|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,073
|
|
بمعدل : 0.52 يوميا
|
|
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
صدى المهدي
المنتدى :
منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام
بتاريخ : يوم أمس الساعة : 09:19 AM
والحاصل:
أن من أدوار الإمام المعصوم (عليه السلام) تجاه شيعته، هو دور الرعاية الأبوية التي تقتضي اللطف بهم، وتسهيل أمورهم، ولو بطرق غيبية، كما حصل مع أبي هاشم الجعفري.
والذي نريد بيانه هنا هو:
أن هذا الدور لا يتوقف على أن يكون المعصوم ظاهراً بين الناس، وإنما يمكن أن يقوم به المعصوم ولو كان مسافراً إلى مكان بعيد، تماماً كما يمكن للأب أن يرعى أولاده من خلال الاتصال بهم هاتفياً مثلاً وتوجيهم، أو من خلال تكليف بعض الأفراد ممن يثق بهم ليصلوا إلى عياله ويقضوا حوائجهم، أو حتى من خلال كتابة برنامج معين، وتعليم الكبير من الأولاد مثلاً طريقة توفير الحاجات الضرورية لأهل بيته.
نعم، لا شك أن وجود الأب بين أفراد عائلته له أثر أعظم مما لو كان غائباً عنهم ويتواصل معهم بأحد الطرق المشار إليها أو بغيرها، إلّا أن الأب قد يضطر للسفر بعيداً من أجل توفير مستقبل أفضل لأولاده، والأولاد حينما يرون صدق النية من أبيهم، وعمله على إسعادهم، سيتفهّمون - بلا شك - غيابه عنهم، وسيعملون على أن لا يدَعوه يقلق من أجل بعض المشاكل التي يواجهونها، والمسألة من هذه الناحية وجدانية.
وهذا المعنى هو ما نقوله في مولانا الإمام الحجة بن الحسن (عليهما السلام)، فإنه يمكن أن يقوم بدور الرعاية الأبوية وهو في ستر الغيب، خصوصاً مع ما عنده من مؤهلات ربانية، وصفات كمالية، تجعله يطلع على رعيته، وشيعته، وتسبيب الأسباب لتسهيل أمورهم بطريقة وبأخرى، وهذا ما يؤيده ما نُقل عن بعض العلماء الذين التقوا بالإمام (عجّل الله فرجه) أو بأحد أتباعه من الأبدال مثلاً، وأنه قد تم تسهيل أمره او حلّ مشكلته بطريقة غير معروفة الأسباب.
وعلى كل حال، فقد أشارت بعض النصوص إلى أن الإمام الحجة بن الحسن (عجّل الله فرجه) يرعى شيعته من طريق الغيب(ظ¢ظ¤)، من قبيل:
ظ، - ما ورد في مكاتبته (عجّل الله فرجه) إلى الشيخ المفيد (قدِّس سرّه): «نحن وإن كنّا ناوين [ثاوين] بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنّا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذلّ الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون. إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء أو اصطلمكم الأعداء، فاتَّقوا الله (جلّ جلاله) وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم يهلك فيها من حمَّ أجله ويحمى عنها من أدرك أمله...»(ظ¢ظ¥).
ظ¢ - ما ورد من دعائه لوالد الشيخ الصدوق بولدين سالمين خيّرين، فإنه كاشف عن أنه (عجّل الله فرجه) يرعى شيعته، ويدعو لهم بالخير، فقد نقل العلامة المجلسي في بحاره(ظ¢ظ¦): اجْتَمَعَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْن بْن بَابَوَيْهِ مَعَ أبِي القَاسِم الحُسَيْن بْن رَوْح وَسَألَهُ مَسَائِلَ ثُمَّ كَاتَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ عَلِيّ بْن جَعْفَر بْن الأسْوَدِ يَسْألُهُ أنْ يُوصِلَ لَهُ رُقْعَةً إِلَى الصَّاحِبِ (عليه السلام) وَيَسْألُهُ فِيهَا الوَلَدَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «قَدْ دَعَوْنَا اللهَ لَكَ بِذَلِكَ وَسَتُرْزَقُ وَلَدَيْن ذَكَرَيْن خَيّرَيْن»، فَوُلِدَ لَهُ أبُو جَعْفَرٍ وَأبُو عَبْدِ اللهِ مِنْ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَانَ أبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ: أنَا وُلِدْتُ بِدَعْوَةِ صَاحِبِ الأمْر (عليه السلام)، وَيَفْتَخِرُ بِذَلِكَ(ظ¢ظ§).
وروي أنه قال مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الأسْوَدُ (رحمه الله) قَالَ: سَألَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْن بْن مُوسَى بْن بَابَوَيْهِ (رحمه الله) بَعْدَ مَوْتِ مُحَمَّدِ بْن عُثْمَانَ العَمْريّ أنْ أسْألَ أبَا القَاسِم الرَّوْحِيَّ (رحمه الله) أنْ يَسْألَ مَوْلاَنَا صَاحِبَ الزَّمَان (عليه السلام) أنْ يَدْعُوَ اللهَ أنْ يَرْزُقَهُ وَلَداً ذَكَراً، قَالَ: فَسَالتُهُ فَأنْهَى ذَلِكَ، ثُمَّ أخْبَرَني بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلاَثَةِ أيَّام أنَّهُ قَدْ دَعَا لِعَلِيّ بْن الحُسَيْن وَأنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ مُبَارَكٌ يَنْفَعُ اللهُ بِهِ وَبَعْدَهُ أوْلاَدٌ.
قَالَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الأسْوَدُ: وَسَالتُهُ فِي أمْر نَفْسِي أنْ يَدْعُوَ اللهُ لِي أنْ أُرْزَقَ وَلَداً ذَكَراً فَلَمْ يُجِبْني إِلَيْهِ، وَقَالَ: «لَيْسَ إِلَى هَذَا سَبِيلٌ»، قَالَ: فَوُلِدَ لِعَلِيّ بْن الحُسَيْن (رحمه الله) تِلْكَ السَّنَةَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَبَعْدَهُ أوْلاَدٌ وَلَمْ يُولَدْ لِي.
قال الصدوق (رحمه الله): كان أبو جعفر محمّد بن علي الأسود (رضي الله عنه) كثيراً ما يقول لي إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، وأرغب في كتب العلم وحفظه: ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم وأنت ولدت بدعاء الإمام (عليه السلام)(ظ¢ظ¨).
وَقَالَ: قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَابَوَيْهِ: عَقَدْتُ المَجْلِسَ وَلِي دُونَ العِشْرينَ سَنَةً فَرُبَّمَا كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسِي أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الأسْوَدُ، فَإذَا نَظَرَ إِلَى إِسْرَاعِي فِي الأجْوبَةِ فِي الحَلاَلِ وَالحَرَام يُكْثِرُ التَّعَجُّبَ لِصِغَر سِنّي، ثُمَّ يَقُولُ: لا عَجَبَ لأنَّكَ وُلِدْتَ بِدُعَاءِ الإمَام (عليه السلام)(ظ¢ظ©).
ظ£ - عَنْ مُحَمَّدِ بْن يُوسُفَ الشَّاشِيّ، قَالَ: خَرَجَ بِي نَاسُورٌ فَأرَيْتُهُ الأطِبَّاءَ وَأنْفَقْتُ عَلَيْهِ مَالاً، فَلَمْ يَصْنَع الدَّوَاءُ فِيهِ شَيْئاً، فَكَتَبْتُ رُقْعَةً(ظ£ظ*) أسْألُ الدُّعَاءَ فَوَقَّعَ لِي: «ألبَسَكَ اللهُ العَافِيَةَ وَجَعَلَكَ مَعَنَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، فَمَا أتَتْ عَلَيَّ الجُمُعَةُ حَتَّى عُوفِيتُ وَصَارَ المَوْضِعُ مِثْلَ رَاحَتِي فَدَعَوْتُ طَبِيباً مِنْ أصْحَابِنَا وَأرَيْتُهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: مَا عَرَفْنَا لِهَذَا دَوَاءً وَمَا جَاءَتْكَ العَافِيَةُ إِلّا مِنْ قِبَل اللهِ بِغَيْر احْتِسَابٍ(ظ£ظ،).
ظ¤ - ما ورد من حمايته (عجّل الله فرجه) لوكلائه حينما وُشي بهم، فقد روي أنه قال الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَن العَلَويُّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ نُدَمَاءِ رُوزْحَسَنِيَّ وَآخَرُ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ: هُوَ ذَا يَجْبِي الأمْوَالَ وَلَهُ وُكَلاَءُ، وَسَمَّوْا جَمِيعَ الوُكَلاَءِ فِي النَّوَاحِي وَأنْهَى ذَلِكَ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بْن سُلَيْمَانَ الوَزِير فَهَمَّ الوَزِيرُ بِالقَبْض عَلَيْهِمْ، فَقَالَ السُّلْطَانُ: اطْلُبُوا أيْنَ هَذَا الرَّجُلُ فَإنَّ هَذَا أمْرٌ غَلِيظٌ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سُلَيْمَانَ: نَقْبِضُ عَلَى الوُكَلاَءِ، فَقَالَ السُّلْطَانُ: لاَ وَلَكِنْ دَسُّوا لَهُمْ قَوْماً لاَ يُعْرَفُونَ بِالأمْوَالِ فَمَنْ قَبَضَ مِنْهُمْ شَيْئاً قُبِضَ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَخَرَجَ بِأنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى جَمِيع الوُكَلاَءِ أنْ لاَ يَأخُذُوا مِنْ أحَدٍ شَيْئاً وَأنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ ذَلِكَ وَيَتَجَاهَلُوا الأمْرَ، فَانْدَسَّ بِمُحَمَّدِ بْن أحْمَدَ رَجُلٌ لاَ يَعْرفُهُ وَخَلاَ بِهِ فَقَالَ: مَعِي مَالٌ أُريدُ أنْ أُوصِلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: غَلِطْتَ أنَا لا أعْرفُ مِنْ هَذَا شَيْئاً، فَلَمْ يَزَلْ يَتَلَطَّفُهُ وَمُحَمَّدٌ يَتَجَاهَلُ عَلَيْهِ وَبَثُّوا الجَوَاسِيسَ وَامْتَنَعَ الوُكَلاَءُ كُلُّهُمْ لِمَا كَانَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ(ظ£ظ¢).
ظ¥ - ما روي عنه (عجّل الله فرجه) من أنه يدعو لشيعته وأتباعه، فقد جاء في مكاتبته (عجّل الله فرجه) إلى الشيخ المفيد: ... لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فلتطمئن بذلك من أوليائنا القلوب...(ظ£ظ£).
هذا وقد وردت عنه (عجّل الله فرجه) أدعية يدعو فيها لشيعته، ومنها دعاء:
«اللّهُمَّ ارْزُقْنا تَوْفِيقَ الطَّاعَةِ، وَبُعْدَ المَعْصِيَةِ، وَصِدْقَ النِيَّةِ، وَعِرْفانَ الحُرْمَةِ، وَأَكْرِمْنا بالهُدى وَالاسْتِقامَةِ، وَسَدِّدْ السِنَتَنا بِالصَّوابِ وَالحِكْمَةِ، وَاملأ قُلُوبَنا بِالعِلْمِ وَالمَعْرفَةِ، وَطَهِّرْ بُطُونَنا مِنَ الحَرامِ وَالشُّبْهَةِ، وَاكْفُفْ أَيْدِيَنا عَنْ الظُّلْمِ وَالسَّرِقَةِ، وَاغْضُضْ أَبْصارَنا عَنْ الفُجُورِ وَالخيانَةِ، وَاسْدُدْ أَسْماعَنا عَنْ اللَّغْوِ وَالغِيْبَةِ، وَتَفَضَّلْ عَلى عُلَمائِنا بِالزُّهْدِ وَالنَّصِيحَةِ، وَعَلى المُتَعَلِّمِينَ بالجِهْدِ وَالرَّغْبَةِ، وَعَلى المُسْتَمِعِينَ بِالاتِّباعِ وَالمَوْعِظَةِ، وَعَلى مَرْضى المُسْلِمِينَ بِالشِّفاءِ وَالرَّاحَةِ، وَعَلى مَوْتاهُمْ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَعَلى مَشايِخِنا بِالوِقارِ وَالسَّكِينَةِ، وَعَلى الشَّبابِ بِالإنابَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَعَلى النِّساءِ بالحَياءِ وَالعِفَّةِ، وَعَلى الأَغْنِياءِ بِالتَّواضِعِ وَالسِّعَةِ، وَعَلى الُفَقراءِ بِالصَبْرِ وَالقَناعَةِ وَعَلى الغُزاةِ بِالنَصْرِ وَالغَلَبَةِ، وَعَلى الأُسَراءِ بِالخَلاصِ وَالرَّاحَةِ، وَعَلى الأُمَراءِ بِالعَدْلِ وَالشَّفَقَةِ، وَعَلى الرَّعِيَّةِ بِالإنْصافِ وَحُسْنِ السَّيرَةِ، وَبارِكْ لِلْحُجّاجِ وَالزُّوّارِ فِي الزَّادِ وَالنَّفَقَةِ، وَاقْضِ ما أَوْجَبْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ»(ظ£ظ¤).
وهكذا ما ورد في دعائه (عجّل الله فرجه) الآخر:
«إِلهِي بِحَقِّ مِنْ ناجاكَ وَبِحَقِّ مَنْ دَعاكَ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ تَفَضَّلْ عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ بِالغِناءِ وَالثَّرْوَةِ، وَعَلى مَرْضى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ بِالشِّفاءِ وَالصَّحَةِ، وَعَلى أَحْياءِ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ بِاللُّطْفِ وَالكَرَمِ، وَعَلى أَمْواتِ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَعَلى غُرَباءِ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ بِالرَّدِّ إِلى أَوْطانِهِمْ سالِمِينَ غانِمِينَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ»(ظ£ظ¥).
النحو الثاني:
ما يُمكن أن يوكله المعصوم إلى غيره، فيتصدى غيره بإذنه لإدارة هذا الدور، ويكون الغير معتمداً في أداء هذا الدور على ما وصل له من تراث ونصوص دينية، لا يخرج عنها قيد أنملة.
وهنا دوران:
الدور الأول: كونه العالم الذي يُرجع إليه في:
أ - تفسير الكتاب العزيز وشرح مقاصده، وبيانه للناس.
ب - دفع الشبهات والتساؤلات التي يطرحها المناوئون ضد الإسلام، وصيانة الدين من التحريف.
ج - بيان الأحكام الشرعية التكليفية للناس.
الدور الثاني: الحكم بين الناس بالحق عند وقوع المنازعات بينهم.
والأدلة متعددة على ان المعصوم أوكل هذين الدورين لفئة خاصة من المؤمنين به، وفق مؤهلات علمية وعملية خاصة.
والتفصيل عبر النقاط الآتية:
النقطة الأولى: نصوص توكيل المعصوم غيره في بيان العلم والحكم بين الناس:
لا ريب في أن هذين الدورين هما للمعصوم بالأصالة، ولكنها من النوع الذي يُمكن أن يوكل المعصوم أداءهما إلى غيره، بأن يجعل نائباً عنه فيهما، لا كما كانت الأدوار من النحو الأول، حيث إن الأصل فيها هو المعصوم، وهي من الأدوار التي لا يمكن أن يقوم بها غير المعصوم، وبالتالي لا يصح توكيل غيره بأدائها.
وهذا الأمر كان حاصلاً في زمن ظهور المعصوم، فالنصوص كثيرة تدل على أن المعصوم نفسه كان يأمر بعض أصحابه بأن يقوموا بعملية تبليغ العلم وشرحه وبيانه، بل كان يأمر بعض أصحابه بالجلوس في المسجد وإفتاء الناس، وبتتبع النصوص الروائية، نجد أن هذا المعنى بدأ من زمن النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصولاً إلى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
والتفصيل:
أوَّلاً: ما ورد في ذلك في زمن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
روي في قصَّة بيعة العقبة: قال ابن إسحاق: (فلمَّا انصرف عنه القوم بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معهم مصعب بن عمير...، وأمره أن يُقرئهم القرآن ويُعلِّمهم الإسلام ويُفقِّههم في الدين)(ظ£ظ¦).
وروي أنَّه بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عمرو بن حزم والياً على بني الحارث ليُفقِّههم في الدين ويُعلِّمهم السُّنَّة ومعالم الإسلام(ظ£ظ§).
ثانياً: ما ورد في ذلك في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام):
وهو ما كتبه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى قُثَم بن عبّاس حين ما ولّاه: «وَاجْلِسْ لَهُمُ العَصْرَيْنِ، فَأَفْتِ المُسْتَفْتِيَ، وَعَلِّمِ الجَاهِلَ، وَذَاكِرِ العَالِمَ»(ظ£ظ¨).
ثالثاً: ما ورد في ذلك في زمن الأئمَّة المعصومين بعد أمير المؤمنين (عليه السلام):
ظ، - الإمام الباقر (عليه السلام):
قال (عليه السلام) لأبان بن تغلب: «اُجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي أُحِبُّ أن يُرى في شيعتي مثلك»(ظ£ظ©).
ظ¢ - الإمام الصادق (عليه السلام):
عن معاذ بن مسلم النحوي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «بلغني أنَّك تقعد في الجامع فتُفتي الناس»؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون. ويجيء الرجل أعرفه بمودَّتكم وحبِّكم، فأُخبره بما جاء عنكم. ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأُدخل قولكم فيما بين ذلك. فقال لي: «اصنع كذا، فإنّي كذا أصنع»(ظ¤ظ*).
وعن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي (عليه السلام) إلَّا زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفّاظ الدين وأُمناء أبي على حلال الله وحرامه...»(ظ¤ظ،).
ظ£ - الإمام الرضا (عليه السلام):
عن محمّد بن عيسى، قال: حدَّث الحسن بن عليِّ بن يقطين بذلك أيضاً، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): جُعلت فداك، إنّي لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلِّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: «نعم»(ظ¤ظ¢).
وعن عليِّ بن المسيّب، قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقَّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كلِّ وقت، فممَّن آخذ معالم ديني؟ فقال: «من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا»، قال عليُّ بن المسيّب: فلمَّا انصرفت قدمت على زكريا بن آدم فسألته عمَّا احتجت إليه»(ظ¤ظ£).
ظ¤ - الإمام الهادي (عليه السلام):
وهنا، بدأت حقيقة الرجوع إلى الفقهاء الثقات تتبلور أكثر، وتصبح عملية أكثر، من خلال إرجاع الإمام الهادي (عليه السلام) الشيعة إلى عثمان بن سعيد الذي كان ثقةً مأموناً عنده (عليه السلام).
عن أحمد بن إسحاق، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) وقلت: من أعامل، أو عمَّن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال له: «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنَّه الثقة المأمون»(ظ¤ظ¤).
ظ¥ - الإمام العسكري (عليه السلام):
وقد اتَّخذ طابع الإرجاع إلى الفقهاء هنا مستوى أعمق على المستوى العملي، من خلال إرجاع الإمام الشيعة للسفيرين الأوَّلين، وقد كانا أتباعاً مخلصين وفقهاء مأمونين عند الإمام العسكري (عليه السلام).
عن أحمد بن إسحاق أنَّه سأل أبا محمّد (عليه السلام) عن مثل ذلك(ظ¤ظ¥)، فقال له: «العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنَّهما الثقتان المأمونان...»(ظ¤ظ¦).
ظ¦ - الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
وهنا مرحلتان:
المرحلة الأُولى: زمن الغيبة الصغرى: تعيين السفراء الخاصّين:
عندما غاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) غيبته الصغرى، صارت معرفة الأحكام الشرعية من خلال الرجوع إلى السفراء الأربعة وعلى مدار ما يقرب من سبعين سنة، حيث تمَّ تعيين السفراء بأشخاصهم من قِبَل الإمام شخصياً، وهذا ما يُميِّز السفير والنائب الخاصّ عن العامّ، فإنَّ السفير هو من يُعيِّنه الإمام نفسه بشخصه لا بصفته.
وهذا المعنى هو ما دلَّت الروايات الشريفة على عدم وقوعه بعد انتهاء الغيبة الصغرى إلى أن يخرج السفياني وتحدث الصيحة، ففي توقيع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لسفيره الرابع في آخر أيّام حياته ورد:
«... وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر...»(ظ¤ظ§).
وعليه، فكلُّ من ادَّعى السفارة الخاصَّة عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بهذا المعنى قبل أن تقع الصيحة ويخرج السفياني فنحكم بتكذيبه من دون تردّد.
المرحلة الثانية: في زمن الغيبة الكبرى: تعيين الفقهاء بصفاتهم:
وعندما انتهت الغيبة الصغرى كانت فكرة الرجوع إلى الفقهاء المأمونين قد ترسَّخت في أذهان العامَّة - رغم وجودها في الأزمنة السابقة، حيث كان المعصومون حاضرين ظاهرين - بحيث صارت أمراً طبيعياً من خلال الروايات التي عيَّنت الفقهاء الذين يمكن الرجوع إليهم تعييناً من خلال الصفة لا الشخص.
وهذا ما ورد على لسان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في توقيعه الشريف: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله عليهم»(ظ¤ظ¨).
بل نجد أنَّ هذا التعيين الصفتي قد بدأ من زمن الإمام العسكري (عليه السلام) حيث قال: «فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامِّ أن يُقلِّدوه...»(ظ¤ظ©).
بل ومن زمن الإمام الهادي (عليه السلام)، فقد ورد أنَّه قال (عليه السلام): «لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم (عليه السلام) من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابّين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلَّا ارتدَّ عن دين الله، ولكنَّهم الذين يُمسِكون أزمَّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يُمسِك صاحب السفينة سكّانها، أُولئك هم الأفضلون عند الله (عزَّ وجلَّ)»(ظ¥ظ*).
النقطة الثانية: تأسيس المعصوم لمدرسة علمية بعيدة المدى:
إن التأمل في سلوك المعصومين (عليهم السلام) عموماً، يدل بكل وضوح على أنهم لم يكونوا بصدد تنظيم أمور الشيعة آنياً، ضمن خطوات مقطعية، تمشيةً للحالة الحاضرة، وإنما كانوا بصدد تأسيس مدرسة واقعية علمية وعملية طويلة المدى، تعتمد في منهجيتها على الجذور العلمية المأخوذة منهم (عليهم السلام)، وضمن تخطيط واعٍ لحفظها إلى آخر الدهر.
وبعبارة أخرى: أن الملحوظ في سلوك أهل البيت (عليهم السلام) هي العناية المكثفة بشيعتهم ثقافياً وتعليمياً، بحيث أوصلوهم إلى مستوى الاستقلال عن المؤسسة التعليمية الرسمية التابعة للحاكم، وكان ذلك عبر تأكيدهم (عليهم السلام) على مبادئ التعلم الصحيحة، وركّزوا على قضايا، منها:
أ - التعلم والتعليم: فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «أُطلُبُوا العِلمَ ولَو بِخَوضِ اللُّجَجِ وشَقِّ المُهَجِ»(ظ¥ظ،).
ب - حفظ العلم وكتابته وبثِّه: فعن المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام): «اكْتُبْ وَبُثَّ عِلْمَكَ فِي إِخْوَانِكَ فَإِنْ مِتَّ فَأَوْرِثْ كُتُبَكَ بَنِيكَ فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ هَرْجٍ لَا يَأْنَسُونَ فِيهِ إِلَّا بِكُتُبِهِمْ»(ظ¥ظ¢).
وقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام): «احْتَفِظُوا بِكُتُبِكُمْ فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا»(ظ¥ظ£).
وقال (عليه السلام): «اكْتُبُوا فَإِنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ حَتَّى تَكْتُبُوا»(ظ¥ظ¤).
| |
|
|
|
|
|