العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام

منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام المنتدى مخصص بسيرة أهل البيت عليهم السلام وصحابتهم الطيبين

 
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 2,073
بمعدل : 0.52 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام
افتراضي بين العصمة والتخصص في زمن الغيبة
قديم بتاريخ : اليوم الساعة : 09:18 AM




قراءة في أدوار الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي

إن البحث عن دور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) زمن غيبته، هي من المسائل التي شغلت بال الكثير من الموالين طلباً للحقيقة، والتي كانت مادة من مواد المشككين والباحثين عن نقاط ضعف في المذهب الحق.
وينشأ التشكيك من جهة أن الناس تعودوا أن يكون قائدهم بين ظهرانيهم، يرونه، ويجلسون معه، ويأخذون التعليمات منه مباشرة، فإذا ما كان القائد غائباً، ولا توجد وسيلة مادية عامة (أي مما تُتاح للجميع) للتواصل معه، حينها يتجه السؤال عن أدواره أولاً، وعن كيفية قيامه بها ثانياً.
وحتى تتبين المسألة أكثر نذكر المطلبين التاليين:
المطلب الأول: الإيمان التعبدي بأداء المعصوم لأدواره في زمن الغيبة:
الفرع الأول: أن أفعال الله تعالى معلّلة بالغايات:

١ - يُقصد من الإيمان التعبدي: هو الإيمان الذي يرسخ في قلب المؤمن في مسألة أو حكم معين، ولو لم يعرف العلة أو الحكمة فيه، وذلك مبني على أسس معينة، تكون وراء استقرار النفس واطمئنانها بجدوى الفعل.
وقد نصّت بعض الروايات على ضرورة أن يؤمن الفرد بالمسائل التي تصدر من الشارع المقدس، سواء كان إيمانه ناشئاً من البحث والاستدلال، أم كان ناشئاً من الاعتقاد بصحة التشريع لأنه صادر من الخالق جل وعلا أو من المعصوم، بل وحثّت النصوص الدينية على ضرورة أن يتحلى الفرد بالتسليم المطلق للدين، ولمن يُمثّله، فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «لو أنَّ قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجُّوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثمّ قالوا لشيء صنعه الله تعالى أو صنعه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ألَا صنع خلاف الذي صنع؟ أو وجدوا ذلك في قلوبهم، لكانوا بذلك مشركين»، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥]، ثمّ قال أبو عبد الله (عليه السلام): «وعليكم بالتسليم»(١).
٢ - هذا وقد ثبت في علم الكلام أن الله تعالى حكيم، والحكيم هو من يضع الشيء المناسب في موضعه المناسب، في زمنه المناسب، فلا يوجد في قاموسه العبث ولا اللعب، وقد صرّحت النصوص الدينية باتصاف الباري جل وعلا بهذه الصفة، بل على اتصافه بجميع صفات الكمال، وتنزهه (جل وعلا) عن جميع صفات النقص والحاجة.
وهذا أصل موضوعي، والدليل الإثباتي عليه محله علم الكلام.
٣ - وإذا كان هذا فعل الحكيم، فلا وجه حينئذٍ للاعتراض على أي فعل يقوم به، لأنه حسب الفرض حكيم، وبهذا المعنى يمكن تفسير قوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٣)، حيث جاء في تفسيرها عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام):... يا بن رسول الله وكيف لا يسأل عما يفعل؟ قال: لأنه لا يفعل إلّا ما كان حكمة وصواباً...(٢).
٤ - ومنه يتضح: أنه مع إيماننا بحكمة الله تبارك وتعالى بهذا المعنى، وأن الغيبة كانت بأمرٍ من الله تبارك وتعالى، فلابد أن يكون الوجه فيها حكيماً، بحيث لا تتسبّب الغيبة في إلغاء دور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في زمن الغيبة، بل ولا التقصير في أدائها.
