العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية المنتدى العام منتدى استراحة الحوار الحر

منتدى استراحة الحوار الحر المنتدى مخصص لمواضيع النقاش والحوار الحر

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 712
بمعدل : 0.72 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : منتدى استراحة الحوار الحر
افتراضي اباء وابناء
قديم بتاريخ : 03-09-2017 الساعة : 05:58 PM


اباء وابناء
تمنِّياتُ إبن :
ـ أتمنّى أن لا يتدخّل أبي في كلِّ صغيرة وكبيرة وشاردة وواردة في حياتي .. أريدهُ أن يمنحني شيئاً من الحرية والاستقلال .
ـ أتمنّى أن يحـاورني في بعـض الاُمـور المهمّـة ، لا أن يُطالبـني بتنفيـذها بالعُنـف والإكراه .. أن لا يرغمـني على فعل شيء بشـكل سلطوي .. بل بطريقة أبوية رحيمة .
ـ أتمنّى أن يتذكّر شبابه ، وهو يحاسبني أو يعاقبني أو يراقبني أو يُضيِّق الخناق عليّ .
ـ أتمنّى أن يحـترمني أمام أصدقائي وزملائي ، كما أحترمه أمام أهلي وأصدقائه وأقربائنا .
ـ أتمنّى أن يعرف أنّ لي ظروفي ومزاجي وقـدراتي ، كما أ نّـه له ظروفه ومزاجه وقدراته ، فيعذرني في بعض أخطائي غير المتعمّدة .
ـ أتمنّى أن يُدرك أنّني مخلوق لزمان غير زمانه ، وأن لا يجعلني نسخة منه في كلِّ شيء .
ـ أتمنّى أن يعدل بيني وبين إخواني الآخرين .
ـ أتمنّى أن يرعاني ولكن بغير تدخّل سافر في شؤوني الخاصّة ، ويكون حازماً معي بغير قسوة .. أن يكون مُستشاري بغير إملاءات وضغوط .. وأن لا ينظر إلى إنجازاتي بعين صغيرة .

تمنياتُ أب :
ـ أتمنّى أن يكون ولدي أفضل منِّي وليس امتدادي فقط .
ـ أتمنّى أن يحقِّق ولدي ما لم اُوفّق لتحقيقه في حياتي ، وأن تكون طموحاته أوسع من طموحاتي .
ـ أتمنّى أن يستفيد من تجاربي ، ولا يقع في بعض الأخطاء التي وقعتُ فيها ، وأن يقبل نصيحتي .
ـ أتمنّى أن يعتـبرني صديقه المخلـص ، فيبـوح لي ببعض أسراره وهمومه ومشكلاته .. أتمنّى أن أكون صريحاً معه ، وأن يكون صريحاً معي .
ـ أتمنّى أن يدرك أنّ غضبي عليه ـ إذا أخطأ أو قصّر ـ هو حبّ وليس انتقاماً أو تنفيساً عن عقدة تسلّط .

ـ أتمنّى أن يعرف أنّ أولادي متساوون عندي ، وأنا أحبّهم جميعاً ، ولكنّني قد أكره بعض الصفات لدى بعضهم ، وأحبّ بعض الصفات لدى البعض الآخر .
ـ أتمنّى أن أكسب ثقـة أبنائي وبناتي ، ليفتحـوا لي قلوبهم على مصراعيها ، ويشكوا آلامهم .. ويبوحوا بدخائلهم .. ويتّبعوا إرشاداتي لأ نّها ناظرةٌ إلى مصلحتهم .

هذي الأماني مشروعة من الطرفين ، وهي تعبِّر عن رغبة صادقة في التفاهم والتصالح والتصافي ، وعقد علاقـة أوثق بين أبناء يحـبّون آباءهم ويحترمونهم ، وبين آباء يحبّون أبناءهم ويريدون لهم الخير كما يعبِّرون عن ذلك دائماً .
ولا بدّ لكلِّ طرف أن يدرس أمنيات ورغبات الطرف الثاني ، بغية الوصول إلى علاقة أسريّة أطيب ممّا هو قائم فعلاً .. مع أنّ هذه الاُمنيات لا تمثِّل جميع ما يتمنّاه الأبناء ، ولا كلّ ما يرغب الآباء به ، إلاّ أ نّها تمثِّل عيِّنات لاُمنيات لو أخذها الأبناء والآباء بعين الاعتبار، لانتهت علاقتهما إلى الشكل الأفضل الذي يسعد ويرضي كلاًّ منهما .
ولكن السؤال : لماذا تبقى مثل هذه الملاحظات التقييمية لكلِّ طرف مجرّد أمنيات ؟! لماذا لا يُبادر الآباء لردم الهوّة ؟ لماذا لا يُساعد الأبناء آباءهم على بناء الجسر؟ أو .. لماذا لايفتح الطرفان باب الحوار المباشر ليكشفا من خلاله عن كلّ ما يتمنّى الطرف الآخر ؟ وعن الأسباب التي تحول دون تلبية تلك الاُمنيات التي لو تعامل معها كلّ طرف باهتمام وجدِّية لأنقذ الموقف الذي كثيراً ما ينهار ويتصدّع تحت تأثير الجهل أو التجاهل لتلك الاُمنيات التي هي ليست معجزات ولا بالاُمور المستحيلة .
ما يحتاجه إذاً كلّ طرف ، أن يتفهّم حقيقة وطبيعة مشاعر الطرف الآخر ، ورغباته والاُمور التي تزعجه ، وهذا ما سنُعالجه في الأوراق التالية .

من أخطاء الآباء :
قد يلقي البعض منّا مسؤولية ذلك على الآباء وحدهم دون الأبناء ، على اعتبار أ نّهم الأكثر تجربة والأغنى خبرة في الحياة، ولأ نّهم يُفترَض فيهم أن يكونوا المسامحين ، وذوي القلوب الكبيرة ، والأرجح عقلاً .
وبالرغم من تقديرنا لذلك ، فإنّنا لا نعفي الأبناء عن إثارة حفائظ آبائهم ، خاصّة إذا عرفوا أنّ هناك أموراً غير لائقة لا يصحّ أن يؤتوا بها ، فيأتوا بها ، أو يتعمّدون أحياناً فعلها .
ولأنّ مسؤولية الآباء أكبر ، سنقف عند بعض الأخطاء التربوية التي لو شُخِّصت بشكل جيِّد ، وتمّ التعامل معها بحكمة ، لقلّصت دائرة الاصطدام بين الآباء وبين أبنائهم ، ولنبدأ باستخدام العُنف ..

