المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ق9: : بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ:


مرتضى علي الحلي
18-07-2012, 07:34 PM
ق9: : بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ:
=========================
: بحوثٌ قرآنيَّة مَعرِفيَّة :
==============================

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمد وآله المعصومين


:القسم التاسع :
==========

:الشِّرْكَةُ الوظيفيَّة بين العقل والنفس في منهاج القرآن :
==============================
: الأدواتُ والمُعطيات :
============

بعد ما تبيَّنَ في البحوث السابقة مفهوم كل من العقل والنفس وحتى القلب ووظيفة كلّ منها وأدواته.

سنبحثُ في مفهوم الشِّركَة الوظيفية بين العقل والنفس في كيان الإنسان وجوديا.

ذلك كون القرآن الكريم قد بيَّنَ في منهاجه القويم مُرتكزات وأدوات تتجلى في صورة الوظيفة
والفعل الإثنيني بين العقل والنفس

وما يترتب على ذلك من مُعطيات وثمرات دنيوية وآخروية يرتسم بها مصير الإنسان .

وممكن تبويب الوظائف الحيويّة بين العقل والنفس بنقاط رئيسة تكون موضوعاً للبحث حكماً وقصدا ونتيجا.

:1:
:الوظيفة الأولى:
=========
هي إيجاد التوازن السلوكي الصالح في الفعل النفسي دافعا وقصدا :

بمعنى أنَّ لكل فعل إنساني دافع :نيّة: وقصد يُطلبُ تحققه في الخارج المحسوس حياتيا.
وهذا الدافع هو مركوز دوماً في كينوينة النفس بإعتبار أنَّ الدافع أو النيّة هو من وظائف النفس لا العقل


وهنا يأتي دور ووظيفة العقل والذي هو شريكُ حيوي في منظومة وتركيبة الإنسان .

وممكن أن يتجلى دور العقل في التوجيه والضبط
أو التصحيح لمسارات ودوافع النفس الإنسانية


بإعتبار أنَّ العقل هو مَن يمتلك ملكة التدبر والتفكر وقوى التمييز بين الخير والشر والحق والباطل

ذلك وإنَّ النفس أيضا تُمثّل في واقعها مزيجا من القوى المتغايرة مفهوما وتطبيقا.
مما يجعلها في حاجة شديدة للخروج بموقف ووظيفة متوازنة في قصدها وأثرها .

وهذا التوازن في القصد النفسي وأثره هو ما يستطيع العقل تحقيقه فيما لو مارس وظيفته الإرشادية والتقويمية.


والقرآن الكريم قد أشار إلى ظاهرة نزوع النفس إلى السوء والإنحراف وإمكان ذلك .

قال تعالى:

(( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) يوسف53

(( قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي )) طه96



وإنَّ الدليل على أنَّ العقل هو مرشد النفس وشريكها القوي وظيفيا
وهو صاحب الفعل المتوازن والصحيح

هو مدح القرآن الكريم في ختام كل آية لحملة العقول اللبيبة.

قال تعالى:
(( يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ )) البقرة269
والمعنى هنا هو:

يؤتي الله الإصابة في القول والفعل مَن يشاء من عباده

ومن أنعم الله عليه بذلك فقد أعطاه خيرًا كثيرًا.

وما يتذكر هذا وينتفع به إلاّ أصحاب العقول المُستنيرة بنور الله وهدايته.



(( أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ )) الرعد19


(( هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ )) إبراهيم52

بمعنى:
إنَّ هذا القرآن الذي أنزلناه إليك -أيها الرسول الأكرم محمد:صلى اللهُ عليه وآله وسلّم:
- بلاغٌ وإعلام للناس لنصحهم وتخويفهم

ولكي يوقنوا بعقولهم أنَّ الله هو الإله الواحد
فيعبدوه وحده لا شريك له وليتعظ به أصحاب العقول السليمة.


(( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ )) الزمر18

(( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ )) ص29


وحتى أنَّ الرسول الأكرم :ص: قد وجَّه بهذا الإتجاه إتجاه فعل العقل في إيجاد التوازن والرشد للنفس في قصدها وفعلها.

فعن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق: عليه السلام :

قال : إنَّ رجلاً أتى النبي : صلى الله عليه وآله :
فقال له : يا رسول الله أوصني
فقال له رسول الله : صلى الله عليه وآله :
: فهل أنتَ مستوص إن أنا أوصيتك حتى قال له ذلك ثلاثا
وفي كلها يقول له الرجل : نعم يا رسول الله
فقال له رسول الله : صلى الله عليه وآله :

فإنِّي أوصيك إذا أنتَ هممتَ بأمر فتدبر عاقبته
فإن يك رشدا فامضه وإن يك غيّاً فانته عنه :
: الكافي : الكليني :ج8: ص150.



