العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية المنتدى الثقافي

المنتدى الثقافي المنتدى مخصص للكتاب والقصة والشعر والنثر

 
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 2,073
بمعدل : 0.52 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : المنتدى الثقافي
افتراضي خلف غَرفة الماء.
قديم بتاريخ : اليوم الساعة : 08:23 AM




تفكيك الموقف الرسالي في إيثار العباس بن علي (عليه السلام)






يكرر بعض خطباء المنبر وصف مشهد درامي لطالما هزّ الوجدان يتعلق بالوصول الأخير للعباس بن علي (عليه السلام) إلى ضفاف الفرات ؛ وذلك بقولهم: (لما غرف العباس غرفة من الماء ليشرب، تذكر عطش الحسين (عليه السلام) فرماه..). لكننا حينما نضع هذا المشهد تحت مجهر النقد التحليلي والمنطقي، يِبرز تساؤل موضوعي؛ كيف ينسى العباس (عليه السلام) عطش الحسين (عليه السلام) ثم يتذكره بعد ذلك وهو الذي اقتحم الشريعة وخاض غمار الحرب مستميتاً لأجل جلب الماء له وللأطفال؟ وإنه لم يغادر الخيام إلا بقلب يتفطر على عطش أخيه (عليه السلام) ؛ مما يجعل فرضية (النسيان ثم التذكر) قاصرة عن إدراك العمق الحقيقي للحدث ومجحفة بحق الوعي الصلب لـ قمر بني هاشم.

ولذلك فإن قراءة حركة العباس (عليه السلام) عند نهر الفرات تتجاوز الرؤية العاطفية السطحية إلى بعد معرفي أعمق؛ فالعباس لم ينسَ ليتذكر ؛ بل كان يخوض صراعاً علنياً ضد غريزة البقاء البشري، ففي تلك اللحظة، كان يواجه حصاراً مزدوجاً يتمثل بحصار الجيش الأموي من الخارج، وحصار الحاجة البيولوجية القاتلة للماء من الداخل، فغرفُ الماء باليد لم يكن خطوة نحو الشرب، بل كان تحدياً صارخاً لجيش الأعداء الذي كان يراقب المشهد، وإثباتاً عملياً لكسر الحصار النفسي والمادي، فلقد أثبت أنه يملك الماء متمثلاً في قبضة يده، ولكنه يرفضه بكامل إرادته وعقيدته. فلقد جاءت أرجوزته التأريخية لتضع النقاط على الحروف، وتلخص عقيدة سياسية وروحيّة واعية:

يَا نفس منْ بعْد الحُسين هوني.. وَبعْدَهُ لَا كُنْتِ أَنْ تَكُونِي هَذَا الحُسَيْنُ وَارِدُ المَنُونِ.. وَتَشْرَبِينَ بَارِدَ المَعِينِ تَاللهِ مَا هَذَا فِعَالُ دِينِي.. وَلَا فِعَالُ صَادِقِ اليَقِينِ. هذه الكلمات لم تكن ردة فعل عفوية، بل كانت بياناً عقائدياً حاسماً، فالعباس (عليه السلام) يربط الامتناع عن الشرب بالمنظومة القيمية (فِعَالُ دِينِي.. وصَادِقِ اليَقِينِ)، فهو يرى أن شرب الماء قبل إمامه وقائده يخدش كمال اليقين ويسقط معايير الوفاء الرسالي؛ فالقضية هنا قضية مبدأ وتنظيم قيادي وروحي، وليست مجرد عاطفة أخوية جياشة.


من زاوية مماثلة يقدم موقف العباس (عليه السلام) على ضفاف الفرات التطبيق العملي الأسمى للآية القرآنية: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)، والخصاصة هي الحاجة الشديدة التي يفتقر الإنسان إليها ؛ أي إن العباس (عليه السلام) في ذلك الموقف كان يعاني عطش الصحراء وجراح القتال، ومع ذلك، قدم الإيثار في أبهى صوره؛ ليس إيثاراً بالطعام، بل إيثاراً بغرفة الماء التي تعني حرفياً الخيار بين الحياة والموت، فلقد حول العباس (عليه السلام) العطش من حالة ضعف إنساني إلى أداة تترجم أسمى قيم التضحية والإيثار .

وهنا لا بد من الإشارة الى أن اختزال مواقف الشخصيات العظيمة في جوانب الاندفاع العاطفي غير الواعي يفقدها قيمتها التربوية والفكرية، فظفر العباس (عليه السلام) بالماء على شاطئ الفرات لم يكن مشهد تذكر بعد غفلة ؛ بل كان قراراً فريدا أملته عليه عقيدته الراسخة التي لم تنظر إلى جميع الحاجات المادية بقدر نظرها إلى المبدأ؛ لتظل تلك القطرات المسكوبة رمزاً كونياً للإيثار الحر الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان.

الكاتب علي الغزالي


من مواضيع : صدى المهدي 0 بين العصمة والتخصص في زمن الغيبة
0 الشِرك بثوبٍ جديد!
0 ما معنى قيمومة الرجل على المرأة؟
0 خلف غَرفة الماء.
0 صلب رأس الإمام الحسين (عليه السلام) في عواصم الخلافة
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)



تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 08:32 PM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.14 by DRC © 2000 - 2026
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية