المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نبذه مختصرة عن خروج الامام الحسين عليه السلام واستشهاده الحلقة الاولى


حسين ال دخيل
07-11-2013, 12:02 AM
نبذه مختصرة عن خروج الامام الحسين عليه السلام واستشهاده الحلقة الاولى
ذكر الثقات من أصحاب السير: أنّه لمّا استشهد الحسن بن عليّ عليهما السلام تحرّكت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين عليه السلام في خلع معاوية، فامتنع عليهم للعهد الحاصل بينه وبين معاوية، فلمّا مات معاوية ـ وذلك في النصف من رجب سنة ستّين ـ كتب يزيد بن معاوية إلى الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة له ، فأنفذ الوليد إلى الحسين عليه السلام فاستدعاه ، فعرف الحسين ما أراد ، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح وقال : «إجلسوا على الباب ، فإذا سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه مني ».
وصار عليه السلام إلى الوليد، فنعى الوليد إليه معاوية فاسترجع الحسين عليه السلام ، ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد، فقال الحسين عليه السلام :«إنّي لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرّاً حتّى اُبايعه جهراً» .
فقال الوليد : أجل .
فقال الحسين عليه السلام : «فنصبح ونرى في ذلك » .
فقال الوليد: إنصرف على اسم الله تعالى .
فقال مروان : والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى يكثر القتلى بينكم وبينه ، فلايخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه .
فوثب عند ذلك الحسين عليه السلام وقال : «أنت يا ابن الزرقاء تقتلني أو هو ؟ كذبت والله وأثمت » فخرج .
فقال مروان للوليد: عصيتني .
فقال : ويح غيرك يا مروان ، والله ما اُحبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وأنّي قتلت حسيناً، سبحان الله أقتل حسيناً إن قال : لا اُبايع ، والله إنّي لأظنّ أنّ امرءاً يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله تعالى يوم القيامة .
فقال مروان : إن كان هذا رأيك فقد أصبت .
وأقام الحسين تلك الليلة في منزله ، واشتغل الوليد بمراسلة عبدالله بن الزبير في البيعة ليزيد وامتناعه عليه ، وخرج ابن الزبير من ليلته متوجّهاً إلى مكّة، وسرّح الوليد في إثره الرجال فطلبوه فلم يدركوه .
فلمّا كان آخر النهار بعث إلى الحسين عليه السلام ليبايع فقال عليه السلام : «اصبحوا وترون ونرى» فكفّوا تلك الليلة عنه ، فخرج عليه السلام ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب متوجّهاً نحو مكّة ومعه بنوه وبنو أخيه الحسن وإخوته وجلّ أهل بيته ، إلاّ محمّد بن الحنفيّة فإنّه لم يدر أين يتوجّه ، وشيّعه وودعه .
وخرج الحسين عليه السلام وهو يقول : (فَخَرَج مِنْها خائِفاً يَتَرَقّبُ قال َرَبّ نَجّني مِنَ الْقَوْم الظّالِمِينَ) (1) فلمّا دخل مكّة دخلها لثلاث مضين من شعبان وهو يقول : (وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسف رَبّي أنْ يَهْدِيَني سَواءَ السّبِيل ) (2) .
وأقبل أهل مكّة يختلفون إليه ، ويأتيه ابن الزبير فيمن يأتيه بين كلّ يومين مرّة، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير وقد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه مادام الحسين عليه السلام بالبلد .
وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية ، وعرفوا خبر الحسين ، فاجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي وقالوا : إن معاوية قد هلك ، وإنّ الحسين قد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوّه فاكتبوا إليه . فكتبوا إليه كتباً كثيرة ، وأنفذوا إليه الرسل إرسالاً ، ذكروا فيها : أن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل (3) .
فكتب إليه اُمراء القبائل : أمّا بعد : فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار ،فإذا شئت فاقدم على جند لك مجندة .

«من الحسين بن عليّ إلى الملأ من المؤمنين .
أمّا بعد : فإنّ (فلاناً وفلانأ) (4) قدما عليّ بكتبكم ، وكانا اخر رسلكم ، وفهمت مقالة جلّكم : أنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ ، وإنّي باعثٌ إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل ، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأته في كتبكم أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله تعالى».
ودعا بمسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي ، وعمارة ابن عبدالله السلولي ، وعبدالرحمن بن عبدالله الأرحبي .
فاقبل مسلم حتّى دخل الكوفة، فنزل دار المختار بن أبي عبيدة ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه ، وبايعه الناس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً ، فكتب مسلم إلى الحسين عليه السلام يخبره بذلك ويأمره بالقدوم ، وعلى الكوفة يومئذ النعمان بن بشير من قبل يزيد (5).
وكتب عبدالله بن مسلم الحضرمي إلى يزيد بن معاوية : أنّ مسلم بن عقيل قدم إلى الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن عليّ ، فإن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قويّاً، فإنّ النعمان بن بشير رجلٌ ضعيفٌ . وكتب إليه عمر بن سعد وغيره بمثل ذلك .
فلمّا وصلت الكتب إلى يزيد دعا بسرجون ـ مولى معاوية ـ وشاوره في ذلك ـ وكان يزيد عاتباً على عبيدالله بن زياد ـ فقال سرجون : أرأيت معاوية لو يشير لك ما كنت آخذاً برأيه ؟ قال : نعم .
فأخرج سرجون عهد عبيدالله بن زياد على الكوفة وقال : إنّ معاوية مات وقد أمر بهذا الكتاب ، فضمّ المصرين إلى عبيدالله ، فقال يزيد : إبعث بعهد ابن زياد إليه ، وكتب إليه :أن سر حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتّى تثقفه فتوثقه أو تقتله أوتنفيه والسلام .
فلمّا وصل العهد والكتاب إلى عبيدالله أمر بالجهاز من وقته والمسير إلى الكوفة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي ، وشريك بن الأعور الحارثي ، وحشمه وأهل بيته ، حتّى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم ، والناس قد بلغهم إِقبال الحسين عليه السلام ، فهم ينتظرون قدومه ، فظنّوا أنّه الحسين عليه السلام ، فكان لا يمرّ على ملأ من الناس إلاّ سلّموا عليه وقالوا : مرحبا يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم ، فرأى من تباشرهم بالحسين عليه السلام ما ساءه ، فقال مسلم بن عمرو لمّا أكثروا : تأخّروا، هذا الأمير عبيدالله بن زياد، وسار حتّى وافى قصر الأمارة فأغلق النعمان بن بشير عليه حتّى علم أنّه عبيدالله ففتح له الباب (6).
فلمّا أصلح نادى في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطب وقال :
أمّا بعد: فإنّ أمير المؤمنين ولاّني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم ، وإعطاء محرومكم ، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد البرّ، وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي ، فليُبقِ امرؤٌ على نفسه (الصدق ينبىء عنك لا الوعيد) (7) .
ثمّ نزل وأخذ الناس أخذاً شديداً.
ولمّا سمع مسلم بن عقيل بمجيء ابن زياد إلى الكوفة ومقالته التي قالها خرج من دار المختار حتّى انتهى إلى دار هانئ بن عروة، وأقبلت الشيعة تختلف إليه سرّاً .
ونزل شريك بن الأعور دار هانئ بن عروة أيضاً ، ومرض فاُخبر بأن عبيدالله بن زياد يأتيه يعوده ، فقال لمسلم بن عقيل : اُدخل هذا البيت ، فإذا دخل هذا اللعين وتمكّن جالساً فاخرج إليه واضربه ضربة بالسيف تأتي عليه ، وقد حصل المراد واستقام لك البلد، ولو منّ الله عليّ بالصحّة ضمنت لك استقامة أمر البصرة.
فلمّا دخل ابن زياد وأمكنه ما وافقه عليه بدا له في ذلك ولم يفعل ،واعتذر إلى شريك بعد فوات الأمر بأنّ ذلك كان يكون فتكاً وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : «إنّ الإيمان قيد الفتك ».
فقال : أما والله لو قد قتلته لقتلت غادراً فاجراً كافراً . ثمّ مات شريك من تلك العلّة رحمه الله .
ودعا عبيدالله بن زياد مولى له يقال له : معقل ، وقال : خذ ثلاثمائة درهم (8) ثمّ اطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه ، فإذا ظفرت منهم بواحد أو جماعة فأعطهم هذه الدراهم وقل : استعينوا بها على حرب عدوّكم ، فإذا اطمأنّوا إليك ووثقوا بك لم يكتموك شيئاً من أخبارهم ، ثمّ اغد عليهم ورححتّى تعرف مستقرّ مسلم بن عقيل .
ففعل ذلك ، وجاء حتّى جلس إلى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم وقال : يا عبدالله إنّي امرؤٌ من أهل الشام ، أنعم الله عليّ بحبّ أهل هذا البيت ، فقال له مسلم : أحمد الله على لقائك ، فقد سرّني ذلك ، وقد ساءني معرفة الناس إيّاي بهذا الأمر قبل أن يتمّ مخافة هذا الطاغية، فقال له معقل : لا يكون إلاّ خيراً ، فخذ منّي البيعة .
فأخذ بيعته ، وأخذ عليه المواثيق المغلّظة ليناصحنّ وليكتمنّ ، ثمّ قال : اختلف إليّ ايّاماً في منزلي فأنا طالب لك الإذن ، فأذن له ، فأخذ مسلم بيعته ، ثمّ أمر قابض الأموال فقبض المال منه ، وأقبل ذلك اللعين يختلف إليهم ، فهو أوّل داخل وآخر خارج ، حتّى علم ما احتاج إليه ابن زياد، وكان يخبره به وقتاً وقتاً.
وخاف هانئ بن عروة على نفسه من عبيدالله بن زياد، فانقطع عن حضور مجلسه وتمارض ، فقال ابن زياد : مالي لا أرى هانئاً ؟ فقالوا : هو شاك ، فقال : لو علمت بمرضه لعدته ، ودعا محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج الزبيدي فقال لهم : ما يمنع هانئاً من إتياننا ؟ فقالوا : ما ندري وقد قيل : إنّه يشتكي ، قال : قد بلغني أنّه يجلس على باب داره فالقوه ومروه ألاّ يدع ما عليه من حقّنا.
فأتوه حتّى وقفوا عليه عشيّة ـ وهو على باب داره جالس ـ فقالوا: مايمنعك من لقاء الأمير؟ فقال لهم : الشكوى تمنعني من لقائه ، فقالوا له : قد بلغه أنّك تجلس على باب دارك عشيّة وقد استبطاك ، فدعا بثيابه فلبسها ، ودعا ببغلته فركبها، فلمّا دخل على ابن زياد قال : أتتك بحائن رجلاه (9)والتفت نحوه وقال :
اُريدُ حِباءَهُ (10) ويُريدُ قتلي * عذيرَكَ مِن خَليلكَ مِن مُراد (11)
فقال هانئ : وما ذاك أيّها الأمير؟ قال : ما هذه الاُمور التي تربصّ فيدورك لأمير المؤمنين وعامّة المسلمين ، جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له الرجال والسلاحِ قال : ما فعلت ذلك ، قال : بلى .
ثمّ دعا ابن زياد معقلاً ـ ذلك اللعين ـ فجاء حتّى وقف بين يديه ، فلمّا راه هانئ علم أنّه كان عيناً عليهم وأنّه قد أتاه بأخبارهم فقال : اسمع منّي وصدّق مقالتي ، والله ما دعوته إلى منزلي ولا علمت بشيء من أمره حتّى جاءني يسألني النزول فاستحيت من رده ، فضيّفته واويته ، وأنا أعطيك اليوم عهداً ألاّ أبغيك سوءاً ولا غائلة، وإن شئت أعطيك رهينة فتكون في يدك حتّى آتيك به أو آمره حتى يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فاخرج من جواره ، فقال ابن زياد : والله لا تفارقني أبداً حتّى تأتيني به ، فقال : لا والله لا آتيك به ، وكثر الكلام بينهما حتّى قال : والله لتأتينّي به قال : لا والله لاآتيك به ، قال : لتأتينّي به أو لأضربنّ عنقك ، فقال هانئ : إذاً والله تكثر البارقة حول دارك ، فقال ابن زياد : أبالبارقة تخوّفني ؟ ! وهو يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه، فقال : ادنوه منّي ، فلم يزل يضرب وجهه بالقضيب حتّى كسر أنفه وسيَّل الدماء على ثيابه ، وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطيّ وجاذبه الرجل ومنعه ، فقال ابن زياد: قد حلّ لنا قتلك ، فجرّوه فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه .
وبلغ الخبر مسلم بن عقيل فامر أن يُنادى في الناس ، فملأ بهم الدور وقال لمناديه : ناد «يا منصور أمت » فعقد مسلم لرؤوس الأرباع على القبائل كندة ومذحج وأسد وتميم وهمدان ، فتداعى الناس واجتمعوا فامتلأ المسجد من الناس والسوق ، وما زالوا يزيدون حتّى المساء .
وضاق بعبيدالله أمره ، وليس معه في القصرإلاّ ثلاثون رجلاً من الشرطة وعشرون رجلاً من أشراف الناس وأهل بيته ، وأقبل من نأى عنه من أشراف الناس ، يأتونه من قبل الباب الذي يلي دار الروميّين ، وجعل من في القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم وهم يرمونه بالحجارة .
ودعا ابن زياد: بكثير بن شهاب ، ومحمد بن الأشعث ، وشبث بن ربعي ، وجماعة من رؤساء القبائل ، وأمرهم أن يسيروا في الكوفة ويخذّلوا الناس عن مسلم بن عقيل ، ويعلموهم بوصول الجند من الشام ، وأنّ الأمير قد أعطى الله عهداً لئن تمّمتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيّتكم هذه أن يحرم ذرّيّتكم العطاء ، ويأخذ البريء بالسقيم ، والشاهد بالغائب .
فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون ، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وزوجها وتقول : انصرف الناس يكفونك ، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول له : غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشرّ؟! فيذهب به فينصرف ، فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى ابن عقيل وصلّى المغرب وما معه من أصحابه إلاّ ثلاثون نفساً .
فلمّا رأى ذلك خرج متوجّهاً نحو أبواب كندة (فلمّا) (12) بلغ الباب ومعه منهم عشرة ، فخرج من الباب فإذا ليس معه إنسان ، ولا يجد أحداً يدلّه على الطريق ، فمضى على وجهه متلدّداً (13) في أزقّة الكوفة لا يدري أين يذهب ، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها: طوعة، وهي على باب دارها تنتظر ولداً لها، فسلّم عليها وقال : يا أمة الله اسقيني ماءً، فسقته وجلس .
فقالت : يا عبدالله ، قم فاذهب إلى أهلك ؟ فقال : يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل ، فهل لك فيّ أجر ومعروف ولعلّي أكافِئُكِ بعد اليوم ؟فقالت : وما ذاك ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذّبني هؤلاء القوم وغرّوني وأخرجوني ، قالت : أنت مسلم ؟ قال : نعم ، قالت : ادخل .
فدخل بيتاً في دارها غير الذي تكون فيه ، وفرشت له ، وعرضت عليه العشاء فلم يتعشّ .
فجاء ابنها، فرآها تكثر الدخول إلى البيت والخروج منه ، فسألها عن ذلك فقالت : يا بنيّ الْه عن هذا، قال : والله لتخبريني .
فأخذت عليه الأيمان أن لا يخبر أحداً ، فحلف فاخبرته ، وكانت هذه المرأة اُمّ ولد للأشعث بن قيس ، فاضطجع ابنها وسكت .
وأصبح فغدا إلى عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند اُمّه ، فأقبل عبدالرحمن حتّى أتى أباه وهو عند ابن زياد فسارّه ، فعرف ابن زياد سراره ، فقال : قم فأتني به الساعة .
فقام وبعث معه عبيدالله بن العبّاس السلمي في سبعين رجلاً من قيس ، حتّى أتوا الدار التي فيها مسلم ، فلمّا سمع وقع الحوافر وأصوات الرجال علم أنّه قد أُتي ، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار، فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدار، واختلف هو وبكر بن حمران الأحمري فضرب بكر فم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع في السفلى ، وضربه مسلم على رأسه ضربة منكرة وثنّى باُخرى على حبل العاتق ، وخرج عليهم مصلتاً بسيفه ، فقال له محمد بن الأشعث : لك الأمان لا تقتل نفسك ، وهو يقاتلهم ويقول :
أقـسمـتُ لا أُقتلُ إلاّ حُرّا * إني رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا
كلّ امرئ يوماً ملاقٍ شـرّا * أخـافُ أن اُكذبَ أو اُغَرّا
فقال له محمد بن الأشعث : إنّك لا تكذب ولا تغرّ، فلا تجزع ، إنّ القوم بنو عمّك وليسوا بقاتليك .
فقال مسلم : أمّا لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم ، فاُتي ببغلةٍ فركبها، واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه ، فكأنّه أيسَ هناك من نفسه ، فدمعت عيناه وقال : هذا أوّل الغدر، وأقبل على محمد بن الأشعث وقال : إنّي أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خيرٌ ؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني أن يبلّغ حسيناً ـ فإنّي لا أراه إلاّ خرج إليكم اليوم أو هو خارج غداً ـ ويقول : إنّ ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي القوم لا يرى أن يمسي حتّى يقتل ، وهو يقول : إرجع فداك أبي وأمّي بأهل بيتك ولا يغرنّك أهل الكوفة، فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ، إنّ أهل الكوفة كذبوك وليس لكذوب رأي . فقال ابن الأشعث : والله لأفعلنّ ، ولأعلمنّ ابن زياد أنّي قد آمنتك .
وأقبل ابن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر، ودخل على عبيدالله فاخبره خبره وما كان من أمانه ، فقال ابن زياد : ما أنت والأمان ؟ كأنّا أرسلناك لتؤمنه وإنّما أرسلناك لتأتينا به ، فسكت ابن الأشعث .
وخرج رسول ابن زياد فأمر بإدخال مسلم ، فلمّا دخل لم يسلّم عليه بالإمرة، فقال الحرسي : ألا تسلّم على الأمير؟ قال : إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه ، وإن كان لا يريد قتلي ليكثرنّ سلامي عليه ، فقال ابن زياد : لعمري لتقتلنّ قتلة لم يقتلها أحدٌ من الناس في الإسلام ، فقال له مسلم : أنت أحقّ من أحدث في الإسلام ، وأنّك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة، ولؤم الغلبة .
وأخذ إبن زياد لعنة الله عليه يشتمه ويشتم الحسين وعليّاً وعقيلَاَ ، وأخذ مسلم لا يكلّمه .
ثمّ قال ابن زياد : إصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ثمّ أتبعوه جسده ، فقال مسلم : لو كان بيني وبينك قرابة ما قتلتني ، فقال ابن زياد : أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف ، فدعي بكر بن حمران الأحمري فقال له : إصعد فكن أنت الذي تضرب عنقه .
فصعد وجعل مسلم يكبّر الله ويستغفره ، ويصلّي على النبيّ وآله ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا، وضربت عنقه واُتبع جسده رأسه ، واُمر بهانئ بن عروة فاُخرج إلى السوق وضربت عنقه وهو يقول : إلى الله المعاد، اللهم إلى رحمتك ورضوانك .
وفي قتلهما يقول عبدالله بن الزبير الأسدي :
إن كنتِ لا تدرينَ ما الموتُ فانظري * إلى هانئ في السوقِ وابنِ عقيل
إِلى بطلٍ قـد هــشّم السيفُ وجههُ * واخر يهوي من طمار قــتيل
وبعث ابن زياد لعنه الله برأسيهما إلى يزيد بن معاوية لعنه الله.
وكان خروج مسلم رحمة الله عليه بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التروية، وقتل يوم عرفة سنة ستّين
وكان توجّه الحسين عليه السلام من مكّة إلى العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة، وكان قد اجتمع إليه عليه السلام مدّة مقامه بمكّة نفر من أهل الحجاز والبصرة ، ولمّا أراد الخروج إلى العراق طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ من إحرامه وجعلها عمرة، لأنّه لم يتمكّن من تمام الحجّ مخافة أن يُقبض عليه بمكّة فيُنفذ إلى يزيد بن معاوية (15).
فروي عن الفرزدق الشاعر أنّه قال : حججت باُمّي سنة ستّين ، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم إذ لقيت الحسين بن عليّ عليهما السلام خارجاً من الحرم معه أسيافه وتراسه فقلت : لمن هذا القطار ؟ فقيل . للحسين بن عليّ ، فأتيته فسلّمت عليه وقلت له : أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحبّ يا ابن رسول الله بأبي أنت وأمّي ما أعجلك عن الحجّ ؟
قال : «لو لم أعجل لأخذت » ثمّ قال لي : «من أنت ؟» .
قلت : امرؤٌ من العرب ، فلا والله ما فتّشني أكثر من ذلك ، ثمّ قال : «أخبرني عن الناس خلفك ؟»
فقلت : الخبير سألت ، قلوب الناس معك وأسيافهم عليك ، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، ثمّ حرّك راحلته وقال : «السلام عليكم »، ثمّ افترقنا .
ولحقه عبدالله بن جعفر بكتاب عمرو بن سعيد بن العاص والي مكة مع أخيه يحيى بن سعيد يؤمنه على نفسه ، فدفعا إليه الكتاب وجهدابه في الرجوع فقال : «إنّي رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المنام وأمرني بما أنا ماض له » .
قالا: فما تلك الرؤيا؟
فقال : «ما حدّثت بها أحداً ولا اُحدّث أحداً حتّى ألقى ربّي عزّ وجل » .
فلمّا يئس عبدالله بن جعفر منه أمر ابنيه عوناً ومحمداً بلزومه والمسير معه والجهاد دونه ، ورجع هو ويحيى بن سعيد إلى مكّة .
وتوجّه الحسين عليه السلام نحو العراق ، ولمّا بلغ عبيدالله بن زياد إقبال الحسين عليه السلام إلى الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شرطته حتّى نزل القادسيّة، ولمّا بلغ الحسين عليه السلام بطن الرملة بعث عبدالله ابن يقطر ـ وهو أخوه من الرضاعة ـ وقيل : بل بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، ولم يكن علم بخبر مسلم ، وكتب معه إليهم كتاباً يخبرهم فيه بقدومه ، ويأمرهم بالانكماش (16) في الأمر.
فأخذه الحصين بن نمير وبعث به إلى عبيدالله بن زياد، فقال له عبيدالله بن زياد: إصعد وسبّ الكذّاب الحسين بن عليّ .
فصعد وحمد الله وأثنى عليه وقال : أيّها الناس ، هذا الحسين بن عليّ خير خلق الله ، ابن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم ، وأنا رسوله إليكم فأجيبوه ، ثمّ لعن ابن زياد، فأمر به فرمي من فوق القصر، فوقع على الأرض وانكسرت عظامه ، وأتاه رجل فذبحه وقال : أردت أن اُريحه ! !
فلمّا بلغ الحسين صلوات الله عليه قتل رسوله استعبر، ولمّا بلغ الثعلبيّة ونزل أتاه خبر قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة فقال : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، رحمة الله عليهما» يردّد ذلك مراراً.
وقيل له : ننشدك الله يا ابن رسول الله لما انصرفت من مكانك هذا ، فإنّه ليس لك بالكوفة ناصرٌ ولا شيعة ، بل نتخوّف أن يكونوا عليك ، فنظرإلى بني عقيل فقال : «ما ترون ؟» فقالوا : والله لا نرجع حتّى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق . فقال الحسين عليه السلام : «لا خير في العيش بعد هؤلاء» .
ثمّ أخرج إلى الناس كتاباً فيه : «أمّا بعد : فقد أتانا خبر فظيع ، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبدالله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا، فم نأحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرجِ ، فليس عليه ذمام » .
فتفرّق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه ، وإنّما فعل عليه السلام ذلك لأنّه علم أنّ الأعراب الذين اتّبعوه يظنّون أنّه يأتي بلداً قد استقام عليه ، فكره أن يسيروا معه إلاّ وهم يعلمون على ما يقدمون .
ثمّ سار عليه السلام حتّى مرّ ببطن العقبة، فنزل فيها فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له : عمرو بن لوذان فقال : أنشدك الله يا ابن رسول الله لمّا انصرفت ، فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف ،
وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطّؤوا لك الأسياف فقدمت عليهم كان ذلك رأياً .
فقال : «يا عبدالله ، لا يخفى عليّ الرأي ولكنّ الله تعالى لا يغلب على أمره » ثمّ قال عليه السلام : «والله لا يَدَعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الاُمم » .
ثمّ سار عليه السلام من بطن العقبة وأمر فتيانه أن يستقوا الماء ويكثروا ، ثم سار حتّى انتصف النهار، فبينا هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه فقال عليه السلام : «الله أكبر لم كبّرت ؟» قال : رأيت النخل ، فقال له جماعة من أصحابه : والله إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلة قطّ ، قال :«فما ترونه ؟ » قالوا : نراه والله آذان الخيل ، قال : «أنا والله أرى ذلك » .
فما كان بأسرع حتّى طلعت هوادي الخيل (17) مع الحرّ بن يزيدالتميميّ ، فجاء حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسين عليه السلام في حرّ الظهيرة، وكان مجيء الحرّ بن يزيد من القادسيّة، يقدم الحصين بن نميرفي ألف فارس .
فحضرت صلاة الظهر، فصلّى الحسين عليه السلام وصلّى الحرّ خلفه ، فلمّا سلّم أنصرف إلى القوم وحمد الله وأثنى عليه وقال :
«أيّها الناس إنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله عنكم ، ونحن أهل بيت محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فإن أبيتم إلاّ الكراهة لنا، والجهل بحقّنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم ، وقدمت به عليّ رسلكم انصرفت عنكم ».
فقال له الحر: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب التي تذكر!
فقال الحسين عليه السلام لبعض أصحابه : «يا عقبة بن سمعان اُخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ » .
فأخرج خرجين مملوءَين صحفاً فنثرت بين يديه ، فقال له الحرّ: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد اُمرنا إذا لقيناك أن لا نفارقك حتّى نقدم بك الكوفة على عبيدالله .
فقال له الحسين عليه السلام : «الموت أدنى إليك من ذلك » ثمّ قال لأصحابه : «قوموا فاركبوا» فركبوا ، فقال : «انصرفوا» .
فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين عليه السلام للحرّ: «ثكلتك اُمّك يا ابن يزيد».
قال الحرّ: أمّا لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر اُمّه بالثكل ، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلاّ باحسن ما نقدر عليه. له تتمه انشاء الله