|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,091
|
|
بمعدل : 0.52 يوميا
|
|
|
|
|
|
المنتدى :
منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام
الإمام الحسن المجتبى (ع) في حماية مشروع النهضة الحسينية
بتاريخ : يوم أمس الساعة : 08:08 AM
من أبرز النَّتائج التَّاريخيَّة للمشروع الحسني حفظ قائد عاشوراء، والمحافظة على الطَّاقات البشريَّة التي احتضنت النَّهضة الحسينيَّة، وتهيئة الظُّروف الفكريَّة والاجتماعيَّة التي كشفت حقيقة المشروع الأموي، حتَّى أصبحت الأمَّة أكثر استعدادًا لاستيعاب رسالة كربلاء وأهدافها. كما كشفت عن وجود مبدأ متكرِّر في مدرسة أهل البيت يتمثَّل في تقديم التَّضحيات...
تُعدُّ العلاقة بين صلح الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام) من أكثر القضايا أهميَّة في دراسة تاريخ أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنَّ كثيرًا من القراءات التَّاريخيَّة تناولت الحدثينِ بوصفهما موقفينِ منفصلينِ، أو باعتبارهما استجابتينِ مختلفتينِ لظروف سياسيَّة متباينة، في حين أنَّ التَّأمُّل في مجريات الأحداث يكشف عن وحدة المشروع والغاية، وأنَّ كلا الإمامينِ (عليهما السلام) كان يتحرَّك ضمن رؤية رساليَّة واحدة تستهدف حفظ الإسلام، وصيانة الأمَّة من الانحراف.
وتكمن أهميَّة هذه الدِّراسة في أنَّها تسلِّط الضَّوء على البعد الاستراتيجي في سيرة الإمام الحسن الزكي (عليه السلام)، وتقدِّم قراءة تربط بين الصُّلح وعاشوراء ضمن إطار مشروع واحد، بدأ بحماية القيادة الرِّساليَّة، وانتهى بصناعة أعظم حدث إصلاحي في وجدان الأمَّة الإسلاميَّة.
الفصل الأوَّل: حفظ الإمام الحسين (عليه السلام)
المبحث الأوَّل: العلاقة بين صلح الإمام الحسن (عليه السلام) ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام)
عند دراسة الأحداث المفصليَّة في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام)، لا يمكن النَّظر إلى صلح الإمام الحسن (عليه السلام) ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفهما حدثينِ منفصلينِ أو موقفينِ متعارضينِ، فالقراءة التَّحليليَّة تكشف عن وحدة المشروع ووحدة الهدف. فالإمامانِ الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا يمثِّلان امتدادًا واحدًا لخط الإمامة، وكان كلٌّ منهما يؤدِّي الدَّور الذي كُلِّف به وتفرضه المرحلة من أجل حفظ الدِّين، وصيانة الرِّسالة، واستمرار خط النُّبوة.
وقد عبَّر الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) عن هذه الحقيقة بحديثه المشهور: "الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ إِمامانِ قاما أَوْ قَعَدا"(1)، وهو نصٌّ يؤسِّس لفهمٍ دقيقٍ لطبيعة المواقف التي صدرت عن الإمامينِ (عليهما السلام)؛ إذ إنَّ قيام أحدهما أو مهادنة الآخر لا يغيِّر من حقيقة الإمامة، ولا من مشروعيَّة الموقف المتَّخذ؛ لأنَّ المعيار تحقيقهما للمصلحة العليا للإسلام، وحفظها للهدف الإلهي.
ومن هنا فإنَّ الهدنة أو الصُّلح الذي أبرمه الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية لا يصح تفسيره بوصفه تراجعًا عن مواجهة الباطل، كما لا يمكن تصوير نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) على أنَّها خروج على منهجه. وكلا الموقفينِ كانا حلقتينِ متكاملتينِ ضمن خطَّة إلهيَّة واحدة استهدفت حماية الرِّسالة الإسلاميَّة من التَّحريف والانحراف.
فبعد استشهاد أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام) واجه الإمام الحسن (عليه السلام) مجتمعًا أنهكته الحروب والصِّراعات الدَّاخليَّة، وضعفت فيه روح الطَّاعة والالتزام، وتغلغلت فيه شبكات المصالح والولاءات القبليَّة التي نجح معاوية في بنائها عبر المال والإعلام والتَّرهيب. وتشير المصادر التَّاريخيَّة إلى أنَّ جيش الإمام الحسن (عليه السلام) تعرَّض لحالات واسعة من الاختراق والتَّفكك، حتَّى بلغ الأمر ببعض قادته إلى مراسلة معاوية سرًّا وعرض الولاء له(2). وفي مثل هذه الظُّروف لم يكن الخيار العسكري قادرًا على تحقيق الأهداف المرجوة، وكان ينذر بالقضاء على البقيَّة المؤمنة التي تمثِّل الامتداد الحقيقي لخط أهل البيت (عليهم السلام).
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحابِ الحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) يُقالُ لَهُ سُفْيانُ بْنُ لَيْلى؛ وَهُوَ عَلى راحِلَةٍ لَهُ، فَدَخَلَ عَلَى الحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) وَهُوَ مُحْتَبٍ فِي فِناءِ دارِهِ، فَقالَ لَهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُذِلَّ المُؤْمِنِينَ!
فَقالَ لَهُ الحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلامُ): انْزِلْ، وَلا تَعْجَلْ.
فَنَزَلَ، فَعَقَلَ راحِلَتَهُ فِي الدَّارِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي حَتّى انْتَهَى إِلَيْهِ.
قالَ: فَقالَ لَهُ الحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلامُ): ما قُلْتَ؟
قالَ: قُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُذِلَّ المُؤْمِنِينَ.
