|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,124
|
|
بمعدل : 0.53 يوميا
|
|
|
|
|
|
المنتدى :
منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام
تحولات الإنسان في النهضة الحسينية.. من الغرائزية إلى العقلانية
بتاريخ : يوم أمس الساعة : 07:52 AM
العنف بلا قيم، والغرائزية حين تسيطر على الإنسان تجعله أعمى لا يسمع ولا يبصر. أما العقلانية، حين تستنير بمنهج الإمام الحسين عليه السلام، فإنها تبني الإنسان الحر القادر على ضبط أهوائه ومواجهة رغباته وتحصين نفسه بالتقوى، والسير في طريق التكامل. وهذا هو معنى أن يتحول الإنسان من عبد للغريزة...
العنف في حد ذاته، فعل بلا قيم. فلا يمكن أن نؤسس علاقة صحيحة بين العنف والقيم الإنسانية، أو الأخلاقية، أو العقلانية؛ لأن العنف مهما حاول بعضهم أن يلبسه لباس الشرعية أو الضرورة أو القانون، يبقى في جوهره حركة انفلات من ضوابط العقل، وخروجًا على معنى العدالة، وانفصالًا عن منطق الصدق والأمانة والرحمة.
إن العنف الذي نتحدث عنه لا يتحرك في الفراغ، بل تقف خلفه فلسفة سائلة، أو أيديولوجيا هلامية، تحاول أن تبرره من أجل تحصيل غاياتها ومآربها. وهذه الفلسفة لا تبحث عن الحقيقة، ولا عن العدالة، ولا عن إصلاح الإنسان، وإنما تبحث عن تبرير السيطرة والتسلط على الآخرين. فالعنف لا يعرف معنى العدالة والصدق والأمانة، بل إن كل الشرور تكون كامنة في داخله، وإن حاول بعضهم، بعقيدة تبريرية أو أيديولوجيا ذرائعية، أن يجعل للعنف معنى أو مشروعية أو قانونية.
ومن هنا فإن أخطر ما في العنف ليس فعله المباشر وحده، بل تلك القدرة على إنتاج التبريرات، وصناعة الشعارات، وإلباس التوحش لباس الحق. فقد يمارس الإنسان العنف باسم المصلحة، أو السلطة، أو الانتقام، أو الضرورة، لكنه في النتيجة يفتح بابًا واسعًا للسيطرة على الآخرين، ويؤسس لمنطق لا يرى الإنسان إلا أداة، ولا يرى القوة إلا طريقًا، ولا يرى الآخر إلا خصمًا ينبغي إخضاعه.
الصراع الدائم بين الغرائزية والعقلانية
كان التاريخ في عمقه صراعًا دائمًا بين تيارين، أو بين فلسفتين، أو بين فكرتين: الغرائزية والعقلانية. وهذا الصراع ليس عارضًا في حياة الإنسان، بل هو حاضر باستمرار؛ لأن بناء الإنسان وتطوره وتكامله نحو الارتقاء يعتمد في أصله على قدرته على تفضيل العقلانية على الغرائزية.
فكلما تطورت عقلانية الإنسان، وتقدمت على غرائزيته، أصبح إنسانًا أكثر، وكلما تراجعت عقلانيته، وسيطرت عليه الغرائزية، أصبح متوحشًا أكثر. ومن هنا نفهم لماذا تتكرر الأزمات والمشكلات في حياة البشر، ولماذا تستمر الحروب والصراعات عبر التاريخ؛ لأنها في كثير من جوهرها نتيجة لاستيلاء الغرائزية على الحركة الإنسانية.
وطبيعة الغرائزية أنها عمياء، جامحة هائجة. فهي تعبير عن الرغبات الإنسانية غير المهذبة، وعن نزعات النفس حين تنفلت من ضوابط العقل والقيم. والغريزة، بأشكالها المختلفة، لا تمتلك رؤية ولا بصيرة، بل تريد الإشباع المباشر، وتتحرك نحو الرغبة من دون أن تسأل عن الحق، أو العدل أو العاقبة، أو مسؤولية الإنسان أمام الله تعالى وحقوق الناس.
أما العقلانية فهي متبصرة؛ لأنها تتبع العقل، والعقل يحمل في ذاته قدرة على التمييز، ويهتدي بمجموعة من القيم والثوابت التي تُنير الطريق للإنسان. فالعقلانية ليست مجرد تفكير بارد، بل هي انضباط بالقيم، وتحرر من الاندفاع الأعمى، وقدرة على مقاومة الغريزة حين تريد أن تحكم الإنسان وتقوده إلى التوحش.
عاشوراء وكشف الغرائزية العمياء
ومن هنا نجد أن الإمام الحسين عليه السلام، في يوم العاشر، عندما تحدث إلى أولئك القوم، خاطبهم بما يكشف طبيعة الانغلاق الذي أصابهم، فقال لهم:
«ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلي فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين، وكلكم عاص لأمري غير مستمع قولي، فقد ملئت بطونكم من الحرام، وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟».
وهذا المعنى يكشف أن الغرائزية قد سيطرت على أولئك الناس، فلم يعودوا يسمعون الموعظة، ولا يبصرون الحقيقة، ولا يستجيبون للحق. فالإنسان إذا امتلأ بالحرام، واستولى عليه حب الدنيا، وانغلقت بصيرته بالشهوات، لم يعد قادرًا على رؤية الحق ولو كان واضحًا أمامه، ولم يعد قادرًا على سماع النصيحة ولو كانت صادقة ناصعة.
وفي معنى آخر، قال الإمام الحسين عليه السلام:
«الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديانون».
وهذا يعني أن الغرائزية كانت مسيطرة عليهم؛ فهم يتلفظون بالدين، ولكنهم لا يعيشون جوهر الدين. الدين عندهم لفظ لا قيمة، وشعار لا التزام، وكلمة على اللسان لا تتحول إلى موقف. ولذلك لا يسمعون ولا يبصرون، لأن قلوبهم أصبحت مغلقة، وقد طبع الله على قلوبهم، فهم لا يبصرون.
إن الإنسان الذي لا يسمع الوعظ، ولا النصيحة ولا الفكرة، إنما تكشف حالته أن الغرائزية قد استولت عليه. فهو لا يفكر إلا في كيفية إشباع غريزته إشباعًا أعمى، ولا يسأل عن الحق والباطل، ولا عن الحلال والحرام، ولا عن العاقبة والمصير. وهذه مشكلة ممتدة في طول التاريخ؛ تظهر في التاريخ العنيف، وفي الثورات وغير الثورات، وفي تاريخ الحكام الظالمين، وفي جرائم الإبادة، وفي سقوط الأمم والدول.
إن كل أولئك، في النتيجة، كانوا يعبرون عن معركة بين الغرائزية والعقلانية، وكانت الغرائزية في كثير من المواقع هي المسيطرة. وبالنتيجة نشأت تموجات هائلة من العنف، أنتجت جرائم الظلم، وسفك الدماء، وانهيار الدول، وسقوط المجتمعات، وتراكم الثارات، واستمرار دوائر الانتقام.
غياب العقلانية وأزمة الحكم والمجتمع
إذا أردنا أن ننظر إلى الواقع القريب، فيمكن أن نأخذ العراق مثالًا. إن المشكلات الكبيرة الموجودة اليوم لا تنفصل عن غياب العقلانية؛ عقلانية إدارة الحكم، أو الدولة، أو المؤسسة. فعندما لا توجد عقلانية حاكمة، ولا قيم ضابطة، ولا مؤسسات تعمل بمنطق القانون والعدل والمسؤولية، تتحول الحياة العامة إلى عملية إشباع للمصالح والمكاسب.
ومن هنا نلاحظ أنه يومًا بعد يوم يكثر الفساد، وتنتشر الجريمة، ويتوسع الانحراف. والانحراف والجريمة هما نتيجة لسيطرة الغرائزية. فإذا غاب العقل ومنطقه وضاع منطق القيم، حضرت المصالح الخاصة، وصار المجتمع معرضًا لتمدد العنف والفساد والتوحش.
إن معركة القيم هي دائمًا معركة بين القيم واللا قيم، وهذه المعركة لا تبقى في مستوى الفكرة، بل تتحول إلى تموجات في الواقع. فإذا سيطر العنف، أنتج عنفًا آخر. وإذا تمدد الانتقام، ولد انتقامًا مضادًا. وإذا ترسخت القسوة، صنعت قسوة مقابلة. وهكذا يدخل المجتمع في دوائر لا تنتهي من الفعل ورد الفعل.
قال الله تعالى:
(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) الإسراء/7.
هذه الآية تكشف قانونًا مهمًا في الحياة الاجتماعية والإنسانية؛ فحين يمارس الإنسان العنف والتوحش، فإنه لا يضر الآخرين فقط، بل يفتح على نفسه وعلى مجتمعه أبوابًا جديدة من العنف. فلكل عنف رد فعل، والعنف المضاد يولد عنفًا آخر، كما أن الانتقام يؤدي إلى الانتقام. وهذه عملية متوالية، كلما ازداد فيها الفعل ورد الفعل، ازدادت معها عملية التوحش والعنف.
أما إذا تعلم المجتمع الرحمة، وتعلم اللاعنف، وتربى على العقلانية، فإن ذلك يخلق تموجًا آخر من الإحسان والرحمة والطمأنينة. فكما أن العنف يتمدد، فإن الإحسان يتمدد أيضًا؛ وكما أن الانتقام ينتج انتقامًا، فإن الرحمة تنتج رحمة، واللاعنف ينتج أمنًا، والقيم تنتج قيمًا.
الحرية الحسينية بوصفها تحريرًا من الغريزة
وهذا ما أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يثبته في يوم عاشوراء عندما قال:
«كونوا أحرارًا في دنياكم»
كان المعنى: كونوا عقلانيين، ولا تكونوا متوحشين. فالإنسان الحر لا يمارس العنف، ولا يرتكب الجريمة. الإنسان الحر هو الذي يمتلك قدرة على السيطرة على أهوائه وشهواته وانتقامه ونزعاته الذاتية ورغباته.
فالحرية هنا ليست مجرد تحرر سياسي أو خارجي او جسدي، بل هي قبل ذلك تحرر داخلي من عبودية الغريزة. إن الإنسان قد يكون خارج السجن، لكنه أسير شهوته وغضبه وانتقامه، ورهين مصالحه، وطموحاته المنحرفة. وهذا ليس حرًا في حقيقته. الحر هو الذي يملك نفسه عند الغضب، ويضبط غريزته عند الاندفاع، ويحاكم رغباته بعقله، ويجعل القيم حاكمة على سلوكه.
وهذه قضية أساسية جدًا في فهم العنف؛ لأن تموجات العنف لا تأتي من فراغ، بل تأتي عندما تقوم دولة على أنقاض دولة، وسلطة على أنقاض سلطة، فتنتقم هذه من تلك، ثم تأتي سلطة أخرى لتنتقم من سابقتها، وتستمر الدائرة. وقد قال الله تعالى:
(ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ، مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ، ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) المؤمنون/44.
(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) الأنعام/129.
(وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) آل عمران/140.
فهذه صور لمعادلة ثابتة. فمن لم يتعلم من التداول التاريخي، ومن لم يخرج من منطق الانتقام، ومن لم يفهم أن القوة لا تصنع شرعية، وأن العنف لا يصنع عدالة، سيبقى يدور في حلقة الغرائزية، حيث تأتي سلطة لتأكل سلطة، ثم تؤكل هي بدورها، وتبقى المجتمعات تدفع الثمن.
نقد تبرير العنف
من هنا يأتي الموقف النقدي من العنف ومن أولئك الذين يبررونه بأولويات مختلفة ونزعات مختلفة. فهؤلاء، في الواقع، إما أنهم لا يفهمون الدين، أو أنهم يفهمون الدين ولكن لديهم أغراضًا خاصة، وأيديولوجيا متصلبة، يريدون من خلالها الوصول إلى السلطة، أو الانتقام؛ لأن رغبة الانتقام عندهم متأصلة.
إن من يفهم الدين لا يمكن أن يجعل العنف أصلًا، ولا يمكن أن يجعل الانتقام منهجًا، ولا يمكن أن يخلط بين نصرة الحق وبين بطلان التوحش. فالدين جاء ليهذب الإنسان، لا ليطلق غرائزه؛ وجاء ليبني عقله وقلبه، لا ليمنحه مبررات للسيطرة والقهر والاكراه.
وهنا نستحضر سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، حين قال:
«اذهبوا فأنتم الطلقاء».
هذه الكلمة النبوية ليست موقفًا عابرًا، بل هي قاعدة في تجاوز منطق الانتقام، وتقديم العقلانية والرحمة على الغريزة والثأر. فالرسول صلى الله عليه وآله كان قادرًا، لكنه لم يحول القدرة إلى انتقام، وكان منتصرًا، لكنه لم يجعل النصر وسيلة للتشفي. وهذا هو الفرق بين العقلانية المبدئية والغرائزية السلطوية.
لذلك لا بد أن نفهم أن هناك صراعًا عميقًا بين الغرائزية والعقلانية، وأن كل تبرير للعنف إنما يحتاج إلى أن يُفحص في ضوء هذا الصراع: هل هو صادر عن عقل وقيمة وعدل، أم صادر عن هوى وانتقام ورغبة في السيطرة؟
كيف يؤثر الإمام الحسين عليه السلام في حياتنا؟
تبقى النقطة الجوهرية: كيف يؤثر الإمام الحسين عليه السلام في حياتنا من خلال منهجه؟
هذه النقطة ما زلنا إلى الآن لم نستطع استيعابها، ربما لأن عقلانيتنا لم تصل بعد إلى مرحلة أساسية من الفهم العميق المتبصر. فكما في الحديث عن الأئمة عليهم السلام هو:
«من أتى الحسين عارفًا بحقه، غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر».
وهنا توجد ملاحظة مهمة، وهي أن الروايات منبثقة من القرآن الكريم وتتكامل معه. وهذه الرواية يمكن أن نفهم انبثاقها من هذه الآيات القرآنية:
(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا، وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا، هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) الفتح1/4.
فقوله في الحديث: «من أتى الحسين» يحتاج إلى تأمل، فكلمة «أتى» ليست بمعنى الزيارة فقط، بل هي أعم من الزيارة. فهي تشمل الزيارة والالتزام والخدمة الحسينية، بل تتحقق في الاقتداء الكامل. فالإتيان إلى الحسين عليه السلام ليس مجرد حركة جسدية نحو المكان، بل هو حركة وجودية نحو المنهج، وحركة عقلية وقلبية وسلوكية نحو قيم الحسين عليه السلام.
وهنا يوجد فرق بين «أتى» و«جاء». فـ«أتى» تكون دائمًا في البداية، أما «جاء» فهي إكمال للبداية. ولذلك لا يقول الحديث: «من جاء الحسين»، بل يقول: «من أتى الحسين». وهذا يعني أن هناك برنامجًا ومنهجًا متكاملًا، وأن الإتيان إلى الحسين هو بداية الدخول في هذا البرنامج، والالتزام بهذا الطريق.
فالذي يلتزم بمنهج الإمام الحسين عليه السلام، الموجود في كلماته ومواقفه، فإن هذا الالتزام يؤدي في النتيجة إلى غفران الذنوب. وليس معنى ذلك أن المسألة مجرد وعد منفصل عن بناء الإنسان، بل إن من تاب توبة نصوحًا سوف يكون محصنًا، لأن التوبة الحقيقية ليست مجرد ندم عابر، بل عملية بناء للشخصية، وتكامل للشخصية، وابتعاد عن الشهوات والذنوب والأهواء. من الغفران إلى الحصانة
إن عملية بناء الشخصية وتكاملها بالابتعاد عن الشهوات والذنوب والأهواء تؤدي بالنتيجة إلى أن تُعصم النفس تدريجيًا، وتصبح عند الإنسان مَلَكة داخلية في مواجهة الغريزة. وليست العصمة هنا بمعنى العصمة الذاتية، وإنما بمعنى العصمة المكتسبة؛ أي الحصانة التي يبنيها الإنسان في داخله.
فالإنسان يستطيع، من خلال الالتزام بمنهج الإمام الحسين عليه السلام، أن يبني في داخله حصانة قوية في مواجهة الغريزة، والطموح المنحرف، والذنوب، والمعاصي. وهذه الحصانة هي ثمرة الطريق الحسيني؛ لأنها تجعل الإنسان قادرًا على مقاومة الاندفاع، وضبط الشهوة، وكسر نزعة الانتقام والابتعاد عن العنف والانتصار للعقلانية.
وبالنتيجة، عندما يقول الحديث: «غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، فإن معنى «ما تأخر» يمكن فهمه من جهة حصول الإنسان على الحصانة التي تمنعه من العودة إلى الذنب. وهذه الحصانة هي ما تسمى في الأحاديث بالتقوى. فالتقوى هي المَلَكة التي تحصن الإنسان من الوقوع في الذنوب، وتجعله قادرًا على أن يختار العقلانية على الغرائزية، والرحمة على العنف، والقيم على الانتهازية.
وهذا هو الذي أراده الإمام الحسين في حركة الاستنقاذ العظمى. ذلك أن منهجه عليه السلام ليس مجرد عاطفة أو شعار، بل هو تحصين للإنسان، وتطوير له تطويرًا عقلانيًا، حتى يسير في طريق التكامل.
خاتمة: الفتح الحقيقي هو الانتصار على الغرائزية
إن معنى الفتح الحقيقي لا ينحصر في الانتصار الخارجي، ولا في امتلاك السلطة، ولا في الغلبة على الخصم. الفتح الحقيقي يحصل عندما يلتزم الإنسان بهذه القاعدة، ويتخلص من الغرائزية، ويتجه نحو العقلانية.
وقوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)
يشير إلى أن الفتح الحقيقي هو الانتصار الذي يفتح للإنسان طريق الغفران، واكتساب الحصانة، وتحصيل التقوى، وبناء التكامل. ومن هنا نفهم أن الإمام الحسين عليه السلام أراد أن ينقل الإنسان من منطق الغريزة إلى منطق العقل، ومن دائرة العنف إلى دائرة القيم، ومن عبودية الدنيا إلى حرية الروح، ومن الانتقام إلى الرحمة، ومن التوحش إلى الإنسانية.
فالعنف بلا قيم، والغرائزية حين تسيطر على الإنسان تجعله أعمى لا يسمع ولا يبصر. أما العقلانية، حين تستنير بمنهج الإمام الحسين عليه السلام، فإنها تبني الإنسان الحر القادر على ضبط أهوائه ومواجهة رغباته وتحصين نفسه بالتقوى، والسير في طريق التكامل.
وهذا هو معنى الطريق الحسيني: أن يتحول الإنسان من عبد للغريزة إلى إنسان حر، ومن كائن مندفع بالعنف إلى شخصية عقلانية متبصرة، ومن ذات تبحث عن السيطرة والانتقام إلى نفس مطمئنة تبحث عن الحق والرحمة والقيم. *
هذا المقال في الأساس هو مداخلة مقدمة الى الجلسة الحوارية التي عقدها مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات تحت عنوان: «مكانة القيم الإنسانية ومنهج اللاعنف في عاشوراء الإمام الحسين (عليه السلام)
| |
|
|
|
|
|