|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,013
|
|
بمعدل : 0.51 يوميا
|
|
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
صدى المهدي
المنتدى :
منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام
بتاريخ : اليوم الساعة : 04:15 PM
دور الأسباب والعوامل الطبيعة في الانتصار المهدوي:
بناء على ما تقدم في الفقرة السابقة سيكون واضحاً لدينا أهمية الأسباب والعوامل الطبيعية وكذلك الظروف الموضوعية وما لها من دخالة مباشرة في تحقيق الدولة المهدوية، وارتهان قيامها بأمرين لا غنى عنهما:
الأول: الدور البشري والإنساني.
الثاني: الدعم والتأييد الإلهي.
ولا يخفى أن الأمر الأول يمثل علّة معدّة وسبباً يتولد عنه الأمر الثاني ويرتبط به ارتباطاً عضوياً كنتيجة تترتب عليه، وبالتالي سوف يكتسب هذا التفريع أهمية كبرى في نظرتنا إلى مجمل العقيدة المهدوية وتفاصيلها وهو ما قد يخالف الرؤية السائدة في أذهان الكثيرين من الناس ممن انسجموا مع الأطروحة الغيبية المحضة التي ترتبط بظهور وانتصار الدولة المهدوية، لاسيما إذا وضعنا في الحسبان موازين القوى والنفوذ المادية في معادلة الانتصار تلك بالنسبة لليوم الموعود، على أن هذه الفكرة بحد ذاتها ليست هي من بنات أفكار هذا الجيل المعاصر أو الذي قبله، الذي استطاع فيه الإنسان أن يحقق الكثير من مصادر القوة والقدرة والتي يكاد أن يكون افتراض التغلب عليها والوقوف بوجهها ضرباً من الإعجاز واختراقاً لكل ما هو طبيعي ومتعارف، فقد كان يتداول بين بعض أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أن انتصار الدولة المهدية لن يعدو أن يكون بالعوامل الغيبية وحسب من دون جهد ولا جهاد وإنما تستقيم الأمور للإمام (عجَّل الله فرجه) عفواً من غير مشقة ولا عسر وهو الأمر الذي نفاه الإمام الباقر (عليه السلام) تماماً، فقد روى النعماني في كتابه الغيبة: عن بشير النبال، لما قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنهم يقولون إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً ولا يهريق محجمة دم، فقال: «كلا والذي نفسي بيده، لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين أدميت رباعيته، وشج في وجهه، كلا والذي نفسي بيده، حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق، ثم مسح جبهته»(ظ¢ظ¥).
وعلى كل حال يمكن أن نقول: إن القراءة السابقة تفترض في ملاحظاتها وأفكارها استصحاب الحالة المعاصرة بكل ما فيها من حيثيات ومقارنات، ثم سحبها إلى عصر الظهور ليبقى العنصر الإعجازي هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الوعد الإلهي في انتصار الدولة المهدوية، ولا ريب ولا مناص من هذا التفكير فيما لو بقيت الأمور على وضعها الحالي، والحال أن الروايات والأحاديث الشريفة التي بين أيدينا استشرفت ذلك المستقبل بنحو يحكي مصيراً مغايراً تماماً عما نشهده في زماننا الحالي، ولذلك كان المعطى الروائي عند الخاصة والعامة يتفق في رؤيته في حصول الكثير من المتغيرات والانقلابات في الأوضاع ومجريات الأحداث، ولذلك تبرز عندنا بجلاء ووضوح الصورة القاتمة التي تترسم فيها أنواع الفتن والمحن التي تنتظر البشرية وفي جميع مفاصل الحياة والمجتمع.
فقد جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام): «لا يقوم القائم إلّا على خوف شديد من الناس، وزلازل، وفتنة وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتيت في دينهم، وتغيير في حالهم، حتى يتمنى المتمني الموت صباحاً ومساءً من عِظَمِ ما يرى من كَلَبِ الناس وأكل بعضهم بعضاً»(ظ¢ظ¦).
وكذلك ما روي عن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «قدام القائم موتتان: موت أحمر وموت أبيض، حتى يذهب من كل سبعة خمسة، الموت الأحمر السيف، والموت الأبيض الطاعون»(ظ¢ظ§).
وكذلك ما روي عنه (عليه السلام): «لابد أن يكون قدّام قيام القائم سنة يجوع فيها الناس، ويصيبهم خوف شديد من القتل، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وإن ذلك في كتاب الله لبين»، ثم تلا هذه الآية: ï´؟ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ والأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَï´¾ [البقرة: ظ،ظ¥ظ¥](ظ¢ظ¨).
على أن حصول كل تلك التقلبات والكوارث لا يعني بالضرورة أنها بتسبيب غيبي خارق تباشره السماء بإرادتها الابتدائية لكي تستهدف من خلاله إلجاء الناس إلى الرضا والاقتناع بالتغيير الذي يحصل على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإنما يكفي أن تترك الأمور على حالها من غير عناية أو نظر لينحدر الإنسان إلى أسوأ مخاوفه كنتيجة سننية يجنيها لسلوكيات منحرفة تراكمت على مرِّ العصور حتى بلغت ذروتها في لحظة تاريخية تحقق عندها الإنسان من قصوره وعجزه عن معالجة تلك الأخطاء الفادحة والتي أوصلته إلى ما وصل إليه.
وهذا المآل الدقيق من الحصاد المر يمكن أن يستظهر في عدة آيات قرآنية وأحاديث شريفة:
يقول تعالى: ï´؟وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَï´¾ (النحل: ظ،ظ،ظ¨).
ويقول تعالى: ï´؟وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِï´¾ (فاطر: ظ¤ظ£).
وفي هذا السياق ذاته يمكن أن نفهم معنى ما ورد من لامبالاة السماء في أحداث آخر الزمان وما ينتج عنها من صراعات وحروب في كل أرجاء العالم، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ليخربن العرب كما يخرب البيت الخرب، يصيرون ثللاً، يقتل بعضهم بعضاً، لا يبالي الله من غلب»(ظ¢ظ©).
ولا شك أن التعبير بعدم المبالاة صياغة لفظية أخرى عن رفع يد العناية واللطف الإلهي عن البشرية وتركها وحدها لتحصد ما زرعته بسوء خياراتها السابقة.
وعلى ضوء ما تقدم، لن يكون من العسير استكشاف أهمية هذا الموضوع وما يتفرع عنه من لوازم ونتائج سوف تنتهي بنا إلى حقيقة مهمة تؤشر إلى فعالية الدور الإنساني ودخالة الظروف الموضوعية والسنن الطبيعية وتأثيرها في قيام الدولة المهدوية، على أن الفكرة السابقة التي ناقشناها سابقاً والتي تقصر عوامل الانتصار على الجانب الغيبي فقط تبقى تعاني عجزاً كبيراً عن تفسير الروايات والأحاديث التي تحدثت عن الشروط والعوامل التي تدخل في تهيئة الأرضية لقيام الدولة المهدوية، لا سيما فيما يرتبط بتوفر الأنصار والقاعدة الشعبية وكذلك إشكالية تأخر الظهور المبارك وعدم قيام أحد الأئمة (عليهم السلام) بالدور المهدوي مع توفرهم على كل المؤهلات والمقومات التي يتصفون بها.
اكتمال الحلقة:
إضافة للروايات التي استشهدنا بها والتي تؤيد ما ذهبنا إليه من كون مبدأ الإعجاز لن يكون هو العلة التامة للانتصار المهدوي، وإنما يكون حضوره تبعاً للعوامل والأسباب الطبيعية، تبقى تساؤلات يلزم عند طرحها الحاجة إلى الجواب والبيان، بل هي في حقيقتها أقرب إلى الإشكال منها إلى الاستفسار والاستيضاح، من قبيل شرطية وجود الأنصار والأتباع بلحاظ كونهم الجماعة التي ستسير تحت ركابه (عجَّل الله فرجه) في عصر الظهور، والذين سيناصرونه ويستعين بهم في عملية إرساء قواعد حكومة العدل الإلهي، وقد أحصتهم الروايات عدداً وفئات، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله (عزَّ وجلَّ)». وفي رواية أخرى: «حتَّى يكون في مثل الحلقة». قال الراوي: وما الحلقةُ؟ قال: «عشرةُ آلاف رجل»(ظ£ظ*).
وعن أبي بصير، قال: سأل رجل من أهل الكوفة أبا عبد الله (عليه السلام): كم يخرج مع القائم (عليه السلام)، فإنهم يقولون إنّه يخرج معه مثل عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً؟ قال: «وما يخرج إلّا في أولي قوّة، وما تكون أولوا القوّة أقل من عشرة آلاف»(ظ£ظ،).
بل يظهر من بعض الروايات أن عدد أصحاب الألوية والنخبة الخاصة من أصحابه (عجَّل الله فرجه) هو العدد المعروف والمعبر عنه بـ(ظ£ظ،ظ£)، وكل واحد منهم يقود (ظ£ظ*ظ*) رجلاً، فقد روى يونس بن ظبيان: قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فذكر أصحاب القائم (عليه السلام)، فقال (عليه السلام): «ثلاثمائة وثلاثة عشر، وكل واحد يرى نفسه في ثلاثمائة»(ظ£ظ¢).
فيكون عددهم مع الذين معهم أكثر من تسعين ألفاً من المؤمنين، ولذلك قال الشيخ المجلسي (عجَّل الله فرجه) تعليقاً على الأخبار التي حددت أنصاره بالعدد (ظ£ظ،ظ£) بقوله: (إنّ عدد أنصار المهدي عند ظهوره هو ثلاثمائة وثلاثة عشر رجل، وهذا لا ينافي أنّ جماعة آخرين سوف يلتحقون به بعد ظهوره)، بل ذلك ما يظهر واضحاً من بعض الأخبار التي حكت أن الله تعالى سوف يجمع له شيعته من جميع أنحاء العالم، فقد جاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) في تأويل قوله تعالى: ï´؟فَاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاًï´¾ (البقرة: ظ،ظ¤ظ¨) قوله (عليه السلام): «وذلك والله أن لو قد قام قائمنا يجمع الله إليه شيعتنا من جميع البلدان»(ظ£ظ£).
وعلى ضوء هذه الروايات والأخبار لا يمكن بأي حال أن نفهم ما تضمنته من ضرورة توفر الأنصار فيما لو كان البُعد الإعجازي هو العنصر الرئيس الذي يقف وراء تحقق الدولة المهدوية، إذ لو كان الأمر كذلك لم يكن هناك حاجة إلى هذه الأعداد، بل ولا الأقل منها، لبداهة أن حضور المعجزة وحدها يكفي لأن يكون ملاكاً وسبباً وحيداً للقضاء على كل مظاهر الظلم، ومصادر قوته كما حصل مع نبي الله موسى (عليه السلام) ومواجهته مع فرعون، والتي أدَّت إلى القضاء عليه وجنوده بضربة عصا واحدة، وعلى كل حال فالروايات متظافرة في كون توفر القاعدة المؤمنة والمخلصة والتي تمتلك الاستعداد التام للجهاد والتضحية ليس مجرد شرط ثانوي يدخل في المعادلة على نحو هامشي أو فرعي، بل هو أمر جوهري وضرورة محورية عبَّرت عنها بعض الروايات بأنها السبب في تأخر قيام الإمام (عجَّل الله فرجه) وتحمله المشاق والمحنة طيلة هذه الغيبة الطويلة، فقد روى النعماني في كتابه الغيبة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله لأصحابه: «إن الذي تطلبون وترجون إنما يخرج من مكة، وما يخرج من مكة حتى يرى الذي يحب، ولو صار أن يأكل الأغصان أغصان الشجر»(ظ£ظ¤).
ولا يخفى أن التعبير الوارد في الرواية «ولو صار أن يأكل الأغصان» كناية عن تحمل الإمام (عجَّل الله فرجه) للمشاق والمعاناة في أيام غيبته حتى تتوفر جميع الشروط والأسباب التي تتيح له القيام بوظيفته التي أنيطت به.
طول أيام الغيبة:
هذه إشكالية أخرى تفرض نفسها وتبحث عن جواب يعسر الحصول عليه إن لم يكن ممتنعاً مع الافتراض الذي يذهب إلى محورية الإعجاز في انتصار الدولة المهدوية وقيامها في الأرض، فلا نختلف في كثرة الروايات التي تحدثت عن طول أيام الغيبة وامتداد زمانها، وهو الفهم الذي لم يكن يطرأ على بال أكثر الشيعة في العصور المتقدمة، بل ولا أكثر المتشائمين منهم، مع أن القارئ والمتتبع لروايات وأحاديث الأئمة المعصومين (عليهم السلام) يلحظ بوضوح محاولاتهم لتغيير هذا الفهم الناشئ والمتولد إمّا عن التصور الخاطئ في طبيعة مجرى السنن الإلهية أو طلباً للخلاص العاجل من الأوضاع التي كانوا يكابدونها ويتعرضون لها، ولأجل ذلك واظب الأئمة المتقدمون (عليهم السلام) على ترسيخ هذا المعنى والتأكيد على طول أيام الغيبة قبل أن يحين موعد الظهور، ومع ما تحمله هذه الفكرة بحد ذاتها من وعورةٍ قد يترتب عليها بعث حالة اليأس والإحباط في قلوب الشيعة آنذاك، فقد كان إيصال الرسالة إلى الأجيال القادمة هو الأولوية الأهم بالنسبة إليهم (عليهم السلام) خشية على تلك الأجيال أن يعرض لهم ما عرض على الأُمم السابقة بعد أن طال عليهم أمد الانتظار، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ï´؟وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْï´¾ (الحديد: ظ،ظ¦)، أن المقصود بذلك هم أهل زمان الغيبة وأن الأمد إنما هو أمد الغيبة والذي يمتد بولي الله إلى ما شاء الله، بل ورد عن الإمام الجواد (عليه السلام) أن توصيف الإمام القائم بـ(المنتظر) لم يكن إلّا لطول أيام غيبته، فقد سأله الصقر ابن أبي دلف عن سبب تسميته بذلك، فقال: «لأن له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلمون»(ظ£ظ¥).
وبطبيعة الحال لم تغفل الروايات عن ذكر أسباب الغيبة وعللها، فهي مستفيضة ومفصلة في موسوعات الأخبار، ونحن وإن لم نكن بصدد البحث عن ذلك ولكن ما يمكن رصده في هذه العجالة أن تلك الأسباب التي بيَّنتها الروايات لم تكن على جهة واحدة أو سبيل واحد، فهناك من الروايات التي تحدثت عن أصل سبب الغيبة كالخوف على الإمام (عجَّل الله فرجه) من ملاحقة الظالمين طلباً للقضاء عليه، وهناك ما تحدثت عن سبب طول الغيبة وامتداد أيامها.
وهما أمران مختلفان كما هو واضح، ولذلك يختلف التفسير والتعليل بين هذا وذاك، ومن هنا تكثرت البيانات عنهم (عليهم السلام) في منشأ وأصل الغيبة، ولا يصح أن توضع كل تلك البيانات التعليلية في سلة واحدة فنتوهم أنها جاءت لتتحدث عن جهة متحدة ووجه واحد، ففي الوقت الذي نرى الروايات تتحدث عن الخوف من القتل كسبب واقعي لغيبته (عجَّل الله فرجه)، نراها تتحدث ثانية عن سبب آخر لا يقترب من التعليل الأول كالذي نراه في تفسير الغيبة بسبب جريان سنن الأنبياء (عليهم السلام) فيه (عجَّل الله فرجه)، وضرورة استيفاء مُدَدْ غيباتهم، فقد روى سدير عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إن للقائم منا غيبة يطول أمدها»، فقلت له: يا بن رسول الله، ولم ذلك؟ قال: «لأن الله (عزَّ وجلَّ) أبى إلّا أن تجري فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم، وإنه لابد له يا سدير من استيفاء مُدَد غيباتهم، قال الله تعالى: ï´؟لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍï´¾ [الانشقاق: ظ،ظ©] أي سنن من كان قبلكم»(ظ£ظ¦).
مع أن هذا التعليل الأخير هو أقرب للجواب النقضي منه إلى الجواب الحاسم الذي يحل لغز الغيبة بتمامه، فإن السؤال يعود ثانية ومن نافذة أخرى ليتجه نحو سبب غيبات نفس الأنبياء عن أُممهم والعلة في ذلك، والذي يمكن رصده واستشرافه من مجمل الأحاديث أن تأخير الظهور وطول غيبته (عجَّل الله فرجه) إنما هو من مظاهر الحكمة الإلهية وتجلياتها، وقد ورد هذا المعنى واضحاً في رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: «إن لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها، يرتاب فيها كل مبطل»، فقلت: ولم جعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم»؟ قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره، إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلى وقت افتراقهما، يا بن الفضل: إن هذا الأمر أمر من (أمر) الله تعالى، وسرٌّ من سرِّ الله، وغيبٌ من غيبِ الله، ومتى علمنا أنه (عزَّ وجلَّ) حكيم، صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»(ظ£ظ§).
ولا يخفى أن صفة الحكمة إنما هي من صفات الله (عزَّ وجلَّ) في مقام الفعل والصنع والتي تحكي عن إتقان التدبير في العباد وحسن التقدير لهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن أن نغض الطرف عن الواقع الإنساني أو نشطب دخالة الظروف الموضوعية التي تحيط بهم في معادلة ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لأننا لا نتكلم في الصفات الذاتية التي تحكي عن الذات المقدسة والتي لا يتوقف الاتصاف بها على وجود الخلق أو عدم وجودهم، وإنما الكلام في صفة فعلية يستلزم الاتِّصاف بها وجود طرف آخر غير الخالق تعالى، حتى يصح وصف التعامل معهم بوصف الحكمة وحسن التدبير، وبناء على ذلك فلا مناص من الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الأشياء وقابليات الناس واستعدادهم في تنزل الفيوض الإلهية عليهم، فكيف ونحن نتكلم عن أعظم مشروع يُراد تحقيقه للبشرية للبلوغ بهم إلى أسمى معاني الكمال والتكامل، والذي لم يكن له مثيلٌ على الأرض منذ نشوئها، وهو الأمر الذي يحتاج في واقعه إلى الأرضية والقاعدة التي تمتلك القابلية على ذلك بعيداً عن القسر والقهر الذي ينشأ عن فرض الأمر الواقع بالإعجاز أو التكوين، بل لابد من ساعة سوف يُشكل الوصول إليها انعطافة تتيح النجاح لقيام الدولة المهدوية، وهذا ما نستشفه من حديث الإمام الصادق (عليه السلام): «إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إن الله لا يعجل لعجلة العباد، إن لهذا الأمر غاية ينتهى إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا»(ظ£ظ¨).
وتلك الساعة (ولا يمكن فهمها بطبيعة الحال كمرحلة زمنية طارئة) هي التي تشكل الضمان الأتم لنجاح قيام الدولة المهدوية.
| |
|
|
|
|
|