فهناك بعض الآباء الذين يعنِّفون أبناءهم أسوة بآبائهم الذين كانوا يعاملونهم بنفس المعاملة، وكأنّهم ورثوا منهم العُنف والقسوة والتسلّط . ولانريد أن ندخل في تحليل ذلك ودراسة مدى تأثير الأساليب التربوية المستخدمة في البيت على مستقبل التعامل الاُسري لدى الأبناء . لكنّنا نقول للآباء الذين يتعامـلون بهذه الطريقة الجارحة : تذكّروا مدى انزعاجكم ونفوركم من التعامل الخشن الذي كان يعاملكم به آباؤكم ، فكيف يرتضي أب عاشَ التعامـل القاسي ، أن يعامـل ابنـه بنفـس المعاملة ؟ وهل من التربية في شيء أن يصرخ الأب دائماً ، ويضرب أولاده لأدنى خطأ ولأتفه سبب ؟ ويُحدِث جوّاً من الرّعب والتوتّر في البيت وكأ نّه جلاّد صغير ؟!
لقد دخل أحد الولاة على أحد الخلفاء ، فرآه يُلاعب صبيّاً له ، وكان الصـبيّ يمتطي ظهر الخليفـة ، فتعجّب الوالي من ذلك ، وأثار استغرابه واستهجانه ، ولم يكتمها في نفسه ، فقال للخليفة : كيفَ تفعل ذلك يا مولاي ؟!
فسأله الخليفة ، وقد عرفَ من سؤاله أ نّه لا يتعامل مع صبيانه بهذه الطريقة : وكيفَ تُعامل أولادك يا ترى ؟! فقال الوالي معتدّاً بأسلوبه الصارم : إذا دخلتُ البيت ، جلسَ القائم وسكت الناطق ، فقال له الخليفة : إنّك لا تصلح والياً للرعيّة ، لأ نّك بذلك تخنق أنفاسها .
ولو جرّب أحد الآباء أن يُسجِّل لقطات من حالات انفعاله الشديد وغضبه المُزبد المُرعد في شريط فيديو ، وعرضه في لحظة صفاء ، لخجل من نفسه ، ولأنكر ذاك الذي يراهُ أمامه ، وقد فقد السيطرة على انفعالاته . فلم نعمل ما نستحي منه ، أو يدعونا إلى الاعتذار مع ما في الاعتذار من حالة إذلال للنفس ؟!
وأمّا اعتـبار ذلك ضبطاً عائلياً أو حسماً وحزماً حتى لا يفلت الزمام ، فإنّ العُـنف قد يُنتج أسرة خاضعة مطيعة منصاعة مذعنة ، لكنّها الطاعة بالإكراه ، والانصياع الجبري الذي ما أن يُرفع القيد عنه حتى يتفجّر غضباً واستياءً وكراهية . أمّا إذا استمرّ فإنّه سيخلِّف عقداً نفسية ربّما يصعب علاجها .
وهل ضاقت بنا السّـبل ـ كآباء ـ فلم نجد أمامـنا من أسلوب للضّبط غير العصا والصّفعة والشتيمة وربّما البصقة بوجه الابن أو البنت ؟!
يقول الحكماء: «آخر الدواء الكي» . فَلِمَ يكون أوّل دوائنا الكيّ؟! لماذا لا نُجرِّب الخطوات التي تسبقه ، فلعلّها تأتي بالنتائج المرجوّة ؟ لماذا الإقدام على العُنف أوّلاً ؟ هل استنفدنا أساليب الزّجر كلّها ؟ فرُبّ نظرة ذات مغزى منعت من ارتكاب أخطاء لاحقة . ورُبّ كلمة وعظ مؤنِّبة كفّت عن تجاوزات مستقبلية .
لماذا ندفـع أبنـاءنا وبناتـنا إلى أن يكـونوا عصـبيين وانفعاليين ومشدودي الأعصاب دائماً بتعاملنا معهم بطريقة جارحة لأحاسيسهم؟ لماذا نجني عليهم بأن
يكونوا حادِّي المزاج مع الآخرين بالتقاط ذلك منّا ودون إرادة منهم ؟ وما يُدرينا فربّما انعكس ذلك على تعاملهم مع أبنائهم في المستقبل . فهل قدّرنا النتائج الوخيمة لذلك كلّه ؟
غيرَ أنّ التسلّط الأبوي قد يأخذ شكلاً آخر ، في فرض كلمة الأب لتكون الاُولى والأخيرة بلا أخذ ولا ردّ ولا مناقشة ولا اعتبار لآراء الأسرة . وربّما برز ذلك من خلال فرض مزاج الأب وشهوته على أسرته ، فهو يريد الطّعام الذي يشتهيه حتى ولو لم يحبّه أولاده . وقد ورد في الحديث : «ملعون من أكّل عياله بشهوته ، ولم يأكل بشهوة عياله» . فالأوّل أناني والثاني مُتـفان ، ومَن يأكل بشـهيّة أهلـه وما يُفضِّلون من أطعمة ، فإنّه يزرع في نفوسهم حبّاً واحتراماً له ، وإذا لم يُقدّر في الوقت الحاضر ، فإنّه سيترك تأثيره عليهم في المستقبل في أن لا يكونوا هم أنفسهم أنانيين .
وهناك من الآباء مَن يزعق ويوبِّخ ويسبّ ويضرب إذا أقلق الأولاد راحته في نومه أو جلوسه أو مطالعته ، فيما هو لا يأبه لراحة عيـاله ولا يقـيم لها وزناً ، فكأنّهم عبيد مأمـورون لا حـقّ لهم في الاستمتاع بحرِّيتهم في بيتهم .
ومن الأخطاء الفادحة التي يرتكبها الآباء وتؤثِّر سلبياً على الأبناء ، الازدواجية بين شعاراتهم وبين سلوكهم ، فالإبن أو البنت ينظران لوالديهما على أنّهما قدوتهما في الحـياة ، فإذا ما رأوا أ نّهما يمارسان الاُمور المنهيّ عنها من قِبَلهـما ، فإنّ ردّة فعل ذلك ستكون عنيفة ، ومن نتائجها عدم إطاعة الوالدين أو الامتثال لأوامرهما مستقبلاً . وإلاّ كيف يمكن لأب مدخِّن يوصي ابنه بعدم التدخين ؟ وحتى لو كان يدخِّن سرّاً ، أما يمكن أن يضبطه ابنه ـ ذات يوم ـ متلبِّساً بالتدخين ، فيسقط في نظره ؟!
ومن أخطاء الآباء ، تضخيم أخطاء الأبناء ، واعتبار الصغيرة كبيرة ، وكأنّ الخطأ الذي يرتكبه الابن أو البنت لا يُغتفر ، أو لا يمكن إصلاحه ، حتى أنّ البعض من الآباء أو الأمّهات ، ونتيجة لصبرهم المحدود والنافد سريعاً ، يشتكون من بعض تصرّفات أبنائهم بالقول : لقد تغيّروا .. لم يعودوا يطيعوننا .. هم الآن غيرهم بالأمس .. لا جدوى من صلاحهم، في حين أنّ بالإمكان معالجة الكثير من تلك التي تُسمّى مشكلات بكثير من المحبّة والتفاهم والحكمة والصّبر . يقول الامام عليّ ابن أبي طالـب (عليه السلام) : «إذا عاتبتَ الحَـدِث ـ وهو الشاب الصغير ـ فاترك موضعاً من ذنبه لئلاّ يحمله الإحراج على المكابرة» .
ومن أخطائهم أيضاً ، أ نّهم يتعاملون مع أبنائهم وبناتهم كأطفال صغار لم يشبّوا عن الطوق، ولم يبلغوا الحلم ، وما زالوا دون سنّ الرُّشد، ممّا يُبرِّر لهم فرض وصايتهم عليهم حتى وهم كبار ، الأمر الذي يخلق حالة من النفور والنرفزة عند الشبّان والشابّات الذين يتطلّعون إلى تعامل فيه الكثير من الرحمة والتقدير والاحترام لشخصياتهم التي غادرت دنيا الصغار إلى دنيا الكبار .
فما زال الكثير من الآباء والاُمّهات حتى بعد بلوغ أبنائهم وبناتهم سنّ الشباب ، يوصونهم عندما يخرجون إلى معاهدهم أو أماكن عملهم ، أن ينتبهوا لئلاّ تدهسهم السيارة ، وإلى غير ذلك من الوصايا التي كانت صالحة في الطفولة ولم تعد مُناسِبَة بعدما اعتاد الشاب أو الشابّة على مراقبة الطريق ومعرفة الكثير ممّا شاكلها .
ومن الأخطاء أيضاً أن نفرض على أبنائنا صيغة معيّنة من العمل أو المهنة نحبّها ولا يحبّونها ، ذلك أنّ الشاب أو الشابّة شخصية مستقلّة لها رأيها وذوقها ورغبتها في عمل معيّن وكراهيّتها لعمل آخر ، فأن تفرض على ابنك نمطاً حياتياً أو عملياً معيّناً ، كأن يكون تاجراً مثلك أو طبيباً أو محامياً أو مهندساً أو أديباً ، يعني أ نّك تريدهُ نسخة طبق الأصل منك . والحال أ نّه يريد أن يكون نسخة أصلية من نفسـه ، أي أن يعيش أصالة شخصيّته ، وللوالدين الحقّ في أن يناقشاه في اختياره، وليس لهما أن يجبراه على خيار معيّن .
وهذا الخطأ الناتج عن التدخّل السافر في كلِّ ما يمتّ للأبناء والبنات بصلة ، يجرّ في العـادة إلى أخطاء مُماثلـة ، تدخل كلّها تحت عنوان التدخّل في الشـؤون الخاصّة للشاب أو الشابّة ، وسنفرِّق لاحقاً بين التدخّل وبين التشاور ، وبينه وبين الرعاية .
فالشبّان والشابّات عموماً يتضايقون كثيراً من التدخّلات المباشرة التي يقحم الأب والاُم فيها نفسيهما إقحاماً مُخلاًّ ومُسيئاً للعلاقة مع أبنائهما . فالتجسّس على الأبناء والبنات يُعقِّد العلاقة ويهدم جسور الثقة والتواصل ، ويدفع إلى مزيد من التكتّم والانغلاق حتى في الاُمور التي لا تستدعي ذلك . فكما أ نّنا ـ كآباء ـ لا نرغب في أن يتجسّس علينا أحد ، فكذلك الأبناء ، والنهي في الآية الكريمة (ولا تجسّسوا ) ([1]) ، كما هو واضح عامٌّ وشامل ، وسنميِّز لاحقاً بين ( التجسّس ) وبين ( المراقبة ) .
وقد يصل التدخّل أحياناً في الزواج وإجبار البنت أو الابن على قبول شريك حياة لا يهويانه ، وهذا ممّا يزيد في الطِّين بلّة ، وقد يقدمان على أعمال مُنافية للعُرف ، وقد يرضـخان ، فيعيشان النكد والخصومات المستمرّة ، وقد يبلغ الأمر درجة الطّلاق وإلى ما لا تُحمد عُقباه .
عن أبي يعفور ، عن أبي عبدالله جعفر الصادق (عليه السلام) ، قال : قلتُ له : إنِّي أريد أن أتزوّج إمرأة ، وإنّ أبوَيّ أرادا غيرها ، قال : «تزوّج التي هويت ودَع التي يهوى أبواك» . ذلك أنّ الذي يريد أن يتزوّج هو الابن أو البنت ، وليس الأب أو الاُم ، اللّذين لا يملكان في ذلك سوى حق المشورة والنصيحة .
ومن الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها الوالدان ، التمييز العاطفي والمادِّي بين الأبناء أنفسهم ، أو بين الأبناء وبين البنات ، الأمر الذي يخلق فجوة نفسية بين الذين يقع عليهم
التمييز وبين المميّزين ، وبين الذين يشعرون بحيف التمـييز وبين الوالدين . فقد يخصّ الأبوان أحد الأبناء بالعطف والمحبّة والهدايا والإشادة بصفاته ونشاطاته ، ويهملون الآخرين أو لا يوزِّعون ذلك بالتساوي بينهم .
ولقد نظر النـبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رجل له إبنان ، فرآه يُقبِّل أحدهما ويترك الآخر ، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فهلاّ ساويتَ بينهما» ؟!
فإذا كانت القُبـلة لأحد الأبنـاء تُشـعِر الآخر بالتمـييز ، فما بالكَ بالامتيـازات التي تُمنح لأحـدهما ويُحرَم الثاني منها ؟ والمسألة في خصوص الفتيات أعقد ، لأ نّهنّ أرقّ مشاعر وأرهف إحساساً . يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ساووا بين أولادكم في العطيّة ، فلو كنت مُفضِّلاً أحداً لفضّلت النِّساء» . وهذا ليس من باب التمييز ، بل من باب التقديم المعنوي وإشعار الجنس الناعم بلطف الاسلام وتقديره للمرأة .
وتجدرنا الاشـارة إلى أنّ هذه الأخطاء ـ وغيرها كثير لا يسمح المجال لذكره ـ قد تؤدِّي إلى الانكماش والعزلة والانطواء كنتيجة سلبيّة ، إذا لم تكن تؤدِّي إلى النزاع والاصطدام والشِّجار .