أو قل: ما دامت الغيبة من الله تعالى، فلابد إذن - ومن باب اللطف والحكمة - أنه تعالى قد رسم الطريق الأبلج لقيام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بأدواره في غيبته.
ومما يُشير إلى أن الغيبة كانت بأمر من الله تبارك وتعالى، ما ورد في مراسلة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إلى الشيخ المفيد: «نحن وإن كنّا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين...»(٣).
وورد عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول - في سياق حديثه عن علة الغيبة-: «... يا بن الفضل، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنَّه (عزَّ وجلَّ) حكيم، صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»(٤).
علماً أنه لا توجد ضرورة تدعو إلى أن يكشف الحكيم عن الحكمة في كل فعل من أفعاله، إذ يكفي علمنا بأنه حكيم للاطمئنان بأنه لا يصدر عنه خلاف الحكمة، على أن مطالعتنا لأفعاله جل وعلا كافية للحكم وبالقطع واليقين بأن أفعاله كلها حكيمة.
وهذا يعني: أننا لو رأينا فعلاً، أو حصل معنا شيء لم نستطع أن نعرف الحكمة فيه، فعدم معرفتنا بالحكمة فيه لا يبرر لنا الاعتراض عليه جل وعلا ولو من طرف خفي، بل يلزمنا التسليم لكل ما يفعله الله الحكيم العزيز.
وهذا يعني كفاية الإيمان التعبدي بالحكمة في غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وإن لم نعلم بها.
الفرع الثاني: أن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) معصوم:
إن الاعتقاد بعصمة أهل البيت (عليهم السلام) عموماً، هو من الأمور المسلّمة لدى أتباعهم (عليهم السلام)، بل إن العصمة تُعَدّ من المفاصل الأساسية في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ومن المميزات والعلامات الفارقة بين مذهبهم (عليهم السلام) والمذاهب الأخرى.
ونأخذ هذا المعنى هنا كأصل موضوعي، وإثباتاته في موضعها من علم الكلام، ولكن نذكر هنا بعض النصوص المتظافرة في إثبات العصمة لهم (عليهم السلام)، من قبيل: ما روي عن الصحابيّ زيد بن أرقم أنّه سمع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لعليّ (عليه السلام): «أنت الإمام والخليفة بعدي، وابناك هذان إمامان، وسيّدا شباب أهل الجنّة، وتسعة من صلب الحسين أئمّة معصومون، ومنهم قائمنا أهل البيت...»(٥).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيت أم سلمة وقد نزلت هذه الآية ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا علي هذه الآية نزلت فيك وفي سبطي والأئمة من ولدك. فقلت: يا رسول الله وكم الأئمة بعدك؟ قال: أنت يا علي، ثم ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد جعفر ابنه، وبعد جعفر موسى ابنه، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجة من ولد الحسن، هكذا وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش، فسألت الله تعالى عن ذلك فقال: يا محمد، هم الأئمة بعدك، مطهرون معصومون، وأعداؤهم ملعونون»(٦).
ومادام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) معصوماً، فإنه وبلا شك لن يُقصر في أداء ما عليه من مسؤوليات في عالم التكوين والتشريع، غايته أننا غير مطّلعين على الطريقة التي يتبعها في ذلك، فيكفينا الإيمان التعبدي بذلك.
وهذا نظير ما روي في سبب الغيبة الحقيقي، حيث إننا نقرأ في الرواية أن الإمام الصادق (عليه السلام) أمر الشيعة بالإيمان التعبدي بالحكمة في الغيبة وإن لم يطّلعوا على حقيقة الحال فيها.
فقد ورد عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابدَّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل»، فقلت له: ولِـمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ فقال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، لموسى (عليه السلام) إلَّا وقت افتراقهما. يا بن الفضل، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنَّه (عزَّ وجلَّ) حكيم، صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»(٧).
المطلب الثاني: محاولة فهم أداء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لأدواره في زمن غيبته:
مع إيماننا التعبدي بالحكمة المطلقة للشارع المقدس في غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وكفايته لنا، إلّا أن ذلك لا يمنع من أن نبحث في النصوص الدينية لمحاولة فهم أداء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لأدواره في زمن الغيبة، وفي هذا المجال، نذكر النقاط الآتية:
النقطة الأولى: أدوار المعصوم:
في عقيدتنا: أن للمعصوم - عموماً - أدواراً عديدة أنيطت به، تمثل ارتباطه بالرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واستمراراً لما بدأ به (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وخلاصة تلك الأدوار(٨):
الدور الأول: كونه الحجة لله تعالى على الناس، أي الإمام الذي نصّبه الله تعالى وجعله لمقام الحجية على الناس.
الدور الثاني: حفظُه لعالم التكوين؛ كونه الواسطة في الفيض.
الدور الثالث: رعايته الأبوية لأتباعه.
الدور الرابع: كونه العالم الذي يُرجع إليه في:
أ - تفسير الكتاب العزيز وشرح مقاصده، وبيانه للناس.
ب - دفع الشبهات والتساؤلات التي يطرحها المناوئون ضد الإسلام، وصيانة الدين من التحريف.
ج - بيان الأحكام الشرعية التكليفية للناس.
الدور الخامس: الحكم بين الناس بالحق عند وقوع المنازعات بينهم.
الدور السادس: قيادة الأمة ورئاسة الحكومة.
النقطة الثانية: تنوّع أدواره (عجّل الله فرجه) من حيث الواقع والظهور:
بالتأمل في تلك الأدوار، نجد أنها على ثلاثة أنحاء:
النحو الأول:
ما هو موقوف على وجود المعصوم واقعاً، وإن لم يكن ظاهراً، وإن لم يمكن الوصول إليه، وإن لم نكن نعرفه.
ومن هذا القبيل الدوران الأول والثاني، فإن كونه حجة الله تعالى على عباده، والمنصّب منه تعالى لذلك، هو أمر حاصل للمعصوم، سواء أعلمنا به أم لم نعلم، وسواء أكان المعصوم ظاهراً أم غائباً.
ومنه أيضاً دور المعصوم الحافظ لعالم التكوين من أن يسيخ بأهله، أو أن ينقطع الفيض عن الناس.
ومن هذا النحو أيضاً دور الرعاية الأبوية.
النحو الثاني:
ما يُمكن أن يوكله المعصوم إلى غيره، فيتصدى غيره بإذنه للقيام بهذا الدور، ويكون الغير معتمداً في أداء هذا الدور على ما وصل إليه من تراث ونصوص دينية، لا يخرج عنها قيد أنملة.
ومن هذا القبيل: الدور الرابع والخامس، فإن هناك أدلة عديدة - كما سيتبين في محله إن شاء الله تعالى - على أن المعصوم أذن لمجموعة خاصة من المؤمنين، وفق مؤهلات معينة، أن يقوموا بدور معلّم الناس والقاضي بينهم في زمن غيبة المعصوم، أو حتى في زمن ظهوره وعدم الوصول إليه، لبعد المسافة مثلاً، أو لسجن المعصوم، وغيرها من الأسباب.
النحو الثالث:
ما يكون القيام به متوقفاً على طرفين: طرف المعصوم، وطرف الناس، وهو الدور السادس الأخير.
بيان الأنحاء الثلاثة:
النحو الأول: ما هو موقوف على وجود المعصوم واقعاً.

وهنا ثلاثة أدوار للمعصوم:
الدور الأول: كونه الحجة لله تعالى على الناس، أي الإمام الذي نصّبه الله تعالى وجعله لمقام الحجية على الناس:
اختلف المسلمون في طريقة جعل وتنصيب الإمام الذي يخلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والذي أطبقت عليه كلمة الشيعة الإمامية أنها طريقة الجعل الإلهي المباشر، حاله في ذلك حال جعل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكلماتهم في ذلك واضحة، والأدلة مذكورة في محالها في علم الكلام.
المهم أن نفهم هنا: أن كون الإمام منصَّباً من الله تعالى، مجعولاً لمنصب الإمامة منه تعالى، لا يتوقف على كونه ظاهراً بين الناس، بل بالدقة لا يتوقف على علم الناس، فهو أمر واقعي، سواء أعلِمَ الناس به أم لم يعلموا، وسواء أكان ظاهراً أم غائباً، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى تجشم عناء الاستدلال.
وبعبارة أخرى: أن الجعل الإلهي للإمام أمر واقعي لا علمي، فلا يتوقف حصوله على العلم به.
نعم، العلم به يؤسس لمنظومة تشريعية بين المجعول، وبين الناس، وهذا بحث آخر غير ما نحن بصدده.
والحاصل: أن كون الإمام هو الحجة على الأرض، لا يتوقف على ظهوره، بل هو حاصل حتى وإن كان غائباً.
ولذلك فإن النصوص الدينية التي ذكرت ضرورة وجود الحجة على الأرض، لم تفرّع تلك الضرورة على كونه ظاهراً، ولم تفرّق تلك الضرورة بين كونه ظاهراً أو غائباً، ولذلك نجدها ساوت بين الأمرين.
ومن ذلك ما روي عن أبي إسحاق الهمداني، قال: حدثني الثقة من أصحابنا أنه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «اللهم لا تُخلي الأرض من حجة لك على خلقك ظاهر أو خافي مغمور؛ لئلا تبطل حجتك وبنيانك [وبيناتك]»(٩).
فالرواية واضحة في أنها تجعل المدار على وجود الحجة الواقعي، سواء كان ظاهراً أم خافياً.
وعلى نفس المنوال ما روي عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن عليٍّ (عليهما السلام) أنَّه قال في خطبة له على منبر الكوفة: «اللَّهُمَّ إنَّه لابدَّ لأرضك من حجَّة لك على خلقك، يهديهم إلى دينك ويُعلِّمهم علمك، لئلَّا تبطل حجَّتك ولا يضلُّ أتباع أوليائك بعد إذ هديتهم به، إمَّا ظاهر ليس بالمطاع أو مكتتم مترقِّب، إن غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم، فإنَّ علمه وآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون»(١٠).
وفي ثالثة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «اللَّهُمَّ بَلَى، لَا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُه»(١١).
وبعبارة مختصرة: إن هذا الدور ذاتي للإمام، ولا يمكن لأحدٍ أن يسلبه إيّاه أو يمنعه من أدائه كما هو واضح، ويمكن للإمام أن يؤدّيه سواء كان ظاهراً أم مغموراً.
أو قل: هو دور متوقف على الوجود الواقعي لا العلمي للإمام.
الدور الثاني: حفظُه لعالم التكوين؛ كونه الواسطة في الفيض:
هذا الدور يعني: أن الله تعالى عندما خلق العالم وفق نظام الأسباب والمسببات، وهو صريح ما روي عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) أَنَّه قَالَ: «أَبَى اللهُ أَنْ يُجْرِيَ الأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَباً...»(١٢).
كما أن الواقع يشهد بذلك، بل إن الفلسفة حكمت على الصدفة (وهي حصول الشيء بلا سبب ولا علة) بأنها من الممتنعات.
فعندما خلق الله تعالى العالم بهذه الكيفية، فإنه جعل أحد العلل فيه، أو في استمراره، هم الحجج الإلهية المجعولة من قِبَلِه جلّ وعلا.
فالحجة المجعول منه جل وعلا يمثل (أماناً) للأرض وأهلها، وهو صريح النصوص الكثيرة في هذا المجال كما سنذكر غيضاً منها.
والذي يُراد قوله هنا: إن كون الحجة - الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) نموذجاً - أماناً للأرض، وكونه واسطة في الفيض كما يُعبرون، هذا المعنى لا يتوقف على ظهوره، بل هو أمان لأهل الأرض سواء أكان ظاهراً أم غائباً.
فهو دور - كما الدور السابق -، متوقف على الوجود الواقعي للحجة، لا على وجوده العلمي.
والنصوص في ذلك كثيرة، وقد بينت هذه الحقيقة بتعبيرات مختلفة، نذكر منها التالي:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَه: أتَبْقَى الأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَإِنَّا نُرَوَّى عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) أَنَّهَا لَا تَبْقَى بِغَيْرِ إِمَامٍ إِلَّا أَنْ يَسْخَطَ الله تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ أَوْ عَلَى العِبَادِ؟ فَقَال: «لَا، لَا تَبْقَى، إِذاً لَسَاخَتْ»(١٣).
وعن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: «نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها، ثم قال: ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله»، قال سليمان: فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(١٤).
وعن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «لو بقيت الأرض يوماً بلا إمام منّا لساخت بأهلها، ولعذَّبهم الله بأشدِّ عذابه، إنَّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجَّةً في أرضه، وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لم يزالوا في أمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يُهلِكهم ثمّ لا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثمّ يفعل الله ما شاء وأحبّ»(١٥).
الدور الثالث: دور رعاية المعصوم الأبوية:
إن علاقة أهل البيت (عليهم السلام) بشيعتهم لم تتوقف على حدود الحاكمية السياسية لو أتيحت لهم، ولا على كونهم وسائط فيض وجودي في عالم التكوين، ولا على أنهم معلمو الناس دينهم، وإنما هذه كلها مع إضافة علاقة وجدانية، ترجمها الأتباع على شكل ولاء مطلق، وتمسك مطبق، وتسليم عظيم، وصل إلى حدّ الفداء بالنفس في كثير من الأحايين.
ثم إن هذه العلاقة كانت نتيجة اتصاف أهل البيت (عليهم السلام) بالكثير من المواصفات التي تجذب العاقل لهم رغماً عنه، بدءاً بالزهد بزخارف الدنيا وزبرجها، وعدم الأخذ منها إلّا ما كان بُلْغة، وعدم تقديم مصالحهم الشخصية على مصالح العامة، وسلوكهم المستقيم على طول الخط، الأمر الذي جعل المخالف - فضلاً عن المؤالف - يعترف بفضلهم، ما لم يكن أعمي البصيرة معانداً.
والشواهد على رعاية الأئمة (عليهم السلام) شيعتهم كثيرة، نذكر منها التالي:
النص الأول:
التعبير عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) بأنهما أبوا هذه الأمة، فقد روي عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «إن الله تبارك وتعالى فرض عليكم طاعتي، ونهاكم عن معصيتي، وأوجب عليكم اتِّباع أمري، وفرض عليكم من طاعة علي بعدي ما فرضه من طاعتي، ونهاكم من معصيته عما نهاكم عنه من معصيتي، وجعله أخي ووزيري ووصيي ووارثي، وهو مني وأنا منه، حبه إيمان وبغضه كفر، ومُحِبُّه مُحبِّي، ومُبْغِضُه مُبْغِضي، وهو مولى من أنا مولاه، وأنا مولى كل مسلم ومسلمة، وأنا وإياه أبوا هذه الأمة»(١٦).
(... فمنزلة النبي وخليفته القائم مقامه في تربية النفوس وتكميل العقول منزلة الأب...)(١٧).
هذه الأبوة لهما (عليهما السلام) غير كونهما قادة، وغير كونهما معلمِين للناس، بل هي من التربية، والإصلاح، والأخذ باليد إلى حيث الفلاح، إذ (الأب: الوالد، ويسمّى كلّ من كان سبباً في إيجاد شيءٍ أو صلاحه أو ظهوره: أباً، ولذلك يسمّى النبيّ [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] أباً المؤمنين، قال اللهُ تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأَزْواجُه أُمَّهاتُهُمْ﴾ (الأحزاب: ٦)(١٨)، وروي أنّه [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] قال لعليّ: «أنا وأنت أبوا هذه الأمّة»...)(١٩).
مع الانتباه على أن أبوتهما (عليهما السلام) لنا تقتضي ترتّب مسؤوليات جسيمة علينا، إذ الإسلام يفرض حقوقاً عظيمة للآباء على الأبناء.
وقد روي أنه قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أفضل والديكم وأحقهما لشكركم: محمدٌ وعلي»(٢٠).
وأنه قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): «سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: أنا وعلي أبوا هذه الأمة، ولحقُّنا عليهم أعظم من حق أبوي ولادتهم، فإنّا ننقذهم، - إن أطاعونا -، من النار إلى دار القرار، ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار»(٢١).
والأحاديث بهذا المعنى كثيرة...
النص الثاني:
ما ورد في أن أهل البيت (عليهم السلام) يبدؤون شيعتهم بالسؤال عنهم، والتحري عن صحتهم وأحوالهم، ومراعاتهم الغيبية لهم، والنصوص في هذا المعنى كثيرة، نذكر منها ما روي عن أبي سعيد الخدري عن رميلة، قال: وعكتُ وعكاً شديداً في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام)، فوجدت من نفسي خفة في يوم الجمعة، وقلت: لا أعرف شيئاً أفضل من أن أفيض على نفسي من الماء، وأُصلي خلف أمير المؤمنين (عليه السلام).
ففعلت، ثم جئت إلى المسجد، فلما صعد أمير المؤمنين (عليه السلام) المنبر، أعاد عليّ ذلك الوعك، فلما انصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) ودخل القصر، دخلت معه، فقال: يا رميلة، رأيتك وأنت متشبك بعضك في بعض؟ فقلت: نعم، وقصصتُ عليه القصة التي كنت فيها والذي حملني على الرغبة في الصلاة خلفه، فقال: يا رميلة، ليس من مؤمن يمرض إلّا مرضنا بمرضه، ولا يحزن إلّا حزنّا بحزنه، ولا يدعو إلّا أمّنا لدعائه، ولا يسكت إلّا دعونا له!
فقلت له: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، هذا لمن معك في القصر، أرأيت من كان في أطراف الأرض؟ قال (عليه السلام): «يا رميلة، ليس يغيب عنا مؤمن في شرق الأرض ولا في غربها»(٢٢).
النص الثالث:
روي أنه قال أبو هَاشِمٍ الجَعْفَرِيُّ: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ [الإمام العسكري] (عليه السلام) ضِيقَ الحَبْسِ وكَتَلَ القَيْدِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَنْتَ تُصَلِّي اليَوْمَ الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِكَ.
فَأُخْرِجْتُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي كَمَا قَالَ (عليه السلام)، وكُنْتُ مُضَيَّقاً، فَأَرَدْتُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْه دَنَانِيرَ فِي الكِتَابِ، فَاسْتَحْيَيْتُ، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي، وَجَّه إِلَيَّ بِمِائَةِ دِينَار، وكَتَبَ إِلَيَّ: «إِذَا كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ فَلَا تَسْتَحْيِ، ولَا تَحْتَشِمْ، واطْلُبْهَا، فَإِنَّكَ تَرَى مَا تُحِبُّ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى»(٢٣).



من مواضيع : صدى المهدي 0 بين العصمة والتخصص في زمن الغيبة
0 الشِرك بثوبٍ جديد!
0 ما معنى قيمومة الرجل على المرأة؟
0 خلف غَرفة الماء.
0 صلب رأس الإمام الحسين (عليه السلام) في عواصم الخلافة
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)



تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 10:29 AM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.14 by DRC © 2000 - 2026
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية