|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,097
|
|
بمعدل : 0.52 يوميا
|
|
|
|
|
|
المنتدى :
المنتدى العقائدي
من هم الكوفيّون الذين شاركوا في قتل الإمام الحسين (ع)؟
بتاريخ : اليوم الساعة : 08:09 AM
دعونا نتأمل في هويات الولاة الذين تعاقبوا على حكم الكوفة؛ لنتبين طبيعة الفئة الحاكمة هناك. فمن خلال دراسة بنية الجهاز الحاكم، والكوادر الإدارية، ومن ثم عامة الناس، سنتمكن من فهم حقيقة من قتل الإمام الحسين (عليه السلام). فهل استوردوا مقاتلين إنكشاريين من خارج الكوفة للقيام بهذه المهمة؟ الواقع أن الذين أقدموا على القتل كانوا من أهل الكوفة أنفسهم، ولكن السؤال الجوهري هو: من هم هؤلاء بدقة؟
ولكي تتضح لنا الصورة كاملة، دعونا نستعرض ولاة الكوفة بدءاً من عهد معاوية بن أبي سفيان، وحتى زمن استشهاد أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). كان الوالي الأول في هذه السلسلة هو المغيرة بن شعبة الثقفي. وأذكر أنني كنت في زيارة لإحدى الدول العربية، ومررت بشارع يحمل اسم المغيرة بن شعبة، فتعجبت في نفسي متسائلاً بأسف: ألم يجد القائمون على تسمية الشوارع اسماً أفضل من هذا ليطلقوه على شارعهم؟
إذ لو جاء شخص من خارج البيئة الإسلامية واطلع على تاريخ هذا الرجل، لتملكه العجب وتساءل مستنكراً: أتطلقون اسم المغيرة على شوارعكم؟ أمعقول أنه لم يبقَ من الصحابة أحد غير المغيرة لتكرموه بهذا الشكل؟ إن المغيرة ينتمي إلى قبيلة ثقيف، وهي قبيلة تضاهي قريشاً في مساوئها أو ربما تفوقها سوءاً، باستثناء من رحمهم الله تعالى بطبيعة الحال.
كانت قبيلة ثقيف تعيش عقدة تاريخية ونفسية عميقة؛ فبينما كانت قريش توصف بأنها من (الطلقاء)، كانت ثقيف تُعرف بـ (العتقاء)، أي العبيد الذين أعتقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله). والفارق هنا أن الطليق هو من أُرجئ استعباده، وكأن في الأمر وقف تنفيذ لحكم الرق، أما العتيق فهو من ثبتت عبوديته أولاً ثم نال العتق لاحقاً. وقد حدث هذا العتق بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله).
وفي ظل هذه العقدة النفسية، ارتحل المغيرة بن شعبة مع ثلاثة عشر رجلاً من قومه ثقيف متوجهاً إلى مصر لزيارة حاكمها المقوقس. وهناك حظي الوفد بترحيب وإكرام كبيرين، غير أن المقوقس، بما امتلكه من فراسة ونظر ثاقب، تفرس في المغيرة ولم يبدِ له تقديراً خاصاً أو مكانة تذكر، بل إنه أغدق العطايا والهدايا على مرافقي المغيرة بينما حرمه هو منها بالكامل.
أدى هذا الحرمان إلى تفاقم العقد النفسية في وجدان المغيرة وتأصلها. وهنا تجدر الإشارة إلى حقيقة مهمة: أيها السادة، إياكم أن تصبحوا أنداداً لشخص تحركه العقد النفسية؛ لأنكم ستخسرون أنفسكم حتماً في مواجهته. فالإنسان المعقد لن يتمكن من التحرر من صراعاته الداخلية وعقده النفسية، مهما ترقى في الدرجات وتبوأ أعلى المناصب.
ونتيجة لذلك، غلى في صدر المغيرة مرجل من الغضب العارم والحنق والحسد الشديد تجاه رفاقه. وفي طريق عودتهم، انقض عليهم وذبحهم جميعاً بلا استثناء، مستولياً على كل ما يحملونه من هدايا ثمينة. ولما بات عاجزاً عن العودة إلى موطنه في الطائف بعد هذه الجريمة، شد رحاله مباشرة نحو المدينة المنورة. وحين وصل إليها، ألقى بنفسه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) معلناً إسلامه بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وضج المجلس بصلوات الحاضرين.
وقدم المغيرة تلك الغنائم المنهوبة للنبي قائلاً: ها هي ذي أموالي أضعها بين يديك يا رسول الله. فكان رد النبي (صلى الله عليه وآله) حاسماً وواضحاً، حيث قال له: أما إسلامك فنقبله، وأما هذه الأموال فإنها أموال غدر وخيانة ولا حاجة لنا بها. وحينما اقترح المغيرة قائلاً: خذ خمسها يا رسول الله، أجابه النبي بالرفض قائلاً: ولا أخمسها كذلك. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الواقعة نضعها برسم من يدعون واهمين أن فريضة الخمس أمر مستحدث، ظهر فقط في زمن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).
وهناك حرب خفية تُشن في هذا الصدد، وسوف أفرد لها حديثاً مفصلاً ومستقلاً إن نشاء الله في الأجل وأبقاني على قيد الحياة في هذا الشهر الشريف. فالمسألة تمتد جذورها منذ ذلك الحين لتشمل حتى سهم السادة؛ إذ يروى أن رجلين من بني عبد المطلب طلبا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يفرض لهما نصيباً من أموال الصدقة الواجبة، فرفض النبي ذلك بحسم قائلاً: لا. ثم وجه أمره إلى وكيله على أموال الخمس بأن يزوجهما، مؤكداً أنه لا يحق لهما أخذ الصدقة والزكاة الواجبة، فزوجهما من أموال الخمس، وتحديداً من سهم السادة.
هذا هو المغيرة بن شعبة، الذي لم تتوقف تجاوزاته عند هذا الحد، بل إنه حاول في معركة صفين أن يراود عمار بن ياسر عن دينه ويفسد عقيدته مستفهماً منه: ما رأيك لو تترك علي بن أبي طالب؟ وكان عمار بن ياسر آنذاك شيخاً كبيراً تجاوز التسعين من عمره، قد أفنى حياته كلها مجاهداً بين يدي الله ورسوله، ليأتي هذا الصغير ويحاول مراودته عن دينه وموقفه. كما عُرف عن المغيرة تجاسره بالنيل من الإمام علي (عليه السلام) والانتقاص منه في خطب الجمعة. هذا هو النموذج الأول لولاة الكوفة، ليتضح لنا طبيعة السلطة هناك.
أما الوالي الثاني الذي تولى حكم الكوفة فهو زياد بن أبيه. وهنا نسأل: ابن من هو؟ إنه يُعرف بنسبته المبهمة (ابن أبيه)، وقد قام معاوية بن أبي سفيان باستلحاقه ونسبته إلى أبيه أبي سفيان في خطوة تخالف أحكام الشريعة الإسلامية الصريحة، إذ يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وأشير هنا، من واقع عملي القضائي في المحكمة، إلى أنه حين يتقدم شخص بدعوى لإثبات نسبه أو نفيه، مستنداً إلى رأي سماحة السيد السيستاني في أن فحص الحمض النووي أو الفحص الجيني يورث العلم واليقين، وبذلك تقوم به الحجة وتثبت به البينة القانونية والشرعية؛ أرد على هذا الادعاء قائلاً: نعم يا صاحبي، ولكن قبل أن نعتمد على العلم واليقين المستفاد من هذا الفحص الجيني، لا بد لنا من إثبات حقيقة شرعية تسبقه، وهي ثبوت العلاقة الزوجية. فالقضاء الشرعي لا يبحث عن مجرد الولادة والصلة البيولوجية الطبيعية، بل يبحث بالأساس عن الولادة الشرعية الناتجة عن عقد صحيح. فإذا انتفى وجود الزواج الشرعي، فما الذي ينفعنا من وراء الفحص الجيني؟ حتى وإن كان الشبه البدني ثابتاً، كما كان حال زياد بن أبيه وشبهه الكبير بأبي سفيان.
فهل كان هناك زواج شرعي في حالة زياد؟ الواقع التاريخي يذكر أن أمه تعاقب عليها أربعة من رجال العرب في طهر واحد، وكان من بينهم أبو سفيان. وحسب الأعراف السائدة آنذاك لنساء هذا الصنف، كانت المرأة هي التي تفصل في الأمر وتختار من تنسب إليه المولود؛ فاختارت نسبته إلى أبي سفيان طمعاً في إنفاقه على بناتها، ولم تختر العاص بن وائل السهمي أو غيره من الرجال الآخرين.
عاش زياد بن أبيه في فترة من فترات حياته تحت رعاية عبد الله بن عباس إبان ولايته على البصرة، حيث كان ابن عباس ينيطه ببعض المهام الإدارية، وهو ما مكن زياداً من معرفة الشيعة وخباياهم عن قرب. ولما انقلب عليهم والتحق بالمعسكر الأموي، وظّف هذه المعرفة ضدهم؛ فتتبعهم في كل مكان وتحت كل حجر ومدر، وعمد إلى سمل عيونهم، وصلب أجسادهم، وذبح العلماء والصلحاء منهم، فضلاً عن تهجيرهم، والتنكيل البشع بهم، وقطع أرزاقهم بإيقاف عطاءاتهم المستحقة من بيت مال المسلمين. هذا هو الوالي الثاني الذي سُلط على رقاب أهل الكوفة.
أما الوالي الثالث فهو الضحاك بن قيس الفهري، الذي كان يشغل منصب قائد شرطة معاوية بن أبي سفيان. وهو الشخص الذي زيّن لمعاوية فكرة تولية ابنه يزيد من بعده، وهو الذي أمَّ الناس بالصلاة على جنازة معاوية بعد موته، مصداقاً للآية الكريمة: ï´؟ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُï´¾. فماذا يتوقع المرء أن يكون حال الكوفة وسياسة إدارتها في ظل وجود والٍ كهذا؟
ويليه الوالي الرابع للكوفة وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي. يُعرف هذا الوالي بانتسابه إلى أمه، فيقال له: عبد الرحمن بن أم الحكم. وأم الحكم هذه هي أخت معاوية بن أبي سفيان، وابنة أبي سفيان، وأمها هند بنت عتبة. أما جدتها فهي تلك الشخصية التي لا أحب الخوض في تسمياتها وتفاصيل نسبها حقيقة، لما تحمله من سمعة تاريخية معروفة.
أما جده عثمان الثقفي، فقد كان يحمل راية من رايات المشركين في غزوة حنين. ومن الذي تولى إسقاط تلك الراية وقتل عثمان؟ إنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). ومن خلال هذه التفاصيل التاريخية، تتجلى بوضوح السياسة الممنهجة التي اتبعها معاوية في انتقاء نوعية الحكام والولاة على الكوفة تحديداً؛ إذ كان يختارهم بعناية من بين الموتورين الذين يحملون ثارات شخصية، والمعقدين نفسياً، وأبناء الزنا، وفاقدي النسب الشرعي، فضلاً عن اتصافهم بالغدر والحقد والحسد الدفين.
إننا نتحدث عن تولية مستمرة ومتعاقبة لهذه النوعية من الشخصيات على مدى سنوات متلاحقة. ولنا أن نتخيل حجم الحقد المشتعل في نفس الوالي حين يستحضر أن الإمام علياً (عليه السلام) هو من شدخ أنف جده في معركة من المعارك الكبرى وقصم كبرياءه. وفي أي معركة حدث ذلك؟ لقد حدث في معركة حنين التي تراجع فيها الجميع وانهزموا، ولم يثبت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سوى تسعة أفراد فقط؛ ثمانية منهم من رجالات بني هاشم، والتاسع هو البطل أيمن بن أم أيمن (رحمه الله)، الذي نال شرف الشهادة في ذلك اليوم.
وكان العباس، عم النبي، يتميز بصوت جهوري وقوي، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): يا عم، نادِ في الناس لعلهم يرجعون بعد أن ولوا دبرهم هاربين. وكان يرافق العباس بن عبد المطلب في ذلك الموقف ولده الفضل، وهو رجل ظلمته القراءة التاريخية الشائعة وأغفلت ذكره، إذ برز بعض إخوته في المشهد العام على حسابه. وفي تلك اللحظات الحرجة من المعركة، تفوه العباس بكلمة تفتقر إلى الكياسة بحق الإمام علي (عليه السلام)، كان مضمونها الاستفسار بنبرة عتب وتقليل عن غياب علي في ذلك الموضع الحرج، قائلًا إننا فقدنا وجوده اليوم.
عندها صاح به ولده الفضل منبهاً إياه ومصححاً تصوره: حدّق النظر جيداً يا أبتِ وانظر هناك. فأجاب العباس: نعم، إني أرى شيئاً يبرق ويلمع في قلب المعركة. فقال له الفضل: إن هذا اللمعان هو بريق سيف علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يطيح برايات المشركين ويسقطها واحدة تلو الأخرى. وبناءً على هذه الخلفية، يتبين أن الوالي المفروض على الكوفة كان حفيداً لعثمان الثقفي الذي قتل الإمام علي جده بيده.
أما الوالي الأخير في هذه السلسلة فهو: النعمان بن بشير الأنصاري. وحين نتطرق إلى قبيلة الأنصار، فإن مواقفهم التاريخية تستحق كل الشكر والتقدير والثناء، باستثناء بيتين اثنين شذّا عن الإجماع الأنصاري؛ البيت الأول هو بيت بشير بن سعد الأنصاري، وهو والد هذا الوالي النعمان، والبيت الثاني هو بيت أسيد بن حضير. هذان البيتان هما الوحيدان من قبائل الأنصار اللذان انحازا إلى صف معاوية بن أبي سفيان في معركة صفين، بينما وقفت بقية بيوت الأنصار ورجالاتهم قاطبة في خندق الإمام علي (عليه السلام).
وفي المقابل، كان موقف قريش على النقيض تماماً؛ إذ لم يثبت مع الإمام علي من وجوههم سوى خمسة رجال فقط، بينما التحقت الأغلبية الساحقة منهم بمعسكر معاوية، تماشياً مع طبيعة تكتلهم المناهض وضغينتهم المألوفة ضد علي (عليه السلام).
هؤلاء هم الولاة الذين شكلوا سلطة الكوفة وأداروا دفة حكمها. فما هو يا ترى وضع الشيعة هناك؟ انتبهوا جيداً إلى هذا التساؤل: كيف كان حال شيعة الكوفة وإمامهم؟
مقتطف من محاضرة لسماحة الشيخ محمد كنعان، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي
| |
|
|
|
|
|