فوارق جوهـرية :
من الضروري أن نتّفق على تحديد واقع لمعاني ودلالات بعض المفاهيم المتداولة في الاُسرة حتى لا يُساء فهمها أو التعامل بها بشكل عكسي ، وحتى لا تختلط المصطلحات فيتصوّر المربِّي ـ أباً كان أو أمّاً ـ أ نّهما لم يخطئا بحقِّ ابنهما أو ابنتهما ، والحال أ نّهما قد يُخطئان وربّما من غير قصد للخطأ .

1 ـ ( الطاعة ) و ( الإحسان ) :
يتحدّث الكثير من الآباء والاُمّهات عن طاعة الأولاد لهم ووجوب الامتثـال لجميع أوامرهم ، فتلك هي مسـؤوليّتهم . وإذا لم يستجيبوا للأوامر والطّلبات حتى ولو كانت غريبة ، أو مُنافية للشّرع ، فإنّهم عُصاة متمرِّدون ، والحال أنّ الله سبحانه وتعالى أراد للإنسان إبناً أو بنتاً أن يكونا محسنين بالوالدين ، ولم يطلب منهما أن يطيعاهما إلاّ فيما هو طاعةٌ له . وهذه هي الأدلّة :
يقول تعالى: (وقضى ربّكَ ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاهُ وبالوالِدَينِ إحساناً )([2]).
فالعـبادة والطاعـة لله والإحسان للوالديـن . وكلمة ( الإحسان ) تنطوي على جانب أخلاقي تربوي أكثر من انطوائها على الإلزام ، بل ليس فيها شيء من الالزام ، على اعتبار
أنّ المحسن هو متطوِّع وليس مكلّفاً . ولذلك فإنّ الوالدين إذا أرادا إكراه أو إجبار أحد من أبنائهم أو بناتهم على فعل أمر مرفـوض شرعاً ، فإنّ من حقِّ هؤلاء أن لا يستجيبوا له ، بناءً على قوله تعالى : (وإن جاهداكَ على أن تُشرِك بي ما ليسَ لك بهِ عِلْم فلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنيا مَعْروفاً )([3]) . فهو إحسان في قِبال إحسان ، فلقد أحسنَ الوالدان في طفولة وصبا ، وعلى الأبناء أن يُحسنوا في هرم وشيخوخة ، وجزاء الاحسان ـ كما هو معروف ـ الاحسان ، وعلى الأبناء والبنات أن يُقابلا إحسان الأبوين بمثله أو أكبر منه ، وإن كان إحسان الوالدين ، مهما بلغ إحسان الأولاد
لا يُقاس ولا يُقارَن . وهذا هو قوله تعالى : (إمّا يبلغنّ عندكَ الكِبَر أحـدهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُل لَهُما قَوْلاً كَريماً ، واخْفض لَهُما جَـناحَ الذُّلِّ مِنَ الرّحْمَةِ ، وقُلْ رَبِّ ارْحَـمْهُما كَما رَبّياني صَغيراً )([4]) .
إنّ بعض الآباء وكثيراً من الاُمّهات يتعاملون مع أبنائهم وبناتهم على ضوء وجوب ردّ الجميل في الالتزام بالطاعة لهما ، ولعلّك تسمع منهم لهجة متشابهة ، فحواها : لقد أفنينا زهرة شبابنا من أجلهم ، فهل هذا هو جـزاؤنا ؟! والحقيقة هي أ نّنا كما قال ذلك الحكيم : «زرعوا فحصدنا ، ونزرع فيحصدون» . فتلك هي سنّة الحياة في الذين خلوا وفينا وفي الذين سيأتون من بعدنا . فالحديث إذاً يدور دائماً عن عملية إحسان في رعاية وأخلاق مُهذّبة وكلمات رقيقة دافئة ، وتعامل بالتي هي أحسن . وإلاّ فالحديث الشريف صريح في الامتناع عن التنفيذ إن كان الأمر بالمعصية «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالِق» .
أمّا الأمر بالطاعة لله ورسوله ولأوامر الدِّين الحنيف ، واجتناب المعاصي ، فهو ليس أمراً والدياً ، وإنّما هو أمر بما أمر الله ، والطاعة هنا مُفترَضة على الوالدين وعلى الأولاد على حدٍّ سواء .
وفي المحصِّـلة ، فإنّ المطلـوب من البنين والبنات ( الاحسان ) للوالدين وليس ( الطاعة ) التي هي في قبال طاعة الله ، فالوالدان ليسا مشرِّعين ، ولا يحقّ لهما فرض طاعة من الطاعات التي لم يقل بها الاسلام . أمّا ما جاء في بعض الأحاديث من طاعة الوالدين ، فالمُراد به إطاعتهما فيما أراده الله لا فيما يُخالف شريعته . وقد تكون الطاعة هنا بمعنى الاحسان والامتثال فيما يُسمّى بالأوامر الاشفاقية (([5])) .
أمّا (رضا) الوالدين فهو لا يتنافى أو يتعارض مع رضا الله سبحانه وتعالى ، فإذا كان تعامل الأولاد مع الوالدين بالإحسان ـ كما أراد الله تعالى ذلك ـ فإنّ الاحسان والبرّ بهما
سوف يُدخِل السرور والرِّضا والشّكر في قلوب الوالدين ، وهذا مَدعاة لرضا الله ، فلقد جاء في الحديث : «رضا الله في رضا الوالد ـ أمّاً أو أباً ـ ، وسخط الله في سخط الوالد» . فالرِّضا والسّخط هنا متعلِّقان بـ ( البرّ ) وبـ ( العقوق ) ، فحتى الوالدان المشركان ينبغي أن يكون التعامل معهما بإحسان (فلا تُطِعْهُما وصاحِـبْهُما في الدُّنيا مَعْروفاً )([6]) ، الأمر الذي يجـعلهما يرضـيان عن أبنائهما ، وبالتالي فإنّ ذلك قد يكون سبباً في هدايتهما .
وفي قصّة زكريا بن ابراهيم ـ النصرانيّ الذي أسلمَ ـ درس في ذلك وعبرة . فقد طلب من الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أن يبقى مع والديه النصرانيين لأنّ أمّه كفيفة البصر ، فأجابه الصادق (عليه السلام) إلى ذلك ، قائلاً : لا بأسَ عليك ، فانظر أمّك وبرّها ، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك ، كُن أنتَ الذي يقوم بشأنها (بتجهيزها) .
وعملَ زكريا بما أوصاهُ به جعفر ، فأخذ يُلاطف أمّه ويسبغ عليها من عطفه وحنانه ويُحسن خدمتها أكثر من ذي قبل . فقالت له ذات يوم : يا بُنيّ ما أراكَ كنتَ تصنعُ بي مثل هذا عندما كنتَ على دين النـصرانية ، فما الذي أراهُ منـك منذُ تركتَ هذا الدِّيـن ودخلتَ في الاسلام ؟! فذكر لها ما أوصاه به جعفر الصادق (عليه السلام) ، فقالت : يا بُنيّ ، دينكَ خير دين ، أعرضهُ عليّ . فعرضه عليها ، فدخلت في الاسلام .. وصلّت يومها وماتت في ليلتها . وفي الحديث : «برّ الوالدين من أكرم الطِّباع» ، وفيه أيضاً : «برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم» .

2 ـ (الحزم) و (القسوة) :
يتشدّد بعض الآباء والاُمّهات في التعامل مع أبنائهما لدرجة التضييق وشدّ الخناق وأحياناً الحرمان . وإذا سألت أحدهم : لماذا ذلك ؟ يقول : لا بدّ أن يكون الأب حازماً .. أو لا بدّ أن تكون الاُم صارمة ، وإلاّ أفلت الزِّمام .
ومع اتفاقنا على أنّ الزِّمام لا ينبغي أن يفلت ، وأنّ الاُمور البيتية والشؤون الاُسرية لا بدّ وأن تُدار بحكمة عالية ، إلاّ أنّ هناك فرقاً واضحاً بين (القسوة) وبين (الحزم) ، نُحدِّدها على ضوء ما يرى علم النفس في النقاط التالية :
أ ـ يُقال إنّ الحزم (متبصِّر) أي يُقدِّر حالة الأبناء والبنات والظروف المحيطة بهما ، والوضع النفسي لهما ، ولذلك فهو يتحرّك ضمن حدود معلومة . أمّا (القسوة) فهي (عمياء) لا تأخذ شيئاً من ذلك في الاعتبار ، ولذلك فليس لها حدود بل هي منفلتة .


ب ـ الحزم هو صدى الحكمة والعقل والاهتمام بمصلحة الشاب أو الشابّة ، أمّا القسوة فهي صدى الانفعال الذي تفوح منه رائحة الغضب المستشيط والسيطرة والخروج عن حدِّ المعقول .
ج ـ يستهدف (الحزم) مساعدة الشاب على اصلاح نفسه بنفسه ، فهو عادة مصحوب بالحبّ الصادق ، بينما تستهدف القسوة سلب إرادة الشاب المراهق وجعله عاجزاً عن اصلاح نفسـه ، لأ نّها مشفوعة بالانفعالات . ومن هنا فإنّ الحـزم عامل بناء ، والقسوة عامل هدم وتدمير .
د ـ ( الحزم ) يساعد على الاسـتقلال التدريجي وتحقـيق قدر أكبر من التكيّف ، بينما القسـوة لا تُحقِّق إلاّ العبودية وفقدان الاحساس بالمسؤولية ، وتحول دون تبلور الشخصية السوية .
فإذا ما فرّقنا في التعامل بين (القسوة) كأداة سلبية وبين (الحزم) كأداة إيجابية ، فإنّنا لا نحتاج إلى التأكيد على ضرورة الحزم ، وعدم ترك الاُمور كالحبل على الغارِب .

3 ـ (التجسّس) و (المراقبة) :
ما أن يبلغ الفتى مبلغ الشـباب ، وما أن تصل الفتاة إلى مرحلة البلوغ ، حتى يضعها الوالدان في دائرة المراقبـة ، فالشـك هنا يغلب اليقين ، والظنّ يغلب الثقة . لماذا يحصل ذلك ؟
في مرحلـة البـلوغ ، يبدأ الشـاب أو الشـابّة يعيشـان نوعاً من الاستقلالية عن الوالدين وهو أمر طبيعي ، لأنّ الاعتماد على الذات أمر يجب أن يُشجِّع عليه الوالدان ، فهذه علامة عافية في شخصية الأبناء ، بل يجب أن يتسرّب الخوف إلى الوالدين إذا بقيَ أبناؤهما مشدودين إليهما على نحو التبعيّة التي كانت في عهد الطفولة ، وعليهما أن يسعيا لإخراجهم منها .
ومن الطبيعي فإنّ الاستقلال يستدعي أن يُمارس الشاب أو الشابّة بعض الأعمال التي يعتبرانها من خصوصياتهما . ولايحبّان لأحد الاطِّلاع عليها . فإذا ما وجدا أباً أو اُمّاً يُفتِّشان في دفاترهما أو حقائبهما أو في أدراجهما ، فإنّهما يمتعضان أشدّ الامتعاض ، لأ نّهما يعتبران ذلك اختراقاً لحُرمة وانتهاكاً لحق . وماذا إذا واجه أحد الأبناء أباه أو أمّه بالقول : (يا أيُّها الّذينَ آمَنـوا اجتنبوا كثيراً منَ الظّنِّ إنّ بعضَ الظنِّ إثمٌ ولا تجسّسوا )([7]) ؟ هل يردّان عليـه بأنّ ذلك ليـس تجسّساً ؟ وإذاً فما معنى التجسّس إذا لم يكن هذا منه ؟ هل يقولان له إنّهما أبواه ولهما الحقّ في أن يُفتِّشا وينبشا في أشيائه الخصوصية ولا يحقّ له الاعتراض ؟ ألا يدفع ذلك الشاب أو الشابّة إلى مزيد من التكتّم
والسرِّية وارتكاب بعض المـخالفات بعيداً عن أعين الآباء والاُمّهات ، ممّا لا تجدي معه حتى الرقابة ؟!
فلماذا نُلجئهم إلى الهروب منّا والاسـتجارة بمَن هم أقلّ شـفقة ورحمة وعطفاً منّا عليهم ؟ أليسَ هذا الذي نعمله من البحـث في الأوراق والصّور والأدراج والمحفظات ودفاتر المذكّرات ، والتنصّت على الهواتف ، أسلوباً تنفيرياً ، يجعل الابن أو البنت يخشيان الوالدين كمَن يخشى عناصر المخابرات ؟!
وقد يثـير بعض الآباء احتـجاجاً : وهل نتركهم يتصرّفون كما يشاؤون وهم ما زالوا صغاراً لا يفقهون من الحياة شيئاً ؟ أليسَ تركهم وشأنهم تشـجيعاً لهم على ارتكاب المزيد من التجاوزات ، وإقامة العلاقات السيِّئة وربّما المشبوهة ؟
والجواب : إنّنا مع ( الرقابة ) ولسنا مع ( التجسّس ) ، فما هو يا ترى الفرق بين الاثنين ؟ فقد يقول بعض المربِّين أنّ ما نقوم به هو ( الرقابة ) من غير تمييز لهذه الحالة الايجابية عن ( التجسّس ) كحالة سلبية . فإذا ما عرّفـنا ( الرقابة ) وعرفنـاها ، فإنّ الشكل المرفوض لها سيتضح تلقائياً ودون عناء .
فالرقابة هي حالة التحسّس والاستشعار عن بُعد ، والمتابعة غير المباشرة لحركة الشاب أو الشابّة بما يفيد الاطمئنان من أ نّهما يتحرّكان بشكل صحيح ، وتشمل الأماكن التي يرتادها والأصدقاء الذين يُعاشرهم ، وخلواته مع نفسه .. وهي إذا انعدمت أو غابت ، فإنّها تؤدِّي إلى الانحراف والجنوح لا سمح الله ، وعلى ضوئها يمكن رسم خطّة التعامل مع الواقع والمستجدّات ، وإنقاذ الشاب أو الشابّة من المطبّات والمزالق في اللحظة المناسبة .
وهنا لا بدّ من التنبيه إلى أنّ الحرية الزائدة أو غير المسؤولة قد تتحـوّل إلى فوضى ، فلا تجـدي معها المراقبـة ، مثلُها مثل الكبـت الشديد .. كلاهما يؤثِّر تأثيراً سلبياً على الشاب أو الشابّة لا فرق .
وكلّما أحسنَ الأبوان المراقبة ، كانت النتائج أطيب ، وهي ليست كما يتصوّر البعض سرِّية ، فأنتَ حينما تتحدّث مع ابنك عن أصدقائه ، أو حينما تفتح الاُم الحديث مع ابنتها حول صديقاتها ، فلا بدّ من أن تكون العلاقة مكشوفة ومنظورة من قِبَل الأبوين ، لكنّ الأسئلة التفصيلية من قبيل : أين ذهبتم ؟ وماذا فعلتم ؟ ومَن كان معكم ؟ وماذا تحدّثتم ؟ يمكن أن تُطلب برواية قصّة يتشوّق الأبوان لسماعها بشكل طبيعي ، لا على طريقة التحقيق وتقديم الإفادات .
وثمّة أسلوب عملي مؤثِّر ينطبع في وعي الشاب أو الشابّة ، فالأب أو الاُم اللّذان يتحـدّثان بصراحة عن أماكن ذهابهما وساعات عودتهما وبعض ما جرى مع أصدقائهما ، قد يُشجِّع ذلك أبناءهما وبناتهما على أن يكونوا مثلهما .

وبالتالي ، فإنّنا ومهما دعت الأسباب إلى المراقبة، يجب أن لا نحاصر الشاب أو الشابّة إلاّ في حالات الخطورة القصوى التي نشعر فيها أنّ حياتهما أو أخلاقهما مُهدّدة ، علماً أنّ المراقبة والمتابعة الحكيمة سوف لن توصلهما إلى هذا الحد . كما أنّ تربية الأبناء والبنات على الضّبط والمراقبة الذاتية ، تجعلهما يُراقبان سلوكهما وعلاقاتهما جيِّداً ، وهذه هي أهمية الضـمير أو التقوى في نفوس الشباب ، فإذا ما شعرا أ نّهما مسؤولان عن أفعالهما وسلوكهما وأخطائهما ، فإنّهما سيكونان أكثر حرصاً على الانضباط والالتزام .
فتربية الأولاد منذ وقت مبكِّر ـ أي في سني الصِّبا ـ على أنّ الله سبحانه وتعالى أوكلَ بنا ملكين كاتبين : أحدهما يكتب الحسنات والآخر يكتب السيِّئات ، وهما يُراقباننا دائماً ويرصدان كلّ أقوالنا وأفعالنا ، وأنّ الله بعد ذلك هو الشاهد المطّلع على ذلك كلّه ، وعلى ما خفيَ على الشاهدين ، وأنّ المجتمع مسؤول عن رقابة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، تجعل الشباب يستشعرون برقابتين : داخلية وأخرى خارجية ، ممّا يُساعد في ضبط تصرّفاتهم بقدر استشعارهم أنّ ذلك لمصلحة الانسان المسلم وليس في الضدِّ منها .

4 ـ (الولاية) و (الرعاية) :
الأبوان مسؤولان بشكل مباشر وأساس عن رعاية وتربية الأبناء والبنات لحين بلوغهما سنّ الرُّشد ، فإذا ما بلغا هذه السنّ ، فليسَ للأبوين أن يفرضا ولايتهما ووصايتهما عليهما ، لأ نّهما أصبحا شخصيّتين قانونيّتين يتحمّلان مسؤولية أفعالهما المدنية أمام السلطات الحاكمة ، وشخصيّتين مكلّفتين تكليفاً شرعياً يتحمّلان مسؤوليتهما الشرعية أمام الله سبحانه وتعالى .
فليس هناك أيّة ولاية على الفتاة العاقلة الرشيدة التي تستطيع إدارة أمرها ، تماماً كما أ نّه ليس هناك أيّة ولاية على الفتى العاقل البالغ الرّشيد ، لأنّ الانسان إذا بلغ الحُلُم وكان رشيداً ، فإنّه يملك أمره ، وذلك قوله تعالى : (وابتلُوا اليتامى حتّى إذا بَلَغُوا النِّكاح فإن آنستُم منهُم رُشْـداً فادْفَعُوا إليهِم أموالهم )([8]) . وكما هو معلوم ، فإنّ حرِّية التصرّف بالمال تمنح للانسان العاقل الرّشيد حتى لا يُبذِّر أمواله أو يتلفها أو يسيء استخدامها كما يفعل السّفيه .
وأمّا الاحتياطات أو الاحترازات التي يضعها الفقهاء في سبيل تقليص فرص انخداع الفتاة في قرار الزواج ، بحيث تعطي وليّ الأمر ـ أباً أو جدّاً ـ حقّ الاستشارة ، فلأنّ تجربة الفتاة قد لا تكون كافية في تقييم الشاب المتقدِّم لزواجها ، ممّا يتسبّب أحياناً بتحوّلها إلى ضحيّة في المجتمع الذي يكـثر فيه التلاعب والغشّ والتدليس . فهذا ـ كما يُعـبِّر الفقهاء ـ ليس نقصاً في ( الأهلية ) وإنّما هو ( احتياط ) للمستقبل .

ومن هنا ، فلا ينبغي أن تسقط الرعاية والعناية والمشورة الأبوية حتى في مراحل العمر المتقدِّمة ، لأ نّهما أخلص وأحبّ الناس إلينا ، ولأنّ تجربتهما أغنى من تجاربنا ، فالأب أو الاُم اللّذان يحترمان أبناءهما وبناتهما ، لا يُمارسان سلطة الولاية عليهما ، بل يتعاملان معهما كمُرشدين في شؤونهما ، وكمعاونين في حلِّ مشكلاتهما ، أي أن يكونا المرجع الأوّل في ذلك . ولا شكّ أنّ هناك فرقاً كبيراً بين ( المستشار ) وبين ( الوليّ ) ، فولاية الأمر مطلوبة قبل البلوغ ، أمّا بعد البلوغ فالمشورة هي المطلوبة .
وباختصار ، فإنّ (الولاية) التي يتشبّث بها بعض الآباء والاُمّهات مع الشبّان والشابّات ، تفرض دسّ الأنف والتدخّل في الصغيرة والكبيرة ، في حين أنّ (المشورة) تجعلهما في موضع النصيحة وتسديد الخطى والقرارات في الأساسيات وليس في الفرعيات .

5 ـ (الاستقلال) و (الانفصال) :
في بلاد الغرب ، ما أن يبلغ الطفل سنّ المراهقة ، حتى تتيح له السلطات المحلِّية أن ينفصل عن والديه باعتباره شخصية مستقلّة ، ويُشبِّهون ذلك بالثمرة الناضجة التي لا بدّ أن تسقط من الشجرة .
والتشبيه هنا ليس تامّاً أو متطابقاً ، فالشاب غير الثمرة ، إنّ علاقة الثمرة بالشجرة تنتهي بمجرّد سقوطها منها ، أمّا علاقة الشاب بعائلته ـ كما هو منهج التربية في الاسلام ـ فباقية متّصلة حتى مع استقلال شخصيّته من الناحيتين العملية والشرعية ، أي أ نّه يتواصل ويتفاعل اجتماعياً مع الوالديـن ، ليس في حياتهما فقط ، بل بعد وفاتهما أيضاً ، ففي الدّعـاء : «اللّهمّ اغفِر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وتابع اللّهمّ بيننا وبينهم بالخيرات» .
فنحنُ دُعاة استقلال ، ولسنا دُعاة انفصال بالمعنى الغربي الذي يصبح فيه الإبن غريباً على عائلته كما تصبح هي غريبة عليه . والأب العاقل الحصيف وكذلك الاُم العاقلة الرشيدة ، هما اللّذان يُساعدان أبناءهما وبناتهما على الاستقلال عنهما بما يصطلح عليه بعض علماء النفس بـ (الفِطام) النفسي والاجتماعي الذي يبني عندهما حالة الاعتماد على الذات ويُشعرهما أ نّهما باتا يتعاملان معهما كإخوة وأخوات .
فالاستقلال المالي ـ مثلاً ـ مطمح يطمح إليه الشاب ، لأ نّه يُشكِّل جزءاً من شخصيته واعتماده على نفسه ، وهنا يأتي دور الوالدين في الإشارة إلى العمل المناسب ، وفي ذلك يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «حقّ الولد على والدهِ أن يُحسن إسمه وأدبه ويضعه موضعاً صالحاً» . فالارشاد إلى العمل الصالح والكسب الحلال هو مسؤولية الأبوين اللّذين يساعدان أولادهما على التحرّر من تبعيّتهما المالية ، وليس لهما أن يفرضا نمطاً معيّناً من المهن والأعمال .
ويميِّز بعض علماء النفس بين الولاية كتدخّل مباشر وبين الرعاية كتدخّل غير مباشر ، بنقاط منها :
1 ـ تستلزم (الرعاية) الاستعانة بعمليّتي (الاقناع) و (الاقتناع) ، أمّا (الولاية) والوصاية فتستلزِم الفرض أو الإلزام .
2 ـ تعتمد (الرعاية) الوسائل المستخدمة بحسب المقام والظروف ، أمّا الولاية كتدخّل مباشر فلا تؤمن إلاّ بوسيلة واحدة وهي الفرض .
3 ـ تأخذ (الرعاية) بالفهم التطوّري للانسان ، وتتطلّب التفاعل المشترَك بين الآباء والأبناء ، بينما تنفي الوصاية ذلك .
4 ـ الرعاية توفِّر الطمأنينة ، أمّا الولاية فتُصادِر الشخصية وتورِث القلَق ، ذلك أنّ الرعاية تُشجِّع على إبداء الرّأي ، أمّا الوصاية فتلغي هذه الحرِّية أو تقلعها .
وفي المحصِّلة ، فإنّ من مزايا الرعاية أ نّها تحقِّق أصالة الشخصية ، فيكون التصرّف والسلوك نابعين من الداخل ، أي أنّ شخصية الشاب أو الشابّة تسلكان في أجواء الرعاية سلوكاً ذاتياً حرّاً وليس مفروضاً عليهما من الخارج ، الأمر الذي يوفِّر فرصة التقدّم والنموّ والانفتاح على الحياة والشعور بالمسؤولية .

نقاط الاختلاف بين الجيلين :
ولأجل أن نصل إلى تفاهم مشترك وجو أسريّ صحِّي يسوده الاحترام والمحبّة والتعاون ، لا بدّ لنا أيضاً كآباء وكأبناء أن نتعرّف على مظاهر الاختلاف بين الجيلين، لكي يفهم كلّ جيل طبيعة الجيل الآخر، لا أن ينتقده أو ينتقص من قدره أو يهزأ ويسـخر منه ، وإنّما ليُدرِك الفوارق الطبيعية لكلِّ مرحلة من مراحل العمر، فلايعدّ شيئاً منها منقصة .
وقد ذكر بعض الباحثين العديد من الفوارق ، ومنها :
ـ الشبّان يطمحون إلى الجديد ، فيما الكبار يرفضون الجديد ويألفون القديم .
ـ الشبّان يعيشون الروح الثورية المغامرة من جرأة وتهوّر واندفاع ، فيما تسيطر على الكبار الالفة للعادات والتقاليد ، أي أ نّهم محافظون محتاطون .
ـ الشبّان ـ في الغالِب ـ خياليون نظريّون ، والكبار ـ في العادة ـ نظاميون وعمليون بدرجة أكبر .
ـ الشبّان ـ في الأعم الأغلب ـ متفائلون ، والكبار ـ بشكل عام ـ يعتقدون بالجدّ والسّعي .
ـ الشبّان متسرِّعون ، والكبار يتريّثون .
ـ الشبّان يستغرقون في المستقبل ، والكبار يستغرقون في الماضي .
ـ تجارب الشبّان ـ عادة ـ قليلة ، وتجارب الكبار ـ في العادة ـ كثيرة .
ـ الشبّان يسعون إلى أن تنسجم البيئةُ معهم ، والكبار ينسجمون مع البيئة .
ولكن هذه الفـوارق ليست نهائيـة ، ولا هي خاصّة بجيل دون جيل ، فقد تجد شبّاناً متريِّثين ، وقد تجد كباراً متسرِّعين ، وقد تجد كباراً طموحين وشبّاناً لا يعيشون التطلّع والطموح ، فالأمر يرجع إلى تربية كلّ شخص وخلفيّته الثقافية وتجاربه التي عاشها . فهي فوارق يُنظَر إليها في الاطار العام وليس على المستوى الفردي لكل شخص .
والأمر المهم في معرفة هذه الفوارق أو الاختلافات الطبيعية أ نّها تخفِّف من حملات الهجوم التي يشنّها كلّ جيل ضدّ الجيل الآخر ، فكما أنّ على الأب الكبير أن يُقدِّر احترام الشبّان للجديد ، فعلى هؤلاء أيضاً أن يُقدِّروا احترام الكبار للقديم ، ذلك أنّ طبيعة الأشياء تفرض أنْ ليس هناك مطلقٌ في أفضليّة الجديد على القديم ، ولا القديم على الجديد ، فلكلٍّ إيجابياته ولكلٍّ سلبيّاته ، والعاقل ـ في الشبّان وفي الكبار ـ الذي يأخذ من الأشياء أحسنها .
ومعرفة الفوارق تتطلّب أيضاً معرفة الوضع النفسي لكلِّ جيل ، فالشاب متسرِّع لأنّ دماء الشباب تفور في جسده ، وهو يريد أن يصل إلى مُبتغاه بأقصى سرعة ، وربّما يُفكِّر بطيِّ المراحل أحياناً ، وهذا الأمر ليس سلبياً دائماً ولا إيجابياً دائماً ، فقد تحتاج بعض المراحل إلى حرق وتجاوز السّير السلحفاتي في قطع المسافات ، خاصّة مع توافر الإرادة والجدِّية والرّوح المثابرة والاستعداد النفسي لاختصار المسافة ، كما في ضغط بعض المراحل الدراسية .
أمّا القفز على السلّم وعدم التفكير بعواقب الاُمور وعدم طبخها على نار هادئة ، فقد يجعل الصّدمة في بعض الأحيان كبيرة .
أمّا الأب الكبير في السنّ ، فقد يعيش الهدوء والتريّث والصّبر ، وربّما التردّد ليس من جهة وضعه الصحِّي فقط ، بل نتيجة لما عاشه من بعض التجارب والصّدمات ، وربّما تقديره أنّ اللّهاث خلف بعض الرّغبات قد يمكّن من إدراكها ، لكن ذلك سيكون على حساب أمور أكثر أهمية ، وما إلى ذلك .
فليس في تسرّع الشباب عيب إلاّ إذا كان قفزاً على السلّم ، ولا في تريّث الكبار عيب لا سيّما إذا كان زهداً في بعض مطامح الحياة الدّنيا . ولذا لا بدّ للجيـلين من أن يتّفقا أو يتوافقا على أنّ في كلّ مرحلة حسنات وسيِّئات ، وأنّ الأجـيال تتكامل ، والحـياة تحتاج إلى كلّ الجيل الشابّ ، وإلى كلّ الجيل المسنّ ، لأنّ طبيعتها تفرض أن يجتمع ( الحار ) و ( البارد ) في أسلاك الكهرباء حتى يتدفّق النور .
ولقد أجرى أحد الباحثين العاملين في السلك التربوي حواراً بين (الجذور) في الشجرة وبين ( الأغصان)، ممثِّلاً للآباء والأجداد بالجذور ، وللأبناء والأحفاد بالأغصان ، فكان الحوار في البداية يعكس تشبّث الجذور بقيمتها وقيمها ، وتمسّك الأغصان بخصالها وخصائصها .
ومن النقد الذي وجّهته الأغصان للجذور أ نّها تعيش تحت التربة وتقبع في الظّلام ، بينما هي تعيش في النور وفي الهواء الطّلِق ، وكان الجواب الحكيم للجذور أنّ غذاء تلك الأغصان يأتي عن طريقها ( أي من الجذور ) ، كما أنّ الجذور تبقى حيّة بما تستمدّه الأغصان من ضوء الشمس والهـواء النقي ، فهما (نسغٌ صاعد ) و (نسغٌ نازِل ) ، ولا يمكن للشجرة أن تقوم إلاّ بهما معاً .
وهكذا هي شجرة الحياة لا تقوم ولا تستوي على جذعها إلاّ بالآباء والأجداد وبالأبناء والأحفاد ، فلو دام التواصل بين الجيلين لتجاوزَ الشبّان الكثير من اضطرابات مرحلتهم ، ولاغتنى الآباء بالدماء الجديدة الشابّة التي تُحرِّك حياتهم في تلمّس نبض العصر وإيقاعه .

الآباء والشؤون الدراسية للأبناء :
الآباء والاُمّهات وبسبب حرصهم الشديد على مستقبل أولادهم ، لا ينفكّون عن دعوتهم باستمرار إلى الاهتمام بدراستهم ، وهو أمر حَسِن ويعبِّر عن تقدير حقيقي لمصلحة الطالب (بنتاً كان أم ابناً ) .
لكنّ الذي يحصل في الكثير من البيوتات هو الالحاح ـ في مناسبة وغير مناسبة ـ على القراءة والمذاكرة والمطالعة لا سيّما في أيام الفحص والاختبار . وقد ينسى الوالدان أنّ للطالب وضعه النفسي والمزاجي الذي قد لا يُشجِّعه على القراءة . وقد يكون الجوّ البيتيّ غير مناسب بما يحدثه الصِّغار من ضجيج ، أو بما يتردّد على البيت من ضيوف ، أو بسبب ضيق البيت ، أو ارتفاع صوت المذياع أو التلفاز إلى غير ذلك من المضايقات .
في هذه الحالة ، يمكن معالجة الموقف بالمقترحات التالية :
ـ إنّ بعض الاُسر لا يمكنها تغيير مساكنها بأخرى أفضل منها ، بسبب ظروفها المعاشية ، لكنّها يمكن أن تغيِّر برنامجها اليوميّ ، أو تضغطه في أيام المذاكرة والامتحانات .
ـ إنّ التذكير بالنتائج السلبية للاهمال والتقاعس والتقصير يجعل الشاب يراجع نفسه ، كما أنّ التذكير بالنتائج الايجابية للمذاكرة وللمستقبل يشجِّعه على شدّ عزيمته .
ـ وقد تكون مشكلة الطالب هي الطريقة أو المنهج الذي يسلكه للمذاكرة ، وهنا يمكن إرشاده إلى تجارب الوالدين أو تجارب الآخرين التعليمية ، كما لو نعلِّمه طريقة إعداد الملخّصات والمختصرات ، أو في تعليق بعض النظريات والمعادلات والقوانين المكتوبة بشكل بارز أمامه في غرفته ، أو بالاستعانة بأخيه المتقدِّم بدراسته ليشرح له النقاط الصعبة والغامضة ، أو يطرح عليه بعض الأسئلة لمعرفة مدى استيعابه ، وما شاكل ذلك .
وهنا تأتي أيضاً مسألة الاهتمام بالهوايات وتعارضها مع الدراسة ، فموقف الكثير من الآباء والاُمّهات من هوايات أبنائهم وبناتهم سلبيّ ، لأنّهم يعتبرون الهواية مهما كانت ذات قيمة ، مضيعة للوقت ، والجهد الذي يُبذَل فيها يجب أن يُبذَل في الدراسة والتحصيل العلمي .
ومع أنّ التزاحم بين الدراسة وممارسة الهوايات يجب أن نبحث له عن حل حتى لا يؤثِّر الذي يمكن تأخيره على الذي لا يمكن تأجيله ، إلاّ أنّ مراعاة الاسلوب المناسب في تحاشي الهجوم النقدي اللاّذِع والمستخفّ بالهوايات ، والتأكيد على أنّ العطلة آتية وفيها متّسع لأن تمارس هواياتك بحرِّية تامّة ، وسأعمل على أن أوفِّر لك بعض ما يُساعدك في ذلك ، أو أنّ الهواية يمكن أن تنتظر ، أمّا الدراسة فلا تستطيع الانتظار ، وما ناظر من أسلوب فنِّي يجعل الشاب يعيد حساباته ، بعكس ما لو أخفينا أدوات رسمه أو كتاباته أو الأجهزة التي يمارس من خلالها هواياته ، أو حطّمناها ، فإنّ ذلك مدعاة لزيادة التشبّث بها ، فـ «الانسان حريص على ما مُنِع» ، وسبب في تراجع الطالب الدراسي لما قد يعانيه من اضطراب نفسي جرّاء ذلك .

الشورى الاُسريّة :
ونأتي إلى الحلّ الأمثل للمواجهة بين الآباء والأبناء ، فكما هو معلوم أنّ طرق التفاهم كثيرة ، وقد ذكرنا في الصفحات السابقة عدداً منها ، لكنّنا نطرح هنا مشروعاً للتفاهم والانسجام ، ونترك لكلِّ أسرة أن تجرِّبه وتنقِّحه على حسب طبيعة تلك العائلة .
فماذا لو عملنا على تشكيل (مجلس شورى) في البيت ؟
الأمر لا يحتاج إلى تعقيدات المجالس الشعبية أو البرلمانية .. إنّ مجرّد الاتفاق على عقد لقاء أسبوعي أو دوري بين أفراد الاُسرة للتداول في شؤونها ، يحقِّق المرجوّ من هذا الاقتراح .
يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الولد سيِّد سبع سنين ، وعبد سبع سنين ، ووزير سبع سنين» . وما يهمّنا من الحـديث شطره الأخير «ووزير سبع سنين» ، أي أنّ هناك نقلة نوعية في حياة الشاب يتحوّل فيها إلى (مُستشار ) لوالديه ، يتشاور ويتحاور معهما ويُبادلهما الرأي ، فلقد باتَ من حقِّه أن يبدي رأيه ـ صحيحاً كان أم خاطئاً ـ ولا بدّ أن يُحترَم رأيه في الحالين بأن يُثنى على صحّة رأيه وأن يُنبِّه إلى خطئه بالتي هي أحسن . أمّا كلمات من قبيل «نفِّذ ثمّ ناقِش» أو «إعمل ولا تُجادل» ، فأسلوب سلطوي يمقته الشاب ويتمرّد عليه .
فممّا لا شكّ فيه أنّ من أهم عوامل الانسجام هو احترام الجميع والوقