عرض مشاركة واحدة

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 2,073
بمعدل : 0.52 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 4  
كاتب الموضوع : صدى المهدي المنتدى : منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام
افتراضي
قديم بتاريخ : يوم أمس الساعة : 09:21 AM


ولكن السؤال: في عصر الغيبة، هل يمكن أن ينعكس اللقاء بالإمام (عجّل الله فرجه) على العلاقة بين الأمة ومن نال ذلك الشرف أو لا؟
هل يمكن أن نقبل إخبار من التقى الإمام بحُكمٍ شرعي أو فكرة أو مقولة أو توجيه إزاء واقعة محددة وحدث معين؟
هل يكون مفاد ذلك الإخبار ملزماً لنا باعتباره صادراً من الإمام مباشرة؟
الجواب:
بالتحليل، فإن النقل عن الإمام مباشرة وعبر دعوى لقائه لا يمثل طريقاً منهجياً (مع كل ما يحمله لقاء الإمام من مداليل عميقة في حد نفسه) يمكن أن يعتمد عليه في الحصول على حكم أو موقف شرعي؛ لأن ثمة عنصرين يمنعان من ذلك، هما:
العنصر الأول: أنه لغة خاصة لا عامة:
إن الحكم الشرعي يمثل وجهة نظر الشارع تجاه مختلف الأحداث، الاجتماعية منها والسياسية والثقافية وغيرها، فهو يحدد موقف المكلف وطريقة تعاطيه مع مختلف الأحداث مهما كانت خطورتها أو صغرها، وهو في الوقت ذاته لا يقتصر على زمان دون زمان، بل يتجاوز الزمان ليحدد الموقف منها مهما ابتعدت عن عصر النص والحضور.
فالحكم الشرعي يؤثر بصورة مباشرة على مقدرات الناس من الأنفس والأموال والأعراض بل ربما الأمم، لذا فهو لا يمكن أن يقوم على آلية ذاتية وذات طابع فردي (ولغة خاصة) كاللقاء بشخص الإمام (عجّل الله فرجه) في غيبته ونقل الحكم عنه (عجّل الله فرجه)، إذ مثل هذا اللقاء - لو كان - فهو يفتقد منطقيته؛ باعتباره حالة استثنائية غير متاحة للعموم كي يصلح لغة مشتركة بينهم تصلح للتفاهم والاحتجاج والإقناع، وبالتالي فلا طريق لها لأن تكون ملزمة لغير من حظي بها، ومن ثم فهي تبقى في دائرة الدعاوى غير المستدلة والتي تختص قيمتها القانونية - لو صدقت - بصاحبها.
لابد للحكم الشرعي (ولكل معرفة يراد توصيلها للآخرين) من قنوات منهجية واضحة وعامة تكون هي المعيار في قبوله أو رفضه، وهذا أمر تقضي به طبيعة الأمور ذات التداول العام بين أبناء البشر، فالبيع والشراء مثلاً في التعاملات السوقية اليومية يتم من خلال وحدات قياسية ثابتة متفق عليها مسبقاً، لتكون هي المرجع في تحديد قيم الأشياء، مع الفارق الكبير بين التداعيات المترتبة على كل من الأمرين.
العنصر الثاني: الأدلة الدالة على انقطاع النيابة الخاصة زمن الغيبة الصغرى:
إن هناك الكثير من النصوص الدينية التي تؤكد انقطاع الصلة بالإمام (عجّل الله فرجه) في عصر الغيبة، وانحصار طريق أخذ الأحكام الشرعية في رواة أحاديث الأئمة (عليهم السلام)، منها ما دل على أن من ادعى الرؤية كاذب، وما دل على بدء الغيبة الكبرى للإمام (عجّل الله فرجه) وحصر أخذ الأحكام الشرعية في الرواة «فإنهم حجتي عليكم»، بل بات هذا الأمر من الثوابت المذهبية المحسومة التي لا تقبل الاجتهاد والرأي الآخر والتعدد.
من خلال ما تقدم يمكن أن نخلص إلى أن المجتهد لا يملك النيابة الخاصة، بل إن أقصى ما يمثله هي النيابة العامة في حدود المنهجية الموضوعة لذلك.
وحتى تتضح الصورة أكثر، نذكر الاستطراد التالي:
استطراد: أدلة انقطاع النيابة الخاصة(ظ¦ظ¥):
هنالك أدلة عديدة على انقطاع السفارة، منها:
أولاً: إن انقطاع النيابة والسفارة من أوليات وبديهيات وضروريات مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ولا تجد عالماً يُشكّك في ذلك، وكل من قال بغير ذلك - لو وُجد - فهو خارج عن هذه الضرورة ولا يُعبأ به.
(قال الشيخ سعد بن عبد الله الأشعري القمّي - وقد كان معاصراً للإمام العسكري (عليه السلام)، وكان شيخ الطائفة وفقيهها - في كتابه المقالات والفِرق بعد أن بيّن لزوم الاعتقاد بغيبة الإمام (عجّل الله فرجه)، وانقطاع الارتباط به: فهذه سبيل الإمامة، وهذا المنهج الواضح، والغرض الواجب اللازم الذي لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإماميّة المهتدية (رحمة الله عليها)، وعلى ذلك إجماعنا إلى يوم مضى الحسن بن عليّ (رضي الله عنه))(ظ¦ظ¦).
ثانياً: إجماع الفقهاء على انقطاع النيابة وإجماعهم على كفر وضلال مدّعي السفارة والنيابة.
قال ابن قولويه (رحمه الله): (... لأن عندنا أن كل من ادعى الأمر بعد السمري (رحمه الله) فهو كافر منمس ضال مضل...)(ظ¦ظ§).
ثالثاً: التواتر:
ومعناه: أن للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) غيبتين: غيبة صغرى وغيبة كبرى، وإن من الفارق بينهما: هو أن الغيبة الصغرى يكون الخفاء فيها ليس تاماً لوجود تمثيل رسمي للإمام (عجّل الله فرجه) من خلال السفراء والنواب الخاصين، وأن الغيبة الكبرى يكون الخفاء فيها تاماً، أي يكون الانقطاع تاماً، كما أن انتهاء الغيبة الصغرى يكون بانقطاع السفارة والنيابة الخاصة، في حين أن انتهاء الغيبة الكبرى يكون بظهور الإمام (عجّل الله فرجه) وبيعته وإقامة دولته وبروز جهاز إدارته.
وهذا أمر متفق عليه لدى الجميع، فلو جاء شخص وادعى أنه التقى بالإمام (عجّل الله فرجه) وأنه سفيره إلى الناس، لأمكن أن يأتي شخص ثانٍ وثالثٍ وعاشر، وبالتالي لا يكون فرق بين الغيبتين.
رابعاً: ومما يؤيد التسليم بانقطاع السفارة الخاصة، هو أن (علماء سنة الخلافة وجماعة السلطان قد اشتهر بينهم عن الإماميّة ذلك، وأخذوا يصيغون الإشكالات بانعدام الإمام (عجّل الله فرجه) مع انقطاعه عن شيعته في أكثر كتبهم الكلاميّة والمؤلّفة في الملل والمذاهب)(ظ¦ظ¨).
فمثل هذه الإشكالات التي طرحوها لا وجه لها لو لم يكن انقطاع السفارة الخاصة مسلّماً لدى الشيعة، ومشتهراً لدى الجميع، لذا استغلوا هذه الحقيقة لصياغة بعض الإشكالات، والتي أجاب عنها علماؤنا بالتفصيل(ظ¦ظ©).
خامساً: التوقيع المبارك المروي بتوسط النائب الرابع علي بن محمد السمري (رضي الله عنه)، إذ روى الشيخ الصدوق قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري (قدس الله روحه) فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ) وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم».
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه. ومضى (رضي الله عنه)، فهذا آخر كلام سمع منه(ظ§ظ*).
إن المشاهدة المنفية في نص الإمام لا تخلو عن أحد معنيين:
الأول: نفي مطلق المشاهدة.
الثاني: نفي بعض المشاهدة.
أمّا الأول، فباطل بالوجدان، لحدوث المشاهدة من عدة من أساطين الفقهاء والعلماء وتشرفهم بلقائه (عجّل الله فرجه)، حتى إن ثلة منهم نقل عنه (عجّل الله فرجه) بعض الأدعية المسطرة في كتب الشيعة مع عدم دعواهم للسفارة.
فلابد من أن ينحصر المعنى بالثاني (أي نفي بعض مصاديق المشاهدة)، وهذا البعض المنفي لابد أن يكون المراد منه المشاهدة مع ادعاء الوساطة والارتباط المباشر بالإمام (عجّل الله فرجه)، بقرينة أن التوقيع صدر قرب وفاة السمري، حيث ورد في أوله تعزية الإمام (عجّل الله فرجه) المؤمنين بموت السمري ما بينه وبين ستة أيام، ثم أمْرُه (عليه السلام) السمري بعدم الوصاية إلى أحد يقوم مقامه بعد وفاته، إذ قد وقعت الغيبة التامة، وأنه لا ظهور حتى يأذن الله تعالى ذكره، وهذه كلها قرائن على أن سياق الكلام دال على تكذيب المشاهدة مع دعوى النيابة والسفارة بعد السمري (رضي الله عنه)، فتكون المشاهدة بمعنى السفارة من المحكمات.
على أنه ينبغي أن نلاحظ التالي:
إن التوقيع الشريف، إن كان ينفي خصوص السفارة فبها، وإن كان ينفي مطلق المشاهدة، بما يشمل السفارة والرؤية من دون ادعائها، فهو أيضاً بالتالي ينفي السفارة الخاصة. إذ السفارة أخص من مطلق الرؤية، والخاص ينتفي بانتفاء المطلق والعام.
النحو الثالث: قيادة الأمة ورئاسة الحكومة:
أي دور الحاكمية على الأرض، وتسنّم منصب رئاسة الدولة سياسياً، وعسكرياً، وبقية مفاصل الدولة.
ومن المعلوم أن القيام بهذا الدور يتوقف - في واقعه - على طرفين: طرف المعصوم، وطرف الناس؛ إذ إن الحكومة تعني أن يقوم فردٌ واحدٌ - هو الرئيس - بإدارة الشعب وما يتعلق به من منظمات ومؤسسات، فهناك طرفان للحكومة: حاكم، ومحكوم، والواقع يشهد أن الحاكم - وفق النظام الطبيعي من تولّد النتائج من أسبابها الواقعية كما أراد الله تعالى لهذا العالم أن يكون - لا يمكنه القيام بكل مهام الحكومة من دون أن يقف الشعب معه، أو قل: إنه لا يمكنه إدارة الدولة من دون أن يُمكّنه الناس من ذلك، بأن يقبلوا ولايته عليهم، ويُطيعوه فيما يأمرهم، ويقفوا معه ضد من يريد الإطاحة به.
إن أي خلل في طرفي المعادلة هذه يؤدي إمّا إلى أن يكون الحاكم دكتاتورياً، فيما إذا اعتمد على قوته العسكرية، وأهمل الشعب، وعمل على استضعافه واستعباده، أو يكون ضعيفاً هزيلاً، لا يمكنه حماية دولته، فيما إذا لم يقم الشعب بمساندته ومعونته على القيام بمهامه.
وإن فهمنا لهذه المعادلة جيداً، سينفعنا في الإجابة عن العديد من الأسئلة التي تتوجه إلى بعض تصرفات المعصوم، من قبيل جلوس أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيته سنوات طويلة، وصلح الإمام الحسن (عليه السلام)، وما شابه هذه المواقف، بل إنه سيجيب عن سؤال مفاده: أنه لماذا لم يكن المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً هو الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي هو أفضل بلا شك من الإمام الحجة بن الحسن (عجّل الله فرجه).
إن فهمنا لهذه المعادلة سيبين لنا أن العلة المانعة من تسنم الحكم أمس، واليوم، هي ليست في المعصوم، وإنما هي في طرف المعادلة الثاني: الناس.
وفي بحثنا نقول:
نحن نعتقد أن الطرف الأول للحكومة - وهو الحاكم - هو المعصوم الذي جعله الله تبارك وتعالى حجة على الخلق، وهو - لعصمته - مؤهل لقيادة الأمة، بل لا بديل عنه بمستواه، وبالتالي، فهذا الطرف تام.
إن قلت: إن كان كذلك، فلمَ غاب ولم يقم بقيادة الدولة؟
قلت: إن النقص ليس من جهته، وإنما من جهة الطرف الثاني للمعادلة، وهو الناس، فإنهم لم يقوموا بما عليهم من مهمة التمكين للمعصوم لقيادة الدولة، حيث تقدم أن على الأمة أن تُمكّن الحاكم من قيادة الدولة، وإلّا، فإنه لن يتمكن من ذلك وفق النظام الطبيعي، وقد ألفتت جملة من النصوص إلى هذا الدور المحوري للأمة، من قبيل ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً، ولَيْسَ أَمْرِي وأَمْرُكُمْ وَاحِداً، إِنِّي أُرِيدُكُمْ للهِ، وأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وايْمُ اللهِ لأُنْصِفَنَّ المَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِه ولأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِه، حَتَّى أُورِدَه مَنْهَلَ الحَقِّ وإِنْ كَانَ كَارِهاً»(ظ§ظ،).
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عن أبي عَبْدِ الله (عليه السلام): «... لَوْ لَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ ويَجْبِي لَهُمُ الفَيْءَ ويُقَاتِلُ عَنْهُمْ ويَشْهَدُ جَمَاعَتَهُمْ، لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا، ولَوْ تَرَكَهُمُ النَّاسُ ومَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا وَجَدُوا شَيْئاً إِلَّا مَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ...»(ظ§ظ¢).
مع التنبيه على أن التمكين ليس هو مصدر الشرعية في عقيدتنا، وإنما هو يأتي بعد الشرعية، فبعد أن قامت السماء بتعيين الحاكم وفق مواصفات خاصة (من الجعل والعصمة والعلم اللدني كما ثبت في محله من علم الكلام)، يأتي دور الشعب في تمكين المعصوم من حكم الأرض، فالتمكين يأتي في طول الشرعية، لا أنه هو المصدر لها.
علماً أن التمكين وإنْ كان يأتي بعد الشرعية، إلّا أن له مراتب كثيرة، يمكن أن يؤخذ بطريقة عفوية تلقائية وبطريقة قبول الواقع وتمشية الحال، ولكن في نفس الوقت يُمكن أن يؤخذ على أنه المحور في أي فعل يفعله الحاكم، بحيث يمكن أن يكون بيد الناس السماح للحاكم بتفعيل حاكميته أو تجميدها.
إن قراءة سريعة لتاريخ الناس مع الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، يكشف بكل وضوح، أنهم لم يقوموا بما عليهم من التمكين، وإنهم تخلوا عن المعصوم في ساعة العسرة، إلّا القلة القليلة ممن لا يتم التمكين بهم، الأمر الذي انعكس على الواقع، وجعل الحكم بيد غير المعصومين لمئات السنين، وما زال.
وهذه نماذج من مواقف الناس مع المعصوم:
أولاً:
بعد استشهاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عُقد اجتماع السقيفة، الذي أدى إلى إبعاد أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الحكم لمدة (ظ£ظ¥) سنة، وفي هذه الفترة لم يقم أكثر الناس بما عليهم من مهمة التمكين، بل وصل الأمر في أوجّ حالات الشدة إلى ما روي عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «ارتد الناس إلّا ثلاثة نفر: سلمان وأبو ذر، والمقداد»، قال: فقلت: فعمار؟ فقال: «قد كان جاض جيضة(ظ§ظ£)، ثم رجع»، ثم قال: «إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد، فأمّا سلمان فإنه عرض في قلبه عارض، أن عند ذا يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) اسم الله الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض وهو هكذا، فلبب ووجئت في عنقه حتى تركت كالسلعة(ظ§ظ¤)، ومر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أبا عبد الله هذا من ذاك بايع، فبايع، وأمّا أبو ذر فأمره أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسكوت ولم يكن تأخذه في الله لومة لائم، فأبى إلّا أن يتكلم فمر به عثمان فأمر به، ثم أناب الناس بعد فكان أول من أناب أبو ساسان الأنصاري وأبو عمرة وفلان حتى عقد سبعة، ولم يكن يعرف حق أمير المؤمنين (عليه السلام)، إلّا هؤلاء السبعة».
وفي هذا السياق روي عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا أَقَلَّنَا لَوِ اجْتَمَعْنَا عَلَى شَاةٍ مَا أَفْنَيْنَاهَا! فَقَالَ (عليه السلام): «ألَا أُحَدِّثُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ، المُهَاجِرُونَ والأَنْصَارُ، ذَهَبُوا إِلَّا - وأَشَارَ بِيَدِه ثَلَاثَةً -»، [أي أشار إلى أن ثلاثة فقط لم يذهبوا كما تقدم].
قَالَ حُمْرَانُ: فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا حَالُ عَمَّارٍ؟ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ عَمَّاراً أَبَا اليَقْظَانِ، بَايَعَ وقُتِلَ شَهِيداً».
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الشَّهَادَةِ، فَنَظَرَ (عليه السلام) إِلَيَّ فَقَالَ: «لَعَلَّكَ تَرَى أَنَّه مِثْلُ الثَّلَاثَةِ! أَيْهَاتَ أَيْهَاتَ»(ظ§ظ¥).
ثانياً: في زمن الإمام الحسن (عليه السلام)، اضطر (عليه السلام) إلى ترك مقاتلة معاوية، وبالتالي قبول الصلح معه، بسبب قلة الناصر، وبهدف الحفاظ على الثلة القليلة من المؤمنين، الأمر الذي كشفت عنه النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام).
ففي حديث أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «اعلم أن الحسن بن علي (عليهما السلام) لما طعن واختلف الناس عليه، سلَّم الأمر لمعاوية، فسلَّمت عليه الشيعة عليك السلام يا مذل المؤمنين. فقال (عليه السلام): ما أنا بمذل المؤمنين ولكني معز المؤمنين، إني لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة، سلَّمت الأمر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى لأصحابها وكذلك نفسي وأنتم لنبقى بينهم»(ظ§ظ¦).
وروي عن علي بن محمد بن بشير الهمداني، قال: خرجت أنا وسفيان ابن ليلى حتى قدمنا على الحسن المدينة، فدخلنا عليه، وعنده المسيب بن نجبة وعبد الله بن الوداك التميمي، وسراج بن مالك الخثعمي، فقلت: (السلام عليك يا مذل المؤمنين)، قال: «وعليك السلام، اجلس، لست مذل المؤمنين، ولكني معزهم، ما أردت بمصالحتي معاوية إلّا أن أدفع عنكم القتل عند ما رأيت من تباطؤ أصحابي عن الحرب، ونكولهم عن القتال، ووالله لئن سرنا إليه بالجبال والشجر ما كان بد من إفضاء هذا الأمر إليه»(ظ§ظ§).
وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «والله الذي صنعه الحسن بن علي (عليه السلام) كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس، والله لفيه نزلت هذه الآية ï´؟أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَï´¾ إنما هي طاعة الإمام فطلبوا القتال ï´؟فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُï´¾ مع الحسين ï´؟وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍï´¾ [الأنفال: ظ§ظ§]، وقوله: ï´؟رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَï´¾ [إبراهيم: ظ¤ظ¤] أرادوا تأخير ذلك إلى القائم (عليه السلام)»(ظ§ظ¨).
ثالثاً: في زمن مولانا الإمام الحسين (عليه السلام)، لم يقف معه ضد الباطل سوى نيّف وسبعون رجلاً، وأمّا باقي الناس فقد عبّر عنهم (عليه السلام) بقوله: «إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون»(ظ§ظ©)، أو كما روي أنه لما صار الحسين (عليه السلام) في بعض الطريق لقيه أعرابيان من بني أسد فسألهما عن الخبر فقالا له: يا بن رسول الله، إن قلوب الناس معك وسيوفهم عليك...(ظ¨ظ*).
وانتهت المعركة بما هو معلوم للجميع.
رابعاً: استمر مسلسل قلة الأنصار المخلصين في الأزمنة البعدية، وهو ما صرحت به العديد من النصوص، من قبيل ما روي عَنْ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، فَقُلْتُ لَه: والله مَا يَسَعُكَ القُعُودُ!
فَقَالَ (عليه السلام): «ولِمَ يَا سَدِيرُ»؟
قُلْتُ: لِكَثْرَةِ مَوَالِيكَ وشِيعَتِكَ وأَنْصَارِكَ، والله لَوْ كَانَ لأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَا لَكَ مِنَ الشِّيعَةِ والأَنْصَارِ والمَوَالِي مَا طَمِعَ فِيه تَيْمٌ ولَا عَدِيٌّ.
فَقَالَ (عليه السلام): «يَا سَدِيرُ، وكَمْ عَسَى أَنْ يَكُونُوا»؟ قُلْتُ: مِائَةَ ألفٍ. قَالَ (عليه السلام): «مِائَةَ ألفٍ»؟! قُلْتُ: نَعَمْ، ومِائَتَيْ ألفٍ. قَالَ (عليه السلام): «مِائَتَيْ ألفٍ»؟! قُلْتُ: نَعَمْ، ونِصْفَ الدُّنْيَا!
قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: «يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ تَبْلُغَ مَعَنَا إِلَى يَنْبُعَ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِحِمَارٍ وبَغْلٍ أَنْ يُسْرَجَا، فَبَادَرْتُ فَرَكِبْتُ الحِمَارَ، فَقَالَ (عليها السلام): «يَا سَدِيرُ، أتَرَى أَنْ تُؤْثِرَنِي بِالحِمَارِ»؟! قُلْتُ: البَغْلُ أَزْيَنُ وأَنْبَلُ. قَالَ (عليه السلام): «الحِمَارُ أَرْفَقُ بِي»، فَنَزَلْتُ فَرَكِبَ الحِمَارَ، ورَكِبْتُ البَغْلَ، فَمَضَيْنَا فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ (عليه السلام): «يَا سَدِيرُ، انْزِلْ بِنَا نُصَلِّ». ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «هَذِه أَرْضٌ سَبِخَةٌ، لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا»، فَسِرْنَا حَتَّى صِرْنَا إِلَى أَرْضٍ حَمْرَاءَ، ونَظَرَ إِلَى غُلَامٍ يَرْعَى جِدَاءً، فَقَالَ (عليه السلام): «والله يَا سَدِيرُ، لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِه الجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي القُعُودُ»، ونَزَلْنَا وصَلَّيْنَا فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ عَطَفْتُ عَلَى الجِدَاءِ فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ(ظ¨ظ،).
وعن مأمون الرقّي، قال: كنت عند سيّدي الصادق (عليه السلام) إذ دخل سهل بن حسن الخراساني، فسلَّم عليه، ثمّ جلس، فقال له: يا بن رسول الله، لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أنْ يكون لك حقٌّ تقعد عنه وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف؟ فقال له (عليه السلام): «اجلس يا خراساني، رعى الله حقَّك»، ثمّ قال: «يا حنيفة أسجري التنّور»، فسجرته حتَّى صار كالجمرة وابيضَّ علوُّه، ثمّ قال: «يا خراساني، قم فاجلس في التنور»، فقال الخراساني: يا سيّدي يا بن رسول الله، لا تُعذِّبني بالنار، أقلني أقالك الله، قال: «قد أقلتك»، فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكّي ونعله في سبّابته، فقال: السلام عليك يا بن رسول الله، فقال له الصادق (عليه السلام): «ألق النعل من يديك واجلس في التنّور»، فألقى النعل من سبّابته، ثمّ جلس في التنّور، وأقبل الإمام يُحدِّث الخراساني حديث خراسان حتَّى كأنَّه شاهد لها، ثمّ قال: «قم يا خراساني وانظر ما في التنّور»، قال: فقمت إليه، فرأيته متربِّعاً، فخرج إلينا وسلَّم علينا، فقال الإمام (عليه السلام): «كم تجد في خراسان مثل هذا»؟ فقلت: والله ولا واحد، فقال (عليه السلام): «لا والله ولا واحد، أمَا إنّا لا نخرج في زمان لا نجد خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت»(ظ¨ظ¢).
وهكذا استمرت السلطات الظالمة بإبعاد المعصومين (عليهم السلام) عن الحكم، واستمر الناس بعدم تمكينهم للمعصومين منه، وعدم وقوفهم ضد الظالم بالمستوى المطلوب، فيما استغل الحكام الظالمون تخاذل الناس ليقوموا بتشريدهم، وسجنهم، وقتلهم.
والحاصل: أن الغيبة، وبالتالي عدم قيام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بحكم الدولة، لم تكن من الله تعالى؛ لأنه خلاف اللطف الذي يفعله الله (جلَّ وعلا) لموافقته للحكمة، ولم تكن هي من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)؛ لأنه خلاف ما أوكل إليه من مهام الإمامة.
وإنما هي من الناس بسبب عدم قيامهم بالواجب عليهم من إقامة الحجة واتّباعه، بل عملوا على ملاحقته (عجّل الله فرجه) ولذلك ورد في الروايات أن من أسباب غيبته (عجّل الله فرجه) هو الخوف على نفسه من القتل، فقد روي عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم، وهو المطلوب تراثه»، قلت: ولِـمَ ذلك؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه، يعني القتل -»(ظ¨ظ£).
وهو ما تشير إليه بعض الكلمات المروية عنه (عجّل الله فرجه)، من قبيل ما جاء في مكاتبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إلى الشيخ المفيد: «ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل...»(ظ¨ظ¤).
فالسبب إذن يكمن في عدم قيام الناس بما عليهم من مهمة التمكين، وتقصيرهم في ذلك.
مع التنبيه على الآتي:
أولاً:
أن هذا الكلام غير موجه لخصوص الشيعة، كما قد يتصور البعض، وكما قد يجلد بعض الشيعة ذاته بأنه هو السبب وراء تأخر ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، كلا، وإنما هو يشمل جميع الناس، وأمّا الشيعة المؤمنون فهم بعيدون عن هذا الكلام.
ثانياً: ولا يعني هذا أن الظهور متوقف فقط على توفر العدد المناسب من الأنصار، ليُقال بأنه لا يُعقل عدم وجود عدد مناسب من الشيعة لنصرة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، إذ إن حديثنا في خصوص مفردة حكومة الأرض، وأمّا الظهور عموماً، فإنه متوقف على العديد من الأسباب الموضوعية، أحدها توفر الأنصار، وأهمها الإذن الإلهي، كما ورد هذا المعنى في التوقيع الشريف الأخير الذي صدر للسفير الرابع: «...فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)...»(ظ¨ظ¥).


من مواضيع : صدى المهدي 0 بين العصمة والتخصص في زمن الغيبة
0 الشِرك بثوبٍ جديد!
0 ما معنى قيمومة الرجل على المرأة؟
0 خلف غَرفة الماء.
0 صلب رأس الإمام الحسين (عليه السلام) في عواصم الخلافة
رد مع اقتباس