عرض مشاركة واحدة

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 2,091
بمعدل : 0.52 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 2  
كاتب الموضوع : صدى المهدي المنتدى : منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام
افتراضي
قديم بتاريخ : اليوم الساعة : 08:09 AM


الفصل الثَّالث: وصيَّة الإمام الحسن (عليه السلام) ودورها في حماية مستقبل النَّهضة الحسينيَّة

المبحث الأوَّل: دراسة تحليليَّة لنص الوصيَّة


تمثِّل وصيَّة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) واحدة من أهمِّ الوثائق التَّاريخيَّة التي تكشف عن عمق نظره إلى مستقبل الأمَّة، وعن طبيعة التَّحديات التي كانت تحيط بأهل البيت (عليهم السلام) في أواخر حياته. فالوصية تضمَّنت أبعادًا عقديَّة وسياسيَّة وأمنيَّة تكشف عن إدراك الإمام (عليه السلام) لطبيعة المرحلة المقبلة، وما يمكن أن تشهده من أحداث مصيريَّة.

وقد نقلت المصادر التَّاريخية أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) أوصى أخاه الإمام الحسين (عليه السلام) بجملة من الوصايا، ومن أشهر ما ورد فيها قوله: "إذا مِتُّ فَغسِّلني، وَحنِّطني، وَكَفِّني، وَصَلِّ عَلَيَّ، وَاحمِلني إلى قَبرِ جَدّيَ حَتَّى تُلحِدَني إلى جانِبِهِ، فإن مُنِعتَ مِن ذلِكَ فَبِحَقِّ جَدِّكَ رَسولِ اللَّهِ وَأبيكَ أميرِ المُؤمِنينَ وأُمِّكَ فاطِمَةَ، وَبِحَقّي عَلَيكَ إن خاصَمَكَ أحَدٌ رُدَّني إلى البَقيعِ، فَادفنّي فيهِ، وَلا تُهرِق فِيَّ مِحْجَمَةَ دمٍ" (23).

ويظهر من خلال التَّأمل في الوصيَّة أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) أراد أن يرسِّخ جملة من الحقائق العقديَّة المهمَّة. فمن خلال طلبه أن يُحمل إلى جوار رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قبل دفنه، كان يؤكِّد ارتباطه بالرِّسالة المحمَّديَّة، وأنَّ أهل البيت (عليهم السلام) هم الامتداد الطَّبيعي لخط النُّبوَّة، وأنَّ علاقتهم برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) علاقة رسالة ومشروع إلهي.

كما تضمَّنت الوصيَّة اهتمامًا واضحًا بأهل بيته وأبنائه، وهو ما يعكس طبيعة القيادة الرِّساليَّة التي لا تنفصل فيها العاطفة الإنسانيَّة عن المسؤوليَّة الدِّينيَّة. فقد كان الإمام الحسن (عليه السلام) يعلم أنَّ المرحلة المقبلة ستكون مرحلة ابتلاءات متتابعة، ولذلك حرص على أن يوصي بمن يرتبط به من أهل وأبناء، وأن يجعل الإمام الحسين (عليه السلام) المرجع الذي يلجؤون إليه بعد رحيله.

ومن الجوانب اللافتة في الوصية طلبه الدَّفن عند رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إن أمكن ذلك. وكان هذا الطَّلب يحمل دلالة كبيرة؛ لأنَّه يعبِّر عن أحقيَّة أهل البيت (عليهم السلام) بالقرب من مركز الرِّسالة، ويجسِّد العلاقة التي حاولت السُّلطة الأمويَّة إضعاف حضورها في وعي الأمَّة. ومن هنا فإنَّ حادثة المنع من الدَّفن كانت امتدادًا للصِّراع على الشَّرعيَّة والموقع الرِّسالي داخل الأمَّة الإسلاميَّة.


المبحث الثَّاني: دلالة النَّهي عن إراقة الدِّماء


من أكثر فقرات الوصيَّة إثارة للتَّأمل ذلك التَّأكيد المتكرِّر من الإمام الحسن (عليه السلام) على عدم اللجوء إلى القتال إذا مُنع من الدَّفن عند رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). فالرِّوايات التَّاريخيَّة تكاد تتفق على أنَّه شدَّد على الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا الأمر، وكرَّر وصيَّته بعدم إراقة الدِّماء بسببه (عليه السلام).

إنَّ هذا التَّأكيد المتكرر لا يمكن تفسيره بمجرد الرَّغبة في دفع نزاع محدود حول مكان الدَّفن؛ لأنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان يعلم مسبقًا أنَّ احتمال المنع قائم، وكان يعلم كذلك أنَّ بني هاشم يمتلكون القدرة على الردِّ والمواجهة. ومع ذلك أصرَّ على عدم الصِّدام مهما كانت الاستفزازات.

وتزداد أهميَّة هذا الموقف عندما نلاحظ أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) قرن الوصيَّة بالقسم على الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو ما يكشف عن وجود مصلحة استثنائيَّة أراد المحافظة عليها. فالقسم لا يُلجأ إليه عادة إلَّا عند وجود قضيَّة تتجاوز في أهميَّتها الظُّروف الاعتياديَّة.

ويبدو أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان ينظر إلى ما هو أبعد من حادثة التَّشييع والدَّفن نفسها. فقد كانت حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، وحياة الصفوة المؤمنة المحيطة به، تمثِّل رأس المال الحقيقي للمشروع الرِّسالي في المستقبل. ولذلك فإنَّ أيَّ مواجهة عسكريَّة أو قبليَّة في تلك اللحظة الحسَّاسة قد تنتهي إلى خسائر لا يمكن تعويضها.

وهذا الفهم ينسجم مع السُّنن القرآنيَّة التي تدعو إلى مراعاة المصالح العليا عند اتِّخاذ القرار. قال الله (تعالى): (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (24)، ومن هنا فإنَّ امتناع الإمام الحسين (عليه السلام) عن القتال كان التزامًا بوصيَّة إمام معصوم أدرك أبعاد الموقف ونتائجه المستقبليَّة. وقد التزم الإمام الحسين (عليه السلام) بوصيَّة أخيه التزامًا كاملًا، على الرَّغم ممَّا تعرَّض له من استفزازات مؤلمة أثناء مراسم التَّشييع والدَّفن. وكان لهذا الالتزام أثر بالغ في المحافظة على القيادات الهاشميَّة والكوادر المؤمنة التي ستلعب أدوارًا محوريَّة في السَّنوات اللاحقة.

لقد وصف بعض الباحثين يوم عاشوراء بأنَّه اليوم الذي قلع جذور بني أمية، وليس المقصود بذلك السقوط السِّياسي المباشر للدَّولة الأموية؛ لأنَّ هذا السُّقوط لم يقع إلَّا بعد عقود؛ وإنَّما المقصود سقوط الأساس الفكري والأخلاقي الذي كانت تستند إليه السُّلطة في تبرير وجودها أمام المسلمين.

فقد نجح معاوية خلال سنوات طويلة في تقديم نفسه بوصفه حاكمًا يدير شؤون الدَّولة الإسلاميَّة ضمن إطار الشَّرعيَّة الدِّينيَّة. غير أنَّ السِّياسات التي انتهجها بعد الصُّلح، ولا سيَّما تحويل الخلافة إلى نظام وراثي وتنصيب يزيد وليًّا للعهد، كشفت تدريجيًّا حقيقة المشروع الأموي، وأظهرت التَّناقض بينه وبين القيم الإسلاميَّة التي قامت عليها الرِّسالة المحمَّديَّة.

وهنا تتجلَّى القيمة التَّاريخيَّة للسِّياسة التي اتَّبعها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). فالصُّلح لم يمنح الشَّرعيَّة لمعاوية كما يظن بعض الباحثين، وفي الوقت نفسه وفَّر فرصة كافية لكي تكشف السُّلطة نفسها بنفسها أمام الأمَّة. وخلال تلك السَّنوات تزايدت الشَّواهد على طبيعة الانحراف القائم، حتَّى أصبحت الأرضيَّة الفكريَّة والنَّفسيَّة مهيأة لاستقبال النَّهضة الحسينيَّة وفهم أهدافها.

وعندما وقف الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، لم يكن يخاطب أمَّة تجهل حقيقة الحكم الأموي كما كان الحال في السَّنوات الأولى بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)، لقد كان يخاطب مجتمعًا عاش تجربة طويلة كشفت له كثيرًا من الحقائق. ولهذا اكتسبت النَّهضة الحسينيَّة قدرة استثنائيَّة على التَّأثير في الضَّمير الإسلامي، وأصبحت نقطة تحول كبرى في تاريخ الأمَّة.


الفصل الرَّابع: مبدأ حماية القيادة الإلهيَّة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)

المبحث الأوَّل: السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وحماية أمير المؤمنين (عليه السلام)


تمثِّل سيرة السيِّدة فاطمة الزَّهراء (عليها السلام) واحدة من أوضح النَّماذج التَّاريخيَّة التي تجسِّد مبدأ حماية القيادة الإلهيِّة وصيانة المشروع الرِّسالي في المراحل الحرجة من تاريخ الأمَّة. فعلى الرَّغم من قصر المدَّة التي عاشتها بعد رحيل أبيها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فإنَّها أدَّت دورًا استثنائيًّا في الدِّفاع عن الإمامة والرِّسالة، وكشفت للأمَّة حجم التَّحول الذي بدأ يتشكَّل بعد استشهاد النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله).

وكان تحرُّك مولاتنا الزَّهراء (عليها السلام) يستند إلى رؤية عقديَّة عميقة تنظر إلى الإمامة بوصفها الامتداد الطَّبيعي للنُّبوة، وإلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصفه الحافظ الشَّرعي لمسار الرِّسالة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). ومن هنا جاءت مواقفها المتعدِّدة لتؤكِّد أنَّ القضية المطروحة لم تكن قضية أرض أو إرث أو موقع اجتماعي؛ وإنَّما قضية قيادة الأمَّة ومستقبل الإسلام.

وقد تجلَّى هذا الدَّور بوضوح في خطبتها الشَّهيرة في مسجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، والتي تعدُّ من أهمِّ الوثائق الفكريَّة والعقديَّة في التَّاريخ الإسلامي. فقد تضمَّنت الخطبة عرضًا متكاملًا لأصول العقيدة الإسلاميَّة، وبيانًا لفلسفة الأحكام الشَّرعيَّة، وتأكيداً لموقع أهل البيت (عليهم السلام) في الأمَّة، كما تضمَّنت احتجاجًا صريحًا على الانحراف الذي بدأ يبتعد بالمجتمع عن المسار الذي رسمه النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) (25).

ولم تقتصر جهودها على الخطاب العام، وانتقلت إلى التَّواصل المباشر مع المهاجرين والأنصار (26)، فكانت تزور بيوتهم وتذكرهم بوصايا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ومواقفه اتِّجاه أمير المؤمنين (عليه السلام). وتكشف هذه التَّحركات عن مستوى عالٍ من الوعي بخطورة المرحلة، وعن إدراك عميق بأنَّ الصَّمت في مثل هذه الظُّروف قد يؤدِّي إلى ترسيخ واقع يصعب تغييره لاحقًا.

ومن قراءة هذه المواقف يتَّضح أنَّ السيِّدة الزَّهراء (عليها السلام) وضعت نفسها في واجهة المواجهة الفكريَّة والاجتماعيَّة، وأصبحت محور الاحتجاجات والمطالبات والمواقف العلنيَّة. وفي المقابل بقي أمير المؤمنين (عليه السلام) ملتزمًا بالمسار الذي فرضته عليه المصلحة العليا للإسلام، والتي كانت تقتضي تجنب أيِّ مواجهة تنتهي إلى انهيار الدَّولة الإسلاميَّة الفتيَّة أو تمزيق وحدتها.

إنَّ السيِّدة فاطمة الزَّهراء (عليها السلام) قامت بدور استثنائي في توجيه الأنظار نحو مواقفها وتحركاتها، بما أدَّى إلى تخفيف جانب من الضُّغوط المباشرة التي كان يمكن أن تتجه نحو أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فقد تحوَّلت إلى صوت الرِّسالة المدافع عن الإمامة، وحملت على عاتقها مهمَّة كشف الحقائق للأمَّة، في صورة تجسِّد أعلى مراتب الفداء والإيثار في سبيل حفظ القيادة الإلهيَّة.


المبحث الثَّاني: الدروس العقائديَّة والتَّربويَّة المعاصرة


إنَّ دراسة هذه النَّماذج العظيمة تسعى إلى استخلاص القيم والمبادئ التي يحتاجها الإنسان المعاصر في مواجهة التَّحديات الفكريَّة والعقديَّة والثَّقافية التي تحيط به.

ومن أهمِّ الدُّروس التي يمكن استلهامها من هذه السِّيرة المباركة أنَّ أصحاب الرِّسالات والمبادئ يتقدَّمون إلى مواقع المواجهة عندما تكون العقيدة أو الهويَّة أو القيم معرَّضة للاستهداف. فكما وقفت مولاتنا الزَّهراء (عليها السلام) دفاعًا عن الإمامة، وكما تحمَّل الإمام الحسن (عليه السلام) أعباء الصُّلح ومواجهاته، فإنَّ المؤمن الحقيقي مطالب بأن يكون مستعدًا لتحمل مسؤوليَّته في حماية الحقِّ حيثما كان.