قالَ: وَما عِلْمُكَ بِذلِكَ؟
قالَ: عَمَدْتَ إِلى أَمْرِ الأُمَّةِ، فَخَلَعْتَهُ مِنْ عُنُقِكَ، وَقَلَّدْتَهُ هذَا الطّاغِيَةَ، يَحْكُمُ بِغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللهُ.
قالَ: فَقالَ لَهُ الحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلامُ): سَأُخْبِرُكَ لِمَ فَعَلْتُ ذلِكَ، قالَ: سَمِعْتُ أَبِي (عَلَيْهِ السَّلامُ) يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): لَنْ تَذْهَبَ الأَيَّامُ وَاللَّيالِي حَتّى يَلِيَ أَمْرَ هذِهِ الأُمَّةِ رَجُلٌ واسِعُ البُلْعُومِ، رَحْبُ الصَّدْرِ، يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَهُوَ مُعاوِيَةُ. فَلِذلِكَ فَعَلْتُ. ما جاءَ بِكَ؟
قالَ: حُبُّكَ... قالَ: فَقالَ الحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلامُ): وَاللهِ لا يُحِبُّنا عَبْدٌ أَبَدًا، وَلَوْ كانَ أَسِيرًا بِالدَّيْلَمِ، إِلَّا نَفَعَهُ حُبُّنا، وَإِنَّ حُبَّنا لَيُساقِطُ الذُّنُوبَ مِنْ بَنِي آدَمَ كَما يُساقِطُ الرِّيحُ الوَرَقَ مِنَ الشَّجَرِ"(3). إنّ الإمام (عليه السلام) كان يعلم أنَّ هذا الفرد محبٌّ له؛ وإنَّما جاء لزيارته إلَّا أنَّ عقله غير قادر على تحليل القضايا السِّياسيَّة خاصَّة مثل هذه القضية.
لذلك جاء الصُّلح بوصفه إجراءً استراتيجيًّا يهدف إلى حفظ الكيان الرِّسالي وحماية العناصر المؤمنة، وإعطاء الأمَّة فرصة لاكتشاف حقيقة الحكم الأموي بعيدًا عن الشِّعارات التي كان يرفعها معاوية. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة نجاح هذا التَّقدير؛ إذ سرعان ما كشف معاوية عن حقيقة مشروعه السِّياسي عندما قال: "إِنِّي وَاللهِ ما قاتَلْتُكُمْ لِتُصَلُّوا، وَلا لِتَصُومُوا، وَلا لِتَحُجُّوا، وَلا لِتُزَكُّوا، إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذلِكَ، وَلَكِنِّي قاتَلْتُكُمْ لِأَتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ أَعْطانِيَ اللهُ ذلِكَ وَأَنْتُمْ لَهُ كارِهُونَ. وَإِنِّي مَنَّيْتُ الحَسَنَ وَأَعْطَيْتُهُ أَشْياءَ، وَجَمِيعُها تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَلا أَفِي بِشَيْءٍ مِنْها"(4)؛ الأمر الذي أدَّى إلى سقوط الكثير من الأقنعة التي كانت تخدع الجماهير.
وبعبارة أخرى: إنَّ الصُّلح كان بداية مرحلة جديدة؛ فقد انتقلت المعركة من ساحة السِّلاح إلى ساحة الوعي، ومن المواجهة العسكريَّة المباشرة إلى عمليَّة طويلة لكشف الانحراف وتعرية السُّلطة الأموية أمام الرَّأي العام الإسلامي. وهذه العمليَّة هي التي هيأت الأرضيَّة الفكريَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة التي ستستقبل فيما بعد نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).
وعند التَّأمل في شروط الصُّلح وما ترتب عليها من نتائج(5)، يظهر أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان يرسم للأمَّة مستقبلًا أبعد من حدود زمانه. فالمشكلة الأساسيَّة كانت في المنظومة السِّياسيَّة التي كانت تسعى إلى تحويل الخلافة الإسلاميَّة إلى ملك عضوض قائم على الوراثة والاستبداد. وقد ساعدت سنوات حكم معاوية اللاحقة على إظهار هذا المشروع بصورة أكثر وضوحًا، حتَّى وصل الأمر إلى فرض يزيد وليًّا للعهد(6)، وهو ما مثَّل نقطة فاصلة في تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة.
وهنا تتجلَّى العلاقة بين الصُّلح والنَّهضة؛ فلو لم يسبق عاشوراء ذلك الكشف التَّدريجي لحقيقة الحكم الأموي، لما تمكَّنت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) من تحقيق آثارها العظيمة في الوعي الإسلامي. فالجماهير كانت بحاجة إلى مرحلة طويلة ترى فيها بنفسها نتائج الانحراف، وتعاين حجم التَّلاعب بالقيم الإسلاميَّة، حتَّى تصبح مهيأة لفهم رسالة كربلاء، واستيعاب أهدافها.
ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مرحلة تأسيسيَّة لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لأنَّ كثيرًا من المعطيات التي صنعت البيئة الفكريَّة لعاشوراء كانت ثمرة مباشرة لذلك الصُّلح.
ويؤيِّد هذا الفهم ما تشير إليه السُّنن القرآنيَّة في إدارة الصِّراع بين الحقِّ والباطل؛ إذ إنَّ الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) كانوا يختارون دائمًا الوسيلة الأكثر انسجامًا مع متطلبات المرحلة. فالقرآن الكريم يحدِّثنا عن صلح الحديبية الذي بدا لبعض المسلمين تنازلًا مؤلمًا، بينما وصفه الله (تعالى) بقوله: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)(7)؛ لأنَّ نتائجه البعيدة كانت أوسع من نتائج المواجهة العسكريَّة المباشرة. وقد مثَّل صلح الإمام الحسن (عليه السلام) في جانب من أبعاده نموذجًا مشابهًا؛ إذ كشف مع مرور الزَّمن عن ثمار لم تكن ظاهرة لكثير من النَّاس في حينها.
ولذلك، فإنَّ من أعظم ما حقَّقه الإمام الحسن (عليه السلام) أنَّه وفَّر الشُّروط التَّاريخيَّة التي حفظت مشروع عاشوراء من التَّدمير المبكر. فقد صان البقيَّة الصَّالحة من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وكشف حقيقة السُّلطة الأموية، ورسَّخ التَّمييز بين الإسلام المحمَّدي الأصيل والإسلام الذي حاولت السُّلطة توظيفه لخدمة مصالحها السِّياسيَّة.
وبذلك، تتَّضح حقيقة جوهريَّة في تاريخ الإمامة، وهي أنَّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هما مرحلتانِ متكاملتانِ في مشروع واحد. فالصُّلح رسم الطَّريق، والنَّهضة أكملت المسير، والإمام الحسن (عليه السلام) حفظ الرِّسالة عبر الصَّبر والثَّبات، بينما جسَّد الإمام الحسين (عليه السلام) ذروة التَّضحية في سبيلها. ومن دون فهم هذه الوحدة بين الموقفينِ يبقى تفسير عاشوراء ناقصًا؛ لأنَّ كربلاء بدأت في الحقيقة يوم اختار الإمام الحسن (عليه السلام) أن يحفظ للأمَّة إمامها القادم، ورسالتها الخالدة، ومستقبل نهضتها الكبرى.
إنَّ أيَّ حركة تغييريَّة تحتاج إلى قائد يحمل في شخصيَّته أهدافها ومبادئها وقيمها. وهذه الحقيقة هي سنَّة اجتماعيَّة وتاريخيَّة أكَّدتها التَّجارب الإنسانيَّة عبر العصور. فالقائد الرِّسالي هو محور الحركة وقلبها والضَّامن لاتِّجاهها الصَّحيح. ومن هنا كان استهداف القادة الإلهيين يمثِّل دائمًا أولويَّة لدى قوى الانحراف؛ لأنَّها تدرك أنَّ القضاء على القيادة يسهِّل القضاء على المشروع بأكمله.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى عندما جعل وجود القائد الإلهي محورًا للهداية، فقال الله (سبحانه): (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(8). فالقرآن في هذا الموضع يتحدَّث عن شخصيات اختارها الله (تعالى) لتكون موضع اقتداء الأمَّة ومرجعيتها في أوقات الأزمات والتَّحولات الكبرى.
وعلى ضوء ذلك يمكن فهم جانب مهم من أبعاد صلح الإمام الحسن (عليه السلام)؛ إذ إنَّ المحافظة على حياة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت في حقيقتها محافظة على الدَّور المستقبلي الذي أعدَّه الله (تعالى) له. فلو انتهت المواجهة العسكريَّة في زمن الإمام الحسن (عليه السلام) إلى القضاء على أهل البيت (عليهم السلام) وعلى القيادات الرِّساليَّة الباقية، لما وُجدت عاشوراء بالشَّكل الذي عرفه التَّاريخ، ولما تحقَّق ذلك الزِّلزال الفكري الذي أعاد رسم مسار الأمَّة الإسلاميَّة.
لقد كانت الأمَّة الإسلاميَّة تمرُّ بمرحلة شديدة الحساسيَّة، حيث كان الحكم الأموي يعمل على إعادة تشكيل الوعي العام وصياغة مفاهيم جديدة للسُّلطة والدِّين والعلاقة بين الحاكم والمحكوم. وفي مثل هذه الظُّروف كان لا بدَّ من وجود شخصيَّة تمتلك أعلى درجات الشَّرعية الدِّينيَّة والأخلاقيَّة؛ لتقف في وجه هذا الانحراف عندما يبلغ ذروته. ولم يكن في الأمَّة آنذاك من يجسِّد هذه المواصفات كما يجسِّدها الإمام الحسين (عليه السلام)، سبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وسيِّد شباب أهل الجنَّة، ووارث خط النُّبوة والإمامة.
وبذلك، تتَّضح العلاقة الوثيقة بين حفظ الإمام (عليه السلام) وحفظ الرِّسالة. فالإسلام هو منظومة قيم ومبادئ تحتاج إلى من يجسِّدها عمليًّا ويحفظها من التَّحريف. والإمام الحسين (عليه السلام) كان الحامل لمشروع إلهي كبير أراد الله (تعالى) أن يبقى حيًّا في وجدان الأمَّة إلى يوم القيامة.
ومن السُّنن القرآنيَّة الثَّابتة أنَّ الله (سبحانه) يحفظ دينه من خلال حفظ أوليائه وحججه في الأرض، قال (تعالى): (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (9). وكان الإمام الحسين (عليه السلام) وسيبقى أحد أعظم مصاديق هذا النُّور الإلهي الذي أراد أعداء الإسلام إخماده، فاقتضت الحكمة الإلهيَّة أن يُحفظ حتَّى يؤدِّي دوره التَّاريخي في اللحظة التي يصبح فيها استشهاده نفسه وسيلة لإحياء الدِّين.
ومن هذا المحور نخلص إلى حقيقة أنَّ أحد أعظم إنجازات الإمام الحسن (عليه السلام) تمثَّل في صيانة الرُّكن الذي ستقوم عليه نهضة عاشوراء؛ لأنَّ بقاء الإمام الحسين (عليه السلام) كان بقاءً لمستقبل الأمَّة، وبقاءً لصوت الحقِّ الذي سيبقى يوقظ الضَّمائر، ويهدي الأجيال على امتداد التَّاريخ.
المبحث الثَّاني: الأخطار التي كانت تهدد الإمام الحسين (عليه السلام)
إنَّ فهم الدَّور الذي أدَّاه الإمام الحسن (عليه السلام) في حفظ الإمام الحسين (عليه السلام) يقتضي الوقوف عند طبيعة البيئة السِّياسيَّة التي كانت تحيط بالإمام الحسين (عليه السلام) خلال عهد معاوية بن أبي سفيان؛ إذ كانت مرحلة اتَّسمت بترسيخ الحكم الأموي، وإحكام السَّيطرة على المجتمع الإسلامي عبر منظومة واسعة من القمع والإقصاء والملاحقة المنظمة لكلِّ من يُحتمل أن يشكِّل تهديدًا لمشروعيَّة السُّلطة أو يكشف انحرافاتها.
لقد أدرك معاوية أنَّ أكبر عقبة أمام مشروعه السِّياسي تتمثَّل في الامتداد الرِّسالي الذي يمثِّله أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنَّ وجودهم كان يحفظ في وجدان الأمَّة النُّموذج الإسلامي الأصيل الذي يقف في مقابل النُّموذج الأموي القائم على توظيف الدِّين لخدمة السُّلطة. ولذلك اتَّجه إلى إعادة تشكيل الوعي العام وإضعاف القوى الموالية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، مستخدمًا في ذلك وسائل متعدِّدة شملت التَّرهيب، والإغراء المالي، والتَّضييق السِّياسي، والتَّصفية الجسديَّة. ومن أبرز الشَّواهد على ذلك قتل مالك الأشتر (رضوان الله عليه)، فقد
أرسل أمير المؤمنين (عليه السلام) مالكًا واليًا على مصر، فلمَّا وصل إلى مدينة القلزم دسَّ معاوية له السُّم بشربة من عسل، فمات من يومه أو من غد(10).
وكذلك قضيَّة مقتل الصحابي الجليل حجر بن عدي، ومن معه من المؤمنين مشهورة، وقد بعثهم ابن زياد من الكوفة إلى الشَّام مكبَّلين بالحديد، وكان مع حجر جماعة؛ قيل: عددهم عشرون رجلًا، وقيل: أربعة عشر، منهم: الأرقم بن عبدالله الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرَّحمن بن حسان العريان، ومحرز بن شهاب التميمي، وعبيد الله بن حوبة السَّعدي التميمي... (11).
وكان السَّبب في قتل حجر بن عدي ومن معه هو ولاؤهم لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وعدم قبولهم البراءة منه وشتمه ولعنه، حيث أمرهم معاوية وولاته بذلك. فعن إبراهيم بن يعقوب أنَّه قال: "... وقُتل -أي حجراً- في موالاة عليٍّ"(12). وورد في مقتل حجر بن عدي، وبقيَّة أصحابه، أنَّه قال لهم رسول معاوية: "قد اُمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليٍّ إن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم"(13). وقد أخبر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بهذه الجريمة، وأبلغ بذلك قبل وقوع الحادثة: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "سيُقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السَّماء"(14). قال المناوي في فيض القدير في شرح الجامع الصَّغير: "هم حجر بن عدي الأدبر وأصحابه، وفد على المصطفى(صلَّى الله عليه وآله) وشهد صفين مع عليٍّ (عليه السلام) أميراً، وقُتل بعذراء من قرى الشَّام، وقبره بها..."(15).
وقد وصف القرآن الكريم هذا النَّمط من السُّلوك السُّلطوي بقوله (تعالى): (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (16)، حيث تشير الآية إلى أنَّ من سمات الأنظمة المنحرفة تقسيم المجتمع، وإضعاف القوى التي يُخشى من تأثيرها. وعلى الرَّغم من اختلاف الأزمنة والظُّروف، فإنَّ السُّنن الاجتماعيَّة التي تحكم سلوك الطُّغاة تبقى متشابهة في كثير من مظاهرها.
وفي ظلِّ هذه الأجواء يبرز سؤال جوهري: إذا كانت السُّلطة الأمويَّة قد نجحت في الوصول إلى كثير من الشَّخصيات المؤثِّرة وقتلها أو إسكاتها، فكيف نجا الإمام الحسين (عليه السلام) من هذه السِّياسة؟
وكيف بقي حيًّا على الرَّغم أنَّه كان الشَّخصيَّة الأكثر خطرًا على المشروع الأموي، والأكثر حضورًا في ضمير الأمَّة الإسلاميَّة؟
إنَّ الإجابة عن هذا السُّؤال تقودنا إلى فهم أعمق للدَّور الذي أدَّاه الإمام الحسن (عليه السلام) عن طريق الصُّلح. فمعاوية، على الرَّغم من نزوعه إلى البطش والتَّخلص من خصومه، كان يدرك أنَّ المساس المباشر بالإمام الحسين (عليه السلام) في ظلِّ وجود بنود الصُّلح، وما يتمتع به الإمام (عليه السلام) من مكانة عظيمة في الأمَّة قد ينتهي إلى نتائج لا يمكن السَّيطرة عليها. فالإمام الحسين (عليه السلام) كان سبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وابن فاطمة الزَّهراء (عليها السلام)، وتحظى شخصيَّته بمهابة واحترام واسعَينِ بين المسلمينَ.
وهكذا يتبيَّن أنَّ الأخطار التي كانت تحيط بالإمام الحسين (عليه السلام) كانت أخطارًا حقيقيَّة شهدت السَّاحة الإسلاميَّة نماذج عديدة من ضحاياها. ومن ثمَّ فإنَّ بقاء الإمام الحسين (عليه السلام) حتَّى سنة إحدى وستين للهجرة كان جزءًا من تدبير إلهي جرى عبر أسباب تاريخيَّة وسياسيَّة كان لصلح الإمام الحسن (عليه السلام) دور محوري في توفيرها، ليبقى الإمام الحسين (عليه السلام) حاضرًا في اللحظة التي احتاجت فيها الأمَّة إلى صوته ودمه وموقفه الخالد في كربلاء.
الفصل الثَّاني: الوسائل الاستباقيَّة التي اتَّبعها الإمام الحسن (عليه السلام)
المبحث الأوَّل: إبعاد الإمام الحسين (عليه السلام) عن دائرة الظُّهور السِّياسي والإعلامي
من أبرز الوسائل الاحترازيَّة التي يمكن ملاحظتها عند دراسة سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) بعد الصُّلح، اعتماده نمطًا خاصًّا في إدارة الحضور العلني لأهل البيت (عليهم السلام)، وهو نمط يكشف عن رؤية بعيدة المدى تتجاوز معالجة الظُّروف الآنية إلى حماية المستقبل الرِّسالي للأمَّة. ومن خلال تتبع الأحداث التَّاريخيَّة يظهر أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان يتصدر المشهد السِّياسي والإعلامي والخطابي بصورة واضحة، في حين كان حضور الإمام الحسين (عليه السلام) أقل ظهورًا في هذا الجانب، على الرَّغم من مكانته العلميَّة المعروفة لدى المسلمين.
إنَّ المتأمِّل في المصادر التَّاريخيَّة يجد أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان كثير الظُّهور في المناسبات العامَّة، وكثير الاحتجاج على السُّلطة الأمويَّة، وكثير المشاركة في الحوارات والمناظرات والمواقف التي تستدعي المواجهة الفكريَّة والسِّياسيَّة. فقد كان المرجع الأوَّل الذي تتجه إليه الأنظار، والشَّخصيَّة التي تتحمل العبء الأكبر في الدِّفاع العلني عن خط أهل البيت (عليهم السلام)؛ الأمر الذي جعله في واجهة الاستهداف الإعلامي والسِّياسي من قبل الدَّولة الأمويَّة.
وفي المقابل، لا نجد للإمام الحسين (عليه السلام) الحضور الخطابي نفسه خلال تلك المرحلة، على الرَّغم من أنَّه كان يمتلك من الفصاحة والعلم والشَّجاعة ما يجعله قادرًا على قيادة المشهد الفكري والسِّياسي. وهذا التَّفاوت في مستوى الظُّهور لا يمكن تفسيره بالعوامل الشَّخصيَّة أو العلميَّة؛ لأنَّ الإمامينِ (عليهما السلام) كانا شريكينِ في مشروع الإمامة، وإنَّما يبدو أقرب إلى كونه جزءًا من إدارة واعية للمرحلة ومتطلباتها.
وهذا الأسلوب لا يعد أمرًا غريبًا في إدارة المشاريع الرِّسالية الكبرى؛ فإنَّ حفظ القيادات الاستراتيجيَّة كان دائمًا جزءًا من التَّخطيط الإلهي. فالقرآن الكريم يحدِّثنا عن تدابير اتَّخذها الأنبياء (عليهم السلام) لحماية الرِّسالة من خلال حماية حَمَلتها، كما في قصَّة النَّبي موسى (عليه السلام) عندما حفظه الله (تعالى) من بطش فرعون؛ ليؤدِّي دوره المستقبلي، فقال (سبحانه): (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)(17)، وقال الله (تعالى): (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي)(18). فحماية القائد الرِّسالي كانت مقدِّمة لحماية المشروع الذي سيقوم به في المستقبل. وكذلك الإمام الحسن (عليه السلام) كان ينظر إلى معركة المستقبل، وكان يدرك أنَّ الأمَّة ستحتاج في لحظة مفصليَّة إلى حضور الإمام الحسين (عليه السلام) وأداء دوره الكامل.
المبحث الثَّاني: تصدِّي الإمام الحسن (عليه السلام) للمواجهات الفكريَّة والسِّياسيَّة
من خلال تتبع الرِّوايات والأحداث التَّاريخيَّة نجد أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان الطَّرف الأكثر حضورًا في الاحتجاجات العلنيَّة والمناظرات السِّياسيَّة؛ فقد كان الإمام (عليه السلام) يواجه حملات التَّشويه التي استهدفت أهل البيت (عليهم السلام)، ويرد على الشُّبهات التي كانت تُثار حول شرعيَّة الحكم الأموي، ويُظهر للأمَّة التَّناقض بين ادِّعاءات السُّلطة وممارساتها الفعليَّة. وكانت هذه المواقف تمثِّل جزءًا من مشروع توعوي طويل المدى هدفه حفظ الوعي الإسلامي من التَّزييف.
وقد نقلت المصادر التَّاريخية صورًا متعدِّدة من المجالس التي جمع فيها معاوية وجوه الشَّام وأركان دولته، محاولاً الانتقاص من مقام أهل البيت (عليهم السلام) أو إضفاء الشَّرعيَّة على سياساته، فكان الإمام الحسن (عليه السلام) يتصدَّى لذلك بنفسه، مستندًا إلى مكانته العلميَّة والنَّسبيَّة وإلى ما يحمله من رصيد كبير في وجدان المسلمين. وكان حضوره في هذه المواجهات كفيلًا بإفشال كثير من المحاولات الإعلاميَّة التي أرادت تقديم الحكم الأموي بوصفه الامتداد الطَّبيعي للخلافة الإسلاميَّة.
ومن أشهر ما نُقل في هذا السِّياق أنَّه: "وَفَدَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى مُعاوِيَةَ، فَحَضَرَ مَجْلِسَهُ، وَإِذَا عِنْدَهُ هَؤُلَاءِ القَوْمُ، فَفَخَرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَوَضَعُوا مِنْهُمْ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ سَاءَتِ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَبَلَغَتْ مِنْهُ.
فَقَالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أَنَا شُعْبَةٌ مِنْ خَيْرِ الشَّعْبِ، وَآبَائِي أَكْرَمُ العَرَبِ، لَنَا الفَخْرُ وَالنَّسَبُ، وَالسَّمَاحَةُ عِنْدَ الحَسَبِ، وَنَحْنُ مِنْ خَيْرِ شَجَرَةٍ، أَنْبَتَتْ فُرُوعًا نَامِيَةً، وَأَثْمَارًا زَاكِيَةً، وَأَبْدَانًا قَائِمَةً، فِيهَا أَصْلُ الإِسْلَامِ، وَعِلْمُ النُّبُوَّةِ، فَعَلَوْنَا حِينَ شَمَخَ بِنَا الفَخْرُ، وَاسْتَطَلْنَا حِينَ امْتَنَعَ بِنَا العِزُّ، وَنَحْنُ بِحَارٌ زَاخِرَةٌ لَا تُنْزَفُ، وَجِبَالٌ شَامِخَةٌ لَا تُقْهَرُ.
فَقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: مَدَحْتَ نَفْسَكَ، وَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يا حَسَنُ، نَحْنُ وَاللهِ المُلُوكُ السَّادَةُ، وَالأَعِزَّةُ القَادَةُ، لَا تَبْجَحَنَّ، فَلَيْسَ لَكَ عِزٌّ مِثْلُ عِزِّنَا، وَلَا فَخْرٌ كَفَخْرِنَا.
ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
شَفَيْنَا أَنْفُسًا طَابَتْ وَقُورًا ** فَنَالَتْ عِزَّهَا فِيمَنْ يَلِينَا
فَأَبْنَا بِالْغَنِيمَةِ حَيْثُ أَبْنَا ** وَأَبْنَا بِالْمُلُوكِ مُقْرِنِينَا
ثُمَّ تَكَلَّمَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقالَ: نَصَحْتُ لِأَبِيكَ، فَلَمْ يَقْبَلِ النُّصْحَ، وَلَوْلَا كَرَاهِيَةُ قَطْعِ القَرَابَةِ لَكُنْتُ فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الشَّامِ، فَكَانَ يَعْلَمُ أَبُوكَ أَنِّي أُصْدِرُ الوَارِدَ عَنْ مَنَاهِلِهَا، بِزَعَارَةِ قَيْسٍ، وَحِلْمِ ثَقِيفٍ، وَتَجَارِبِهَا لِلْأُمُورِ عَلَى القَبَائِلِ.
فَتَكَلَّمَ الحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقالَ: يا مَرْوانُ، أَجَبْنَا خَوَرًا، وَضَعْفًا، وَعَجْزًا، زَعَمَ أَنِّي مَدَحْتُ نَفْسِي، وَأَنَا ابْنُ رَسُولِ اللهِ، وَشَمَخْتُ بِأَنْفِي وَأَنَا سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّمَا يَبْذَخُ وَيَتَكَبَّرُ ـ وَيْلَكَ ـ مَنْ يُرِيدُ رَفْعَ نَفْسِهِ، وَيَتَبَجَّحُ مَنْ يُرِيدُ الِاسْتِطَالَةَ، فَأَمَّا نَحْنُ فَأَهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، وَمَعْدِنُ الكَرَامَةِ، وَمَوْضِعُ الخِيَرَةِ، وَكَنْزُ الإِيمَانِ، وَرُمْحُ الإِسْلَامِ، وَسَيْفُ الدِّينِ.
أَلَا تَصْمُتُ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَكَ بِالهَوَائِلِ، وَأَسِمَكَ بِمِيسَمٍ تَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ اسْمِكَ؟
فَأَمَّا إِيَابُكَ بِالنَّهَابِ وَالمُلُوكِ، أَفِي اليَوْمِ الَّذِي وَلَّيْتَ فِيهِ مَهْزُومًا، وَانْخَجَرْتَ مَذْعُورًا، فَكَانَتْ غَنِيمَتُكَ هَزِيمَتَكَ، وَغَدْرُكَ بِطَلْحَةَ حِينَ غَدَرْتَ بِهِ فَقَتَلْتَهُ؟ قُبْحًا لَكَ، مَا أَغْلَظَ جِلْدَةَ وَجْهِكَ!
فَنَكَّسَ مَرْوَانُ رَأْسَهُ، وَبَقِيَ المُغِيرَةُ مَبْهُوتًا، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الحَسَنُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ: أَعْوَرُ ثَقِيفٍ، مَا أَنْتَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأُفَاخِرَكَ، أَجَهِلْتَنِي يَا وَيْحَكَ؟! أَنَا ابْنُ خِيَرَةِ الإِمَاءِ، وَسَيِّدَةِ النِّسَاءِ، غَذَّانَا رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِعِلْمِ اللهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى)، فَعَلَّمَنَا تَأْوِيلَ القُرْآنِ، وَمُشْكِلَاتِ الأَحْكَامِ، لَنَا العِزَّةُ العُلْيَا، وَالفَخْرُ وَالسَّنَاءُ، وَأَنْتَ مَنْقُومٌ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ نَسَبٌ، وَلَا لَهُمْ فِي الإِسْلَامِ نَصِيبٌ، عَبْدٌ آبِقٌ، مَا لَهُ وَالِافْتِخَارُ عِنْدَ مُصَادَمَةِ اللُّيُوثِ، وَمُجَاحَشَةِ الأَقْرَانِ؟
نَحْنُ السَّادَةُ، وَنَحْنُ المَذَاوِيدُ القَادَةُ، نَحْمِي الذِّمَارَ، وَنَنْفِي عَنْ سَاحَتِنَا العَارَ، وَأَنَا ابْنُ نَجِيبَاتِ الأَبْكَارِ.
ثُمَّ أَشَرْتَ زَعَمْتَ إِلَى خَيْرِ وَصِيِّ خَيْرِ الأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ هُوَ بِعَجْزِكَ أَبْصَرَ، وَبِجَوْرِكَ أَعْلَمَ، وَكُنْتَ لِلرَّدِّ عَلَيْكَ مِنْهُ أَهْلًا، لَوْ عَزَكَ فِي صَدْرِكَ، وَبَدَا الغَدْرُ فِي عَيْنِكَ، هَيْهَاتَ، لَمْ يَكُنْ لِيَتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا.
وَزَعْمُكَ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ بِصِفِّينَ بِزَعَارَةِ قَيْسٍ، وَحِلْمِ ثَقِيفٍ، فَبِمَاذَا ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ؟ أَبِعَجْزِكَ عِنْدَ المَقَامَاتِ، وَفِرَارِكَ عِنْدَ المُجَاحَشَاتِ؟..."(19). فكان (عليه السلام) يعيد توجيه الأنظار إلى فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومكانته في الإسلام، مستشهدًا بالنُّصوص النَّبويَّة والشَّواهد التَّاريخيَّة التي لا يمكن إنكارها. وقد أظهرت هذه المواقف قدرة الإمام (عليه السلام) على إدارة المواجهة الفكريَّة من دون أن ينجر إلى معارك عسكريَّة غير مهيأة لظروف النَّجاح.
وكانت هذه الاحتجاجات تؤدِّي وظيفة مزدوجة؛ فمن جهةٍ كانت تكشف زيف الخطاب الأموي، ومن جهةٍ أخرى كانت تحافظ على حضور مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في الوعي العام للأمَّة. ولذلك لم يكن الإمام الحسن (عليه السلام) يتردَّد في إعلان موقفه كلَّما اقتضت المصلحة ذلك، حتَّى أصبح الشَّخصيَّة الأولى التي تتجه إليها السُّلطة عند حدوث أيِّ مواجهة فكريَّة أو سياسيَّة مع الخط العلوي.
ومن النَّاحية التَّحليليَّة، فإنَّ تصدُّر الإمام الحسن (عليه السلام) لهذه المواجهات يثير الانتباه إلى بعد استراتيجي مهم في إدارة المرحلة. فبينما كان الإمام الحسن (عليه السلام) يتحمل عبء المواجهة المباشرة مع معاوية، نجد أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن الطَّرف الرَّئيس في معظم تلك السجالات والاحتجاجات. ولا يعني ذلك غيابه عن السَّاحة أو عدم مشاركته في الدِفاع عن الحقِّ؛ وإنَّما يعني أنَّ مركز الثقل في المواجهة العلنيَّة كان يقع غالبًا على عاتق الإمام الحسن (عليه السلام).
ويبدو أنَّ هذا التَّوزيع للأدوار كان منسجمًا مع الحاجة إلى حماية الإمام الحسين (عليه السلام) من أن يصبح الهدف الأوَّل لأجهزة السُّلطة الأموية. فمن المعروف أنَّ الأنظمة الاستبداديَّة تقوم بمراقبة المعارضينَ الحاليينَ، وتراقب أيضًا الشَّخصيات التي يمكن أن تمثِّل خطرًا مستقبليًّا على مشروعها السِّياسي. وكلَّما ازداد ظهور شخصيَّة معيَّنة في ساحات الاحتجاج والمواجهة، ازدادت احتمالات استهدافها وإخضاعها للمراقبة أو التَّصفية عند توفر الظُّروف المناسبة.
ومن هنا، يمكن فهم تصدي الإمام الحسن (عليه السلام) لمعظم المواجهات الفكريَّة والسياسيَّة بوصفه أحد الإجراءات الوقائيَّة التي أسهمت في إبعاد الإمام الحسين (عليه السلام) عن دائرة الاستهداف المباشر. فقد تحمَّل الإمام الحسن (عليه السلام) الجزء الأكبر من الضُّغوط السِّياسيَّة والإعلاميَّة، وجعل نفسه في واجهة الصِّراع مع السُّلطة، الأمر الذي خفف من حجم التَّركيز الأمني والسِّياسي على الإمام الحسين (عليه السلام) خلال تلك المرحلة الحسَّاسة.
وقد أشار القرآن الكريم إلى قيمة التَّخطيط والحكمة في إدارة الصِّراع، فقال الله (تعالى): (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (20)، وهي قاعدة عامَّة تدعو إلى اجتناب ما ينتهي إلى ضياع الأهداف الكبرى من دون تحقيق مصلحة حقيقيَّة.
المبحث الثَّالث: تحمُّل الإمام الحسن (عليه السلام) تبعات مشروع الصُّلح
صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من أكثر الأحداث تعقيدًا في التَّاريخ الإسلامي؛ لأنَّه وقع في ظرف كانت الأمَّة تعيش فيه حالة من الاضطراب الفكري والسِّياسي، وكانت المشاعر العامَّة تميل إلى المواجهة العسكريَّة أكثر من ميلها إلى قراءة الواقع قراءة استراتيجيَّة بعيدة المدى. ولهذا لم يكن اتِّخاذ قرار الصُّلح هو التَّحدي الوحيد الذي واجهه الإمام الحسن (عليه السلام)؛ وإنَّما التَّحدي الأكبر تمثَّل في تحمُّل ما ترتب على هذا القرار من ردود أفعال واعتراضات وانتقادات استمرت سنوات طويلة.
فالمجتمعات التي تمرُّ بأزمات حادَّة كثيرًا ما تنظر إلى القرارات المصيريَّة من زاوية النَّتائج المباشرة، ولا تتمكَّن بسهولة من استيعاب الأهداف البعيدة التي تقف خلفها. ولذلك وجد الإمام الحسن (عليه السلام) نفسه أمام جمهور واسع لم يكن قادرًا على إدراك جميع المعطيات الأمنيَّة والعسكريَّة والاجتماعيَّة التي فرضت خيار الصُّلح. وقد أدَّى ذلك إلى ظهور موجة من التَّساؤلات والاعتراضات صدرت من بعض المخلصين قبل غيرهم، ممَّن كانوا يتطلعون إلى استمرار القتال ويرون في التَّراجع العسكري أمرًا يصعب قبوله نفسيًّا.
وتشير المصادر التَّاريخية إلى تعرُّض الإمام الحسن (عليه السلام) بعد الصُّلح إلى أنواع متعدِّدة من اللوم والانتقاد، حتَّى إنَّ بعض الأشخاص خاطبوه بكلمات قاسية نابعة من عدم فهمهم لحقيقة الظُّروف التي كانت تحيط بالموقف. وقد تعامل الإمام (عليه السلام) مع هذه الاعتراضات بروح القائد الرِّسالي الذي ينظر إلى المصلحة العليا للأمَّة، فلم يسمح للضُّغوط الشَّعبيَّة أو العاطفيَّة أن تدفعه إلى اتِّخاذ قرار يخالف ما يراه تكليفًا شرعيًّا ومصلحة إسلاميَّة.
وقد روي عنه (عليه السلام) أنَّه قال: "ما أَرَدْتُ بِمُصالَحَتِي إِلَّا أَنْ أَدْفَعَ عَنْكُمُ القَتْلَ عِنْدَما رَأَيْتُ تَبَاطُؤَ أَصْحَابِي وَنُكُولَهُمْ عَنِ القِتَالِ"(21)، وهي كلمة تختصر جانبًا مهمًّا من فلسفة الصُّلح؛ إذ تكشف أنَّ الإمام (عليه السلام) كان ينظر إلى ما وراء اللحظة الآنيَّة، ويرى الأخطار التي قد تترتب على استمرار الحرب في ظلِّ الانهيار الذي أصاب معسكره.
ومن هذه الموقف يتبيَّن أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) اختار أن يتحمَّل وحده العبء النَّفسي والاجتماعي المترتب على الصُّلح. فقد أصبحت شخصيَّته هي محور الجدل، وأصبح هو الطَّرف الذي تتوجه إليه الأسئلة والاعتراضات والاتِّهامات، بينما بقي الإمام الحسين (عليه السلام) بعيدًا إلى حدٍّ كبير عن مركز هذه المواجهة الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة.
وهنا يظهر بُعد آخر من أبعاد السِّياسة التي انتهجها الإمام الحسن (عليه السلام) في حماية أخيه الإمام الحسين (عليه السلام). فلو كان الإمام الحسين (عليه السلام) شريكًا مباشرًا في إدارة ملف الصُّلح أو في الدِّفاع العلني المستمر عنه، لانتقلت إليه تلقائيًّا موجة الاعتراضات التي أحاطت بالقرار، ولأصبح جزءًا من حالة الاستقطاب التي أفرزتها تلك المرحلة. أمَّا حين تصدَّر الإمام الحسن (عليه السلام) المشهد كاملًا، فإنَّ الأنظار والانتقادات والضُّغوط تركَّزت عليه هو (عليه السلام)، بينما بقي الإمام الحسين (عليه السلام) بعيدًا نسبيًّا عن هذه التَّبعات.
كما أنَّ هذا الموقف يكشف جانبًا من الإيثار الذي تميَّز به الإمام الحسن (عليه السلام). فالقائد الرِّسالي يتحمَّل أعباء المواجهة الظَّاهرة، ويتحمَّل كذلك تبعات القرارات التي قد لا يفهمها النَّاس في وقتها، إذا كان مقتنعًا بأنَّها تحقِّق مصلحة الدِّين على المدى البعيد.
وتظهر هنا مقارنة لافتة بين ما تحمَّله الإمام الحسن (عليه السلام) من تبعات الصُّلح، وما تحمَّله الإمام الحسين (عليه السلام) لاحقًا من تبعات النَّهضة. فكما واجه الإمام الحسين (عليه السلام) سهام الأعداء في كربلاء دفاعًا عن الدِّين، واجه الإمام الحسن (عليه السلام) قبل ذلك سهام النَّقد وسوء الفهم دفاعًا عن الدِّين نفسه. وكلا الموقفينِ كان تعبيرًا عن التَّضحية في سبيل حفظ الرِّسالة، وإن اختلفت صورة التَّضحية وطبيعة الميدان.
وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: "لَا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ وَإِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ"(22)، وهي حكمة تجسِّد بوضوح طبيعة الدَّور الذي أدَّاه الإمام الحسن (عليه السلام). فثمار الصُّلح تجلَّت آثارها بصورة أوضح في العقود اللاحقة، عندما أدركت الأمَّة حجم الانحراف الأموي، وأصبحت أكثر استعدادًا لفهم أهداف النَّهضة الحسينيَّة واستيعاب رسالتها.
| |
|
|
|
|
|