفى أصل الغرور وهو البطر. ويمكن أن يُفهم أيضًا من خلال التسلسل السببي، إذ يبدأ الانحراف من إعجاب الإنسان بذاته، ثم يتحول إلى اغترار بما يملك، وبعد ذلك يخرج إلى المجتمع إفسادًا وظلمًا.

فتصبح حركة الانحراف على النحو الآتي: أشر في النفس، ثم بطر بالنعمة والقوة، ثم إفساد في المجتمع، ثم ظلم للناس. فالأشر والبطر يصفان ما يقع في الداخل، بينما يصف الإفساد والظلم ما يصدر عن ذلك الداخل في الواقع.


من بطر النعمة إلى فساد السلطة والمجتمع


لا تعني عبارة (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) أن الثراء أو الأمن أو سعة الرزق أمور مذمومة بذاتها، وإنما تعني أن الجماعة غيرت علاقتها بالنعمة. فبدل أن تقودها النعمة إلى الشكر والعدل والمسؤولية، قادتها إلى الاستغناء والتكبر والاستئثار.

وتبطر الأمة معيشتها عندما تتحول السلطة من مسؤولية إلى امتياز، والمال العام من أمانة إلى ملك خاص، والقوة من وسيلة لحماية الناس إلى أداة لإخضاعهم. ويظهر البطر حين يصبح الفيء ومقدرات الأمة مجالًا للاستئثار، وتُستعمل الأموال لشراء الولاءات، وتُوظف القوة لإسكات الاعتراض، وتصبح الطاعة للحاكم مقدمة على طاعة الحق.

وفي عصر الإمام الحسين عليه السلام ظهرت صور واضحة من هذا البطر. فقد تحولت الخلافة إلى ملك وراثي، وتحولت الدولة من خدمة الأمة إلى حماية مصالح فئة محدودة، واستُبعد أهل الكفاءة والعدالة، وأصبحت القوة طريقًا لتثبيت الامتياز بدل أن تكون وسيلة لحماية الحقوق.

ومن هنا كان الإصلاح الحسيني مواجهة لهذه الثقافة قبل أن يكون مواجهة لشخص معين. فالمشكلة لم تكن في شخصية يزيد وحدها، بل في نظام جعل الحكم امتيازًا، والمال أداة للإفساد، والقوة وسيلة لإسكات الاعتراض.

والبطر ليس فسادًا اقتصاديًا فقط، بل رؤية أخلاقية فاسدة للثروة والسلطة. فقد يصاب به الحاكم حين يتعامل مع الدولة كملكية، وقد تصاب به النخبة حين تصمت عن الظلم حفاظًا على مصالحها، وقد يصاب به المجتمع حين يفضل الرفاه المؤقت على مسؤوليته في مقاومة الانحراف.

وقد ظهرت هذه الصورة في تجارب سياسية معاصرة، حين امتلكت بعض السلطات قوة وثروة، ثم وظفتهما في الحروب واستعراض القدرة بدل أن تجعلهما في خدمة الإنسان. وظهر ذلك في العراق عندما تحولت ثروة النفط وقوة الدولة في عهد صدام إلى حروب لم يكن الشعب في حاجة إليها، لأن السلطة أرادت إثبات قدرتها وقوتها. وقد قيل لأحد القادة: لماذا تميل إلى الحرب؟ فأجاب بأنه يحب الحرب، وكأن القوة لا تجد معناها عنده إلا في استعمالها.

هذا هو سلوك الإنسان السلطوي المستبد الذي يحول النعمة إلى طغيان، والقوة إلى عبث، ويجعل الحرب غاية في ذاتها. أما الإصلاح فإنه يعيد المال والقوة والسلطة إلى معناها الصحيح، أي إلى الأمانة والمسؤولية وخدمة الناس.

«ولا مفسدًا ولا ظالمًا» وعدالة الوسيلة


بعد أن نفى الإمام عليه السلام فساد الدافع في الأشر والبطر، نفى فساد العمل والنتيجة فقال: «ولا مفسدًا ولا ظالمًا». فالإصلاح الحسيني لا يكتفي بصلاح النية، بل يشترط صلاح الوسيلة والسلوك.

ويمكن ملاحظة علاقة بين الأشر والإفساد، وبين البطر والظلم، فالأشر قد يقود الإنسان إلى الإفساد لأنه يجعل ذاته مركز كل شيء، فيعبث بالمجتمع ومؤسساته من أجل مصالحه. والبطر قد يقوده إلى الظلم لأنه يغتر بماله أو قوته أو سلطته، فيستولي على أموال الآخرين وحقوقهم ويتجاوز عليهم.

لكن الأشر قد ينتج ظلمًا أيضًا، والبطر قد ينتج فسادًا شاملًا. ولذلك فالعلاقة بين هذه المفاهيم تداخلية وليست حسابية. فالأشر والبطر فسادان في النفس والقصد، والإفساد والظلم فسادان في العمل والواقع. والإفساد هو انتقال الخلل الداخلي إلى النظام الأخلاقي والاجتماعي والسياسي، أما الظلم فهو وقوع أثر هذا الخلل على حقوق الناس ووضع القوة والمال في غير موضعهما.

وهذا الترتيب يكشف أن الحركة الإصلاحية لا تصبح صحيحة لمجرد أن صاحبها يعلن نيات حسنة، بل يجب أن تكون وسائلها عادلة أيضًا. فلا يمكن إصلاح الظلم بظلم جديد، ولا مقاومة الفساد بوسائل فاسدة، ولا تحرير الأمة بإذلالها. فالغاية الصالحة لا تبرر التخريب والعدوان، والمصلح لا يستخدم أدوات الظالم الذي يريد تغييره.

وقد تتحول بعض الحركات إلى صورة أخرى من الواقع الذي ثارت عليه، لأنها تستعمل الوسائل نفسها التي استعملها الظالم. أما الإصلاح الحسيني فيجمع بين صلاح القصد وصلاح الوسيلة وصلاح الغاية. فهو حركة في مواجهة الفساد والظلم والقتل، لكنها لا تتبنى أدوات الفساد والظلم والقتل، ولا تجعل الانتقام هدفًا لها.


«لطلب الإصلاح» من وصف الشخص إلى بيان الغاية


لم يقل الإمام الحسين عليه السلام: خرجت مصلحًا، وإنما قال: «خرجت لطلب الإصلاح». والفرق بين التعبيرين دقيق وعميق، لأنه يكشف طبيعة الحركة ومركزها.

من الناحية اللغوية، اللام في «لطلب الإصلاح» لام التعليل، فهي تبين لماذا خرج الإمام وما الغاية من خروجه. أما كلمة «مصلحًا» فهي حال تصف صاحب الحركة والهيئة التي خرج عليها. والإمام كان في مقام بيان الدافع والهدف، فقد قال: «لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح».

فبنية الكلام تقوم على دوافع منفية وغاية مثبتة. نفى الإمام الأشر والبطر والإفساد والظلم، ثم أثبت الغاية التي خرج من أجلها. ولهذا كان «طلب الإصلاح» أنسب من «مصلحًا»، لأنه يجيب بوضوح عن السؤال: ما الغاية من هذه النهضة؟

والطلب لا يعني الشك أو التردد أو عدم معرفة طريق الإصلاح. فطلب الشيء في اللغة يعني قصده والتوجه نحوه والسعي إلى تحصيله وبذل الجهد للوصول إليه. والإمام لم يكن يبحث عن معنى الإصلاح أو يشك في طريقه، وإنما قصد تحقيق الإصلاح في واقع الأمة، وهو واقع واسع لا يتغير بمجرد إعلان موقف، بل يحتاج إلى حركة وبيان وتضحية وصبر.

فالطلب هنا ليس ترددًا، بل حركة مقصودة نحو غاية واضحة. وهو يدل على أن الإصلاح مسار مستمر، فقد يتحقق بعضه سريعًا، وقد تظهر ثماره بعد زمن طويل، لكن المسؤولية تبقى في السعي إليه والثبات عليه.

كما أن تعبير «طلب الإصلاح» ينقل مركز الخطاب من الشخص إلى القضية. فغاية النهضة ليست إثبات أن الإمام الحسين مصلح، وإنما أن يتحقق الإصلاح في الأمة. والقيمة ليست في مجرد عنوان القائد، بل في الحق الذي يسعى إلى إقامته. وهذا ينسجم مع قوله بعد ذلك: «فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق».

وهذا لا يعني أن الإمام عليه السلام لا يعلم بمقام إمامته أو لا يعلم أنه صاحب الإصلاح، وإنما يعني أن صياغة الخطاب ركزت على الوظيفة والرسالة والغاية، ولم تجعل الكلام قائمًا على مدح الذات. وفي ذلك درس لكل من يرفع عنوان الإصلاح، فالمصلح لا ينشغل بإعلان نفسه مصلحًا، بل ينشغل بالسعي إلى الإصلاح، ولا يجعل كل من يؤيده مصلحًا وكل من يخالفه فاسدًا.

وطلب الإصلاح يحتاج إلى استجابة. فالإمام عليه السلام لم يكن في مواجهة فردية مع يزيد بوصفه شخصًا، وإنما كان يخاطب الأمة ويطلب منها أن تستجيب للحق، وأن تتحمل مسؤوليتها في الخروج من واقعها. فالإصلاح في الأمة لا ينجزه فرد وحده، وإن كان الإمام هو قائد الإصلاح وحامل الحجة.

يستطيع المصلح أن يوضح الحق، ويكشف المنكر، ويقدم القدوة، ويرفض الظلم، ويوقظ الضمائر، ويبذل التضحيات، لكن تحول المجتمع يحتاج أيضًا إلى قبول الناس للحق وتفاعلهم معه. ولهذا قال الإمام: «فمن قبلني بقبول الحق»، ثم قال: «ومن رد علي هذا أصبر». فكلمة «طلب» تستوعب العلاقة بين قيادة الإصلاح واستجابة المجتمع.

وهنا يظهر الفرق بين أداء المسؤولية وتحقيق النتيجة. مسؤولية الإمام هي السعي والبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والثبات على الحق، أما النتيجة الخارجية فتتعلق بمقدار استجابة الأمة وتغير أوضاعها. فالمصلح مسؤول عن بذل جهده وسلامة منهجه، لكنه لا يملك إرادات الناس جميعًا.

وهذا قريب من قول نبي الله شعيب عليه السلام:

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) (هود: 88).

فالإصلاح تكليف ومسار، أما التوفيق والنتائج فبيد الله تعالى. وهذا يفسر لماذا لم تكن شهادة الإمام الحسين عليه السلام فشلًا لمشروعه، لأن مشروعه لم يكن مشروطًا باستلام الحكم، بل كان قائمًا على إحياء الحق وكشف الانحراف وإيقاظ الأمة.

وبذلك تكون عبارة «طلب الإصلاح» أوسع من وصف «مصلحًا»، لأنها تشمل رفض البيعة، وبيان انحراف السلطة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسير بسيرة النبي والإمام علي عليهما السلام، وإقامة الحجة، والتضحية لكسر الخوف والصمت، وإنتاج وعي يمتد أثره إلى الأجيال اللاحقة.

إن مفهوم طلب الإصلاح يعني قصد الإصلاح والسعي العملي إلى تحقيقه وبذل الجهد في إزالة الفساد وإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح. وهو لا يعني الشك ولا مجرد البحث، بل يدل على حركة واعية ومتواصلة نحو غاية واضحة. ولم يقل الإمام «مصلحًا» لأنه أراد أن يجعل الإصلاح محور النهضة، وأن يفرق بين أداء المسؤولية وتحقيق النتائج، وأن يؤكد أن تحول الأمة يحتاج إلى استجابتها وتوفيق الله تعالى.




من مواضيع : صدى المهدي 0 من الصحراء إلى كربلاء
0 سؤال كبير؛ لماذا لم يدّخر الامام الحسين الماء على الأقل للاطفال
0 تحليل الخطاب الإصلاحي في النهضة الحسينية
0 مواعظ من نهج البلاغة-حكمة الاختبار
0 14صفر شهادة ربيب علي(عليه السلام) محمد بن أبي
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)



تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 01:51 AM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.14 by DRC © 2000 - 2026
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية