العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية المنتدى العقائدي

المنتدى العقائدي المنتدى مخصص للحوارات العقائدية

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 1,881
بمعدل : 0.49 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : المنتدى العقائدي
افتراضي أهمية وعظمة ليلة القدر في الإسلام
قديم بتاريخ : اليوم الساعة : 10:22 AM



ليلة القدر ليست مجرد ليلة في التقويم الإسلامي، بل هي ذروة الزمن وموعد العناية الإلهية الخاص، وهي الليلة التي اختارها الله تعالى لتكون مهبط القرآن الكريم وبداية التحول الأكبر في تاريخ الإنسانية. حين نتأمل قوله تعالى في سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[1] ثم قوله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾[2] ندرك أن الحديث ليس عن فضل اعتيادي، بل عن ليلة تتجاوز في قيمتها الزمنية والروحية ثلاثة وثمانين عامًا من العبادة. إن تعبير “وما أدراك” في القرآن يُستعمل عادةً للأمور العظيمة التي تفوق إدراك البشر، وكأن الله تعالى يلفت الأنظار إلى أن عظمة هذه الليلة لا تُقاس بمقاييس البشر المحدودة.
سُمّيت ليلة القدر بهذا الاسم لوجوه عدة؛ قيل لأن فيها يُقدَّر كل أمر حكيم، كما في قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[3]، أي يُفصل ويُبيَّن ما يكون في السنة من أرزاق وآجال وأحداث. وقيل لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة من كثرتهم، وقيل لأن العمل فيها له قدر عظيم عند الله. وهذه المعاني جميعًا تجتمع لتمنح الليلة طابعًا قدريًا مصيريًا، فهي ليلة التدبير الإلهي السنوي لشؤون العباد، وليلة الفيض والرحمة والبركة.

وإن أعظم ما ميّز ليلة القدر هو نزول القرآن فيها، والقرآن هو أعظم هدية إلهية للبشرية، كتاب الهداية والنور والعدل. نزوله في هذه الليلة جعلها مبدأ التحول من ظلمات الجاهلية إلى نور الرسالة، ومن الفوضى الأخلاقية إلى نظام القيم. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[4]، فارتبط شهر رمضان بليلة القدر، وارتبطت ليلة القدر بالقرآن، وارتبط القرآن بالهداية الشاملة للإنسان.

أما في السنة النبوية، فقد أولى النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله هذه الليلة عناية خاصة، فكان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، كما ورد في الحديث الصحيح. وهذا السلوك النبوي يعكس فهمًا عمليًا لعظمة هذه الليلة؛ فهي ليست ليلة كسائر الليالي، بل فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العام، وربما لا تتكرر في العمر إلا مرات معدودة. فقد ورد عَنْ حُمْرَانَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةٍ مُبارَکَةٍ ) قَالَ نَعَمْ لَیْلَةُ الْقَدْرِ- وَ هِیَ فِی کُلِّ سَنَةٍ فِی شَهْرِ رَمَضَانَ فِی الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَلَمْ یُنْزَلِ الْقُرْآنُ إِلَّا فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ- قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ (فِیها یُفْرَقُ کُلُّ أَمْرٍ حَکِیمٍ) قَالَ یُقَدَّرُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ کُلُّ شَیْ ءٍ یَکُونُ فِی تِلْکَ السَّنَةِ إِلَی مِثْلِهَا مِنْ قَابِلٍ مِنْ خَیْرٍ وَ شَرٍّ وَ طَاعَةٍ وَ مَعْصِیَةٍ وَ مَوْلُودٍ وَ أَجَلٍ أَوْ رِزْقٍ فَمَا قُدِّرَ فِی تِلْکَ السَّنَةِ وَ قُضِیَ فَهُوَ الْمَحْتُومُ وَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِیهِ الْمَشِیَّةُ قَالَ قُلْتُ لَیْلَةُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ أَیُّ شَیْ ءٍ عُنِیَ بِذَلِکَ فَقَالَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِیهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَ الزَّکَاةِ وَ أَنْوَاعِ الْخَیْرِ خَیْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِی أَلْفِ شَهْرٍ لَیْسَ فِیهَا لَیْلَةُ الْقَدْرِ- وَ لَوْ لَا مَا یُضَاعِفُ اللَّهُ تَبَارَکَ وَ تَعَالَی لِلْمُؤْمِنِینَ مَا بَلَغُوا وَ لَکِنَّ اللَّهَ یُضَاعِفُ لَهُمُ الْحَسَنَاتِ.[5]

مما يدل على أن قيامها بإخلاص سبب لمغفرة الذنوب وتجديد الصفحة مع الله تعالى. وفي مدرسة أهل البيت عليهم السلام، حظيت ليلة القدر بمكانة أعمق وأوسع في بعدها المعرفي والعقائدي. فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: «ليلة القدر في كل سنة، وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، وإن لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه واله فقال ابن عباس من هم فقال أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون[6]. وهذا النص يكشف بُعدًا مهمًا، وهو أن نزول الأمر الإلهي لا ينقطع، وأن هناك امتدادًا للقيادة الربانية بعد النبي، يتجلى في الأئمة من أهل البيت عليهم السلام. وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: «التقدير في ليلة تسع عشرة، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين»[7]، وهو ما يفسر إحياء الشيعة لليالي الثلاث بالعبادة والدعاء.

إن البعد الروحي في ليلة القدر يتجلى في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾[8]. فالملائكة تتنزل بالأمر الإلهي، والروح ـ وقد فُسِّر بمخلوق أعظم من الملائكة وهو روح القدس ـ يشارك في هذا النزول، مما يشير إلى عظمة الحدث الكوني في تلك الليلة. إنها ليلة اتصال السماء بالأرض، وليلة السلام الشامل كما ختمت السورة: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾[9]، سلام في القلوب، وسلام في المصائر، وسلام في الأقدار لمن أحسن الاستعداد.

ومن أهمية ليلة القدر أنها تعيد تشكيل وعي الإنسان بالزمن. فالزمن في الرؤية المادية مجرد تعاقب ساعات وأيام، أما في الرؤية الإيمانية فهناك أزمنة مباركة تتضاعف فيها القيم والأجور. ليلة واحدة تعادل ألف شهر، أي أن الجودة الروحية تغلب الكثرة الزمنية. وهذا المفهوم يعلّم الإنسان أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات بل بعمق الطاعة وصفاء النية.

كما أن ليلة القدر مدرسة للتوبة والمراجعة. الإنسان بطبعه يخطئ ويغفل، وهذه الليلة تمثل محطة سنوية للمحاسبة. ففي دعاء الجوشن الكبير، وفي الأدعية المأثورة عن أهل البيت، نجد مضامين الاعتراف بالذنب وطلب العفو والرجاء في رحمة الله. وقد روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال: «من أحيا ليلة القدر غُفرت له ذنوبه ولو كانت عدد نجوم السماء ومثاقيل الجبال ومكاييل البحار»[10]. وهذا النص يعكس سعة الرحمة الإلهية في تلك الليلة.

ولا يقتصر أثر ليلة القدر على الفرد، بل يمتد إلى المجتمع. حين يجتمع المؤمنون في المساجد لإحياء هذه الليلة، تتجسد روح الوحدة والتكافل، ويتحول المجتمع إلى كيان متوجه نحو الله، متضامن في الدعاء والرجاء. إنها لحظة تجديد جماعي للعهد مع القيم الإلهية، واستنهاض للضمير الأخلاقي للأمة.

ومن عظمة هذه الليلة أن الله تعالى أخفى تحديدها الدقيق بين ليالي العشر الأواخر، ليجتهد المؤمن في طلبها ولا يقتصر على ليلة بعينها. هذا الإخفاء يحمل بُعدًا تربويًا، فهو يدفع الإنسان إلى الاستمرار في العبادة وعدم الاتكال على عمل محدود. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَیْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ هِیَ فِی الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ[11].

إن ليلة القدر تمثل ذروة المشروع الإلهي في تربية الإنسان؛ فهي ليلة القرآن، وليلة التقدير، وليلة المغفرة، وليلة السلام. من وعاها بعمق، أدرك أن الله لم يترك الإنسان في صحراء الحياة بلا موعد للفيض، بل جعل له نافذة سنوية يطل منها على الرحمة المطلقة. فيها تُكتب الأقدار، ولكن الدعاء والإنابة قد يغيران المسار، كما ورد في الأحاديث أن الدعاء يرد القضاء.

ومن هنا فإن عظمة ليلة القدر لا تُختزل في طقوس ظاهرية، بل في تحول داخلي عميق؛ أن يخرج الإنسان منها بقلب أنقى، وعزم أقوى، ورؤية أوضح لمعنى العبودية. هي ليلة صناعة الإنسان الجديد، الذي يتصل بالقرآن، ويجدد بيعته لله، ويسير في طريق الإصلاح الفردي والاجتماعي. ومن هنا كانت خيرًا من ألف شهر، لأنها تختصر مسيرة طويلة من السعي في لحظة صدق واحدة مع الله، ولأنها تمثل ذروة الرحمة الإلهية التي تتجدد كل عام، لتبقى أبواب السماء مفتوحة أمام من أراد القرب والسمو من الحق سبحانه وتعالى.

الهوامش:-----

[1] سورة القدر الاية 1.
[2] ـ سورة القدر الاية 3.
[3] ـ سورة الدخان الاية 4.
[4] ـ سورة البقرة الاية 185.
[5] ـ وسائل الشيعة ج10ص 351.
[6] ـ بحار الانوار ج 36, ص 373.
[7] ـ الكافي ج4, ص 158.
[8] ـ سورة القدر الاية 4.
[9] ـ سورة القدر الاية 5.
[10] ـ البحار ج95,ص 145.
[11] ـ البحار ج94, ص 9.



: الشيخ ميثم شعلان طراد الصريفي​
العتبة الحسينية المقدسة


من مواضيع : صدى المهدي 0 أهمية وعظمة ليلة القدر في الإسلام
0 الحسين كل شيء!
0 السابع عشر من شهر رمضان المبارك غزوة بدر الكبرى​
0 هل يجوز الافطار في حال الضعف المفرط؟
0 من خصائص الإمام الحسن عليه‌ السلام القيادية
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 08:01 PM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.14 by DRC © 2000 - 2026
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية