المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (( هدير الماء المدفوع))


مرتضى العاملي
05-06-2009, 10:29 PM
(( هدير الماء المدفوع))
http://www.3lforat.com/up//uploads/images/3lforat-2e1f977ca3.jpg (http://www.3lforat.com/up//uploads/images/3lforat-2e1f977ca3.jpg)

بيوت غير محصنة بالصخور والحديد، حيث لاقلاع ولا أبراج، امتداد أنهر مائية منبسطة مسالك متشعبة طائر صغير يجول متقلباً في صفحة السماء قطع السكون صوت مرتفع من ديك قريب القى لحافه المتهرئ الذي ينقصه كميه كبيرة من القطن نهض من فراشه المشبع بالقش والتراب أخذ الطاسة الصغيرة يغرف بها الماء من الوعاء الفافوني السميك ليغسل بها وجهه.
القى بصره نحو شعاع الشمس، الذي تمطى على الجدار الخشبي للزريبة، فعرف انه قد تأخر في النوم، القى دشداشته المصفرة، ثم ارتدى على عجلة، قميصه الأبيض، وبنطلونه البني، أخذ بعض الكتب، الموضوعة داخل كارتونة صغيرة، وسار مسرع الخطى، كان عليه ان يمشي كثيراً، يمشي حتى تشعر بالتعب قدماه، ليصل الشارع المتآكل، الوحيد الذي يسكن القرية وقف في مكانه مطرقاً، ينتظر أي سيارة تمر، حتى لو كانت عربة يجرها حمار!
كان عليه ان ينتظر في مكانه، يتسمر.. ينفث دخان سجارة، يحرق اعصابه، يدعو بخشوع، أن يمر أي شيء يحمل عجلات!..
أبصر بعيداً، شيئاً أبيض اللون، يمشي كالجاموس، في الطريق المتعثر، المملوء بالحفر، كانت سيارة.. نوع (بيك اب) عبرت شفتاه عن الفرحة، لوح بيده، اشار إليه السائق بالصعود في (البدي)، قفزت رجلاه الى السيارة، وأمسك بالمقبض الحديدي المحيط باركانها، بدأت نسمات الهواء العليل تداعب وجهه وتلعب بشعره، سبحت عيناه فوق الارض المطحونة بالمحاريث، ووجوه الرجال المكسية بالتراب وقطعان الاغنام التي تسرح فوق معتلى ترابي، واسراب الابقار المنتشرة على البقاع المخضرة، كل شيء ممزوج مع بعضه، كسمفونية ممتزجة الالوان. الربوع الخضراء ظلال النخيل زقزقة العصافير.. قفز من السيارة، عند وصول (البيك آب) الشارع العام، ملوحاً للسائق بالامتنان، كان زحام السيارات يستفحل الشارع، لوح لأحدى سيارات النقل العام، حيث لفه الشارع وضجيجه..، جو ملبد بالضجيج، أصوات المحركات.. دخان أسود يتصاعد من خلف السيارات، وهو ينتقل من سيارة لأخرى، ومن كراج لآخر، دخل الجامعة، الهدوء يعم المكان على غير عادته!!.. بدأ قلبه بالخفقان، حين دخل القاعة، حيث امتلأت المقاعد بالطلاب، صاح به الرجل، الذي يرتدي بدلة زرقاء، وربطة عنق حمراء، كان يقف وسط القاعة المكتظة بالطلاب..
-وصلت متأخراً.. كان عليك الحضور قبل نصف ساعة..
لم يجب بكلمة، جلس على الكرسي الفارغ الوحيد في القاعة، بدأ القلق يتسرب نحوه، ووساوسه تتضخم!..، حتى باتت تسيطر عليه، والقلم يرتعش بين أنامله، وهو يجاهد في تذكر الاوراق التي حشاها في رأسه، طوال الليالي التي قضاها بين صفحات الكتب، وابل من الخوف والقلق ينتابه، وقلبه يزايد خفقانه، لقد امضى ثلاثة أعوام عجاف، اثقلته بالخوف من قاعات الامتحان، المحملة بالدروس المفجعة!..، مرت الدقائق ثقيلة، وهو يسبح في ذاكرته، يبحث عن أي معلومة تكون قد علقت فيها، شعر كأن رأسه أصبح فخارة من طين مملوء بالقش!!..
فجأة تذكر (العزيمة) أخبره عمه صكب بحضور وجهاء القرية ورجالاتها، ونبهه بالعودة باقصى سرعة، نهض من كرسيه مسلماً دفتره الامتحاني، وأسرع بخطواته المتوترة، أبصر فتاتين تقفان شاخصتين بأبصارهما، تناهت الى سمعه قهقهاتهن، كان عليه ان يرتب شعره الاشعث!..، عاد الى مغبة الازدحام، وهو يخوض في شوارع المدن، حتى وصل الى مشارف القرية، تلقفت عيناه سيارة (حسان) اللاندكروز، أشار إليه (حسان) بالصعود من الباب الخلفي، كان يجلس بجانب (حسان) ابن عمه، وخلفه ثلاثة من رجال القرية، تبادرت الى ذهنه كلمات أحد اصدقائه في الجامعة (الخانة الاخيرة في اللاندكروز خانة الشواذي فمن يجلس فيها كان شاذي!).. خنق ضحكة كادت تنفجر على الموجودين!!.
-ما أخبار الجامعة؟ قالها (حسان)..
-انها مثقلة بالامتحانات..
التفت اليه أحد الرجال الجالسين..
-اخبرنا عن فتيات المدينة..(الحضريات(
-انهن على العكس تماماً من فتياتنا المتلفعات باغطيه من رأسهن حتى أخمص أقدامهن، حتى يشعرني انهن لا يمتلكن أجساداً تحت أغطيتهن!!
-كيف هنّ ؟ قالها (حسان) فاغراً فاه!!
-انهن يعرفن كل شيء!.. حتى أكثر من شيخ قريتنا. مضى في طريقه عبر المزارع، تصافح الريح جلده المصبوغ بشعاع الشمس لوناً برونزياً، كانت المنازل تبعد أحدهما عن الاخر بمعدل خمس دوانم أو أكثر، تتدفق أنهر صغيرة بينها، تعلوها بين مكان وآخر قطع من الخشب وصفائح الحديد، يعبرها القرويون كجسور.
أبصر من مسافة بعيدة، تجمع عدد من القرويين قرب المنزل، اقترب من الوجوه العابسة التي تكاد تتفجر من الغضب..
-هل حصل خطب ما ؟!
-الاوضاع متفجرة يابن العم!..
-اجابه أحد الاقرباء الذي يقاربه سنا.
-ما الذي حصل؟
-تعرف عبد الكريم من بيت أو ريشة؟..
-ما به؟!
-قتله شقيقك لطيف!
-كيف.. لماذا؟
-كان يسرح مع اغنامه في مزرعتكم، يبدو انه لم يرضخ لزجره بعدم الدخول اليها، فأخذ لطيف بندقيته وأرداه قتيلاً مع اغنامه !! أخذ يعتمل في نفسه أسى وألم ممض.. كي تتخلص القرية من الظلم والجور الذي ينتج من العقول المفسدة.. نظر من النافذة المفتوحة على الفضاء، وقد لبست السماء عباءتها السوداء، وخيم على القرية ليل عتيم، غطى بعتمته الكئيبة أهالي القرية، الذين ينتظرون ان يحدث شيء في الصباح!
ضج المنزل تلك الليلة، الكل يتحدث.. يترصد.
قال شقيقه سالم:
-أخبرني جلال انه سمع من أحد الرجال.. انه يتوعد ويهدد! ساد الهدوء.. وعلى وجه كل واحد أكثر من علامة استفهام.
صرخ به والده الطاعن في السن:
-ما بك منعزلاً لوحدك ؟.. قم من فراشك.. واجلس مع اخوتك.. لنفكر كيف نعالج الموقف..
-أنا لا أطيق الظلم!.. لا أريد ان تصيبني هستيريا الظلمة.
ضج المكان بالصياح..
-مستهتر.. كافر.. يرفض الطاعة.
صرخ في وجوههم قاطعاً أصواتهم الغاضبة..
-انتم تعيشون كالنعاج!.. ولا تفكرون سوى بالحشيش..
انهالت الضربات على رأسه..
-أرسلناك الى الجامعة لتدرس!.. لا ان تأتي بهذه الافكار الهدامة!!
أمضى ليلته في جو قلق، متهماً بالنذالة والانحطاط.. أشرق صباح آخر، لم يكن في رأسه سوى ان هناك امتحان آخر، نظر الى نفسه لم يزل مرتدياً ملابسه منذ ليلة البارحة كان عليه ان يرتدي حذاءه ويحمل كتبه، مضى كعادته بخطواته المتسارعة، عبر المزارع الطويلة، حاول النظر الى ساعته.. لقد نسي ان يلبسها.. عليه ان يسير بشكل أسرع..
تلقته مجموعة من الرجال، وقفوا قبالته، يحملون البنادق.
قال أحدهم بصوت جلد..
-هذا أحد رجال بيت سعيد.. خذوا ثأركم منه..
أطلقوا بنادقكم باتجاهه.. بايديكم أمانة الأم التي فقدت ابنها.. فكل القرية تنتظر.. وكل نعجة تنتظر!! انطلق الرصاصات من فوهات البنادق، ممزقة جسده.. لتغسله الدماء التي فاضت كالينابيع.. وهو ممدد على الحشائش.. وقد تناثرت كتبه.. لكن الوقت كان مبكراً على موعد الامتحان.

تمنيااتي ان تروق لكم
ولكم اسمى تحيااتي

نسايم
07-06-2009, 01:34 AM
قصة مؤثرة

جزاك الله خيراً

بانتظار المزيد من مشاركاتك