ومن هنا تتجلَّى حقيقة مهمَّة مفادها: أنَّ الحفاظ على العقيدة يحتاج إلى رجال ونساء يملكون الاستعداد للتَّضحية والصَّبر والثَّبات. فالحقُّ عبر التَّاريخ انتصر؛ لأنَّ هناك من حمله، ودافع عنه، وتحمَّل الأذى في سبيل بقائه.

وفي عصرنا الحاضر تواجه العقيدة الإسلاميَّة أشكالًا متعدِّدة من التَّحديات الفكريَّة والثَّقافيَّة والإعلاميَّة. فهناك محاولات مستمرة للتَّشكيك في الثَّوابت الدَّينيَّة، وإضعاف الارتباط بالقرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام)، وإفراغ القيم الإسلاميَّة من محتواها الحقيقي. وفي مواجهة هذه التَّحديات تبرز الحاجة إلى علماء واعينَ، ومبلغينَ مخلصينَ، ومثقفينَ رساليينَ يدركون حجم المسؤوليَّة الملقاة على عاتقهم.

وقد ورد عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي، فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ"(27). ويكشف هذا الحديث أنَّ الدِّفاع عن الدِّين هو واجب يرتبط بحفظ هويَّة الأمَّة ومستقبلها.

ولهذا، فإنَّ الواجب الملقى على المؤمنين في كلِّ عصر هو أن يكونوا جنودًا للعقيدة وحراسًا للمبادئ، وأن يدركوا أنَّ بقاء الحقِّ يحتاج دائمًا إلى من يدافع عنه، ويضحي في سبيله. فالأمم التي لا تمتلك شخصيات مستعدة لتحمُّل الأعباء الكبرى سرعان ما تفقد هويتها وتذوب في مشاريع الآخرينَ.

إنَّ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تعلِّمنا أنَّ الوقوف في الخط الأمامي من أجل حماية العقيدة هو شرف عظيم، وامتداد لطريق الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) والصَّالحين. وتعلِّمنا أنَّ حفظ المبادئ قد يتطلَّب أحيانًا أن يتحمَّل الإنسان الأذى ليبقى الدِّين محفوظًا للأجيال القادمة، وأنَّ القيمة الحقيقيَّة للعمر في مقدار ما يقدِّمه صاحبه من خدمة للحقِّ.

وبعد استعراض المعطيات التَّاريخيَّة وتحليل المواقف التي اتَّخذها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) خلال مرحلة ما بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)، تتَّضح حقيقة محوريَّة تتمثَّل في أنَّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كان جزءًا من مشروع رسالي بعيد المدى استهدف حفظ الإسلام وصيانة مستقبله.

وقد أظهرت الدِّراسة أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) واجه واقعًا بالغ التَّعقيد، اتَّسم بضعف القاعدة الشَّعبيَّة، وانتشار الاختراقات داخل المجتمع الإسلامي، وتصاعد نفوذ المشروع الأموي الذي كان يعمل على تصفية معارضيه وإقصاء القوى المخلصة لأهل البيت (عليهم السلام). وفي ظلِّ هذه الظُّروف اتَّخذ الإمام الحسن (عليه السلام) سلسلة من الإجراءات والمواقف التي أدَّت إلى المحافظة على الإمام الحسين (عليه السلام)، وإبعاده عن دوائر الاستهداف المباشر، سواء من خلال تصدره للمواجهات السِّياسيَّة والفكريَّة، أو من خلال تحمُّله تبعات الصُّلح وما نتج عنه من انتقادات وضغوط اجتماعيَّة.

كما بيَّنت الدِّراسة أنَّ وصيَّة الإمام الحسن (عليه السلام) وما تضمَّنته من تأكيدات متكرِّرة على اجتناب المواجهة المسلحة عند دفنه، كانت تنطوي على أبعاد تتجاوز الحدث الآني، وترتبط بالمحافظة على القيادة الرِّساليَّة والقوى المؤمنة التي ستلعب أدوارًا محوريَّة في المستقبل.

وانتهى البحث إلى أنَّ من أبرز النَّتائج التَّاريخيَّة للمشروع الحسني حفظ قائد عاشوراء، والمحافظة على الطَّاقات البشريَّة التي احتضنت النَّهضة الحسينيَّة، وتهيئة الظُّروف الفكريَّة والاجتماعيَّة التي كشفت حقيقة المشروع الأموي، حتَّى أصبحت الأمَّة أكثر استعدادًا لاستيعاب رسالة كربلاء وأهدافها.

كما كشفت عن وجود مبدأ متكرِّر في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يتمثَّل في تقديم التَّضحيات من أجل حماية القيادة الإلهيَّة وحفظ الرِّسالة، وهو المبدأ الذي تجسَّد في مواقف السيِّدة الزَّهراء (عليها السلام) دفاعًا عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمَّ تجسَّد بصورة أخرى في مواقف الإمام الحسن (عليه السلام) دفاعًا عن مستقبل النَّهضة الحسينيَّة.

وبذلك نكتشف أنَّ عاشوراء كانت الثَّمرة الكبرى لجملة من الإجراءات والمواقف التي مهدت لها عبر سنوات طويلة. فكما حفظ الإمام الحسين (عليه السلام) الإسلام بدمه يوم كربلاء، كان الإمام الحسن (عليه السلام) قد حفظ مشروع كربلاء بحكمته وصبره وبصيرته. .................................................. .....

الهوامش:

1. المصابيح في إثبات الإمامة: ص88.

2. ينظر: بحار الأنوار: ج44، ص68-69.

3. بحار الأنوار: ج44، ص23 – 24.

4. المناقب: ج4، ص35.

5. "بنود المعاهدة التي وقعها الفريقان:

المادة الأولى: تسليم الأمر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب اللّه وبسنَّة رسوله (صلَّى اللّه عليه وآله)، وبسيرة الخلفاء الصَّالحين.

المادة الثَّانية: أن يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.

المادة الثَّالثة: أن يترك سبَّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصَّلاة، وأن لا يذكر علياً إلَّا بخير.

المادة الرَّابعة: استثناء ما في بيت المال الكوفة، وهو خمسة آلاف الف فلا يشمله تسليم الأمر. وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسين كلَّ عام ألفي ألف درهم، وأن يفضِّل بني هاشم في العطاء والصِّلات على بني عبد شمس، وأن يفرِّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد.

المادة الخامسة: على أنَّ النَّاس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمّنَ الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق باحنة.

وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وأن أصحاب عليٍّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كلِ ذي حقٍّ حقَّه، وعلى ما أصاب أصحاب عليِّ حيث كانوا... وعلى أن لا يبغي للحسن بن عليٍّ، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحد من أهل بيت رسول اللّه، غائلةً، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم، في أفق من الآفاق". صلح الحسن (عليه السلام)، راضي آل ياسين: ص259-261.

6. ينظر: الإمامة والسِّياسة: ج1، ص160.

7. سورة الفتح/ الآيتان: 1-2.

8. سورة السجدة/ الآية: 24.

9. سورة الصف/ الآية: 8.

10. تاريخ دمشق: ج56، ص389 وص391، تهذيب الكمال: ج27، ص128-129، سير أعلام النبلاء: ج4، ص34-35.

11. البداية والنهاية: ج6، ص252-253 وج8، ص54-60، تاريخ الطبري: ج4، ص190-210، تاريخ اليعقوبي: ج2، ص141.

12. المستدرك للحاكم: ج3، ص471.

13. ينظر: تاريخ اليعقوبي: ج2، ص230، تاريخ دمشق: ج8، ص25.

14. الجامع الصغير: ج2، ص61، كنز العمال: ج11، ص126 وج12، ص587-588.

15. فيض القدير: ج4، ص166.

16. سورة القصص/ الآية: 4.

17. سورة القصص/ الآية: 8.

18. سورة طه/ الآية: 39.

19. الاحتجاج: ج1، ص416.

20. سورة البقرة/ الآية: 195.

21. الأخبار الطوال: ص221.

22. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص284.

23. مكاتيب الأئمَّة (عليهم السلام): ج3، ص68.

24. سورة فصلت/ الآية: 34.

25. ينظر: شرح الأخبار: ج3، ص34.

26. ينظر: الاختصاص: ص185.

27. الكافي (دار الحديث): ج1، ص135.


من مواضيع : صدى المهدي 0 زوار ابا عبدالله الحسین(ع) فی طریق کربلاء
0 الإمام الحسن المجتبى (ع) في حماية مشروع النهضة الحسينية
0 قبل قراءة زيار ة عاشوراء !
0 السبط المسموم شهادة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
0 بالصور من النجف.. العتبة العلوية تستذكر مسيرة السبايا إلى الشام
رد مع اقتباس