وهنا يتبيّن أيضا أنَّ كل ما تهم به النفس لايجب التسرع في إنجازه بل يجب التدبر في العواقب والآثار

ويجب أن يأخذ العقل دوره هنا ووظيفته بإتجاه تسديد مسار وقصد النفس وسلوكها.

لأنَّ النفس مثلما ذكرنا هي مزيج قوى متغايرة في مفهومها وتطبيقها

بخلاف العقل فهو محض الطبيعة العاقلة والمفكرة والقادرة على مسك جميع قوى النفس وتصويب مساراتها.



:2:
:الوظيفة الثانيّة:

هي أن يُمارس العقل وظيفة الرقابة على ذات النفس وقواها .
لما ذكرنا من إمكان تطويع بقية قوى النفس من غير العقل كقوة الشهوة والغضب للعقل نفسه.


وهنا ممكن أن نستشهد على هذه الوظيفة بنص قرآني شريف يُخاطب العقل المحض في وجود الإنسان.

قال اللهُ تعالى:

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى{40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى:41 :النازعات:

فلا شك أنَّ الذي ينهى النفس عن إتباع الهوى هو العقل المحض .

وهذه الآية الشريفة تُثبت فعلا أنّ هناك قوة ذاتية في كيان الإنسان ممكن لها أن تمسك بزمام النفس وتوجهها إلى الإتجاه الصالح والحق
وذلك هو العقل بلا ريب.


وفي آية أخرى يوجد ما يؤيد ذلك أيضا.
هو قوله تعالى:

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )) الحشر18.


وهنا يجب أن ندرك جيدا أنَّ الخطاب القرآني
في قوله تعالى:

((وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ))

يُحدد نظر النفس وتفكرها من جانب أنها تمتلك قوى العقل الخيّرة في واقعها

بإعتبار أنّ النظر والتفكر هو من وظائف العقل لا النفس وإن إشتملت هي على وجود العقل فيها.


وممكن أن يضبط العقل النفسَ وسلوكها بترويضها بالتقوى العمليّة

وهذا ما أرشدنا إليه الإمام علي :عليه السلام:
حينما قال:

: وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى
لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر
وتثبت على جوانب المزلق :

:نهج البلاغة : ج3:ص71.



:3:
: الوظيفة الثالثة :

وهي ما يُسمى بجهاد النفس:الجهاد الأكبر :
بمعنى أنَّ على العقل أن يُمارس وظيفته الريئسة والخطيرة

وهي بذل كل ما بالوسع الممكن في سبيل تزكية النفس وتهذيبها


وعلى ذلك الجهد المبذول يترتب عمليا رقي النفس في رتبة الهداية الإلهيّة وإشتمالها على معيّة الله تعالى .

وإلى ذلك أشار القرآن الكريم في قوله تعالى:

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69

والمعنى على إطلاقه هو:
والمؤمنون الذين جاهدوا أعداء الله والنفس والشيطان
وصبروا على الفتن والأذى في سبيل الله
سيهديهم الله سبل الخير
ويثبتهم على الصراط المستقيم

ومَن هذه صفته أي يُجاهد عدوه الخارجي والنفسي
فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره.

وإنَّ الله سبحانه وتعالى لمع مَن أحسن مِن خَلْقِه بالنصرة والتأييد والحفظ والهداية.


ويتبعُ القسم العاشر إن شاء الله تعالى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مرتضى علي الحلي : النجف الأشرف :

nad-ali
19-07-2012, 12:06 PM
اسال الله ان يجعلنا واياكم اخي الكريم
مَن أحسن مِن خَلْقِه بالنصرة والتأييد والحفظ والهداية.
ويكن الله تعالى معانا

في ميزان حسناتك

مرتضى علي الحلي
19-07-2012, 02:07 PM
شكرا لكم ووفقكم الله تعالى لكل خير وصلاح

زخات مطر
19-07-2012, 11:07 PM
وفقك الله اخي الكريم
وحفك الله لما تفيض علينا

مرتضى علي الحلي
20-07-2012, 05:45 PM
شكرا لكم وتقبل اللهُ تعالى أعمالكم وصيامكم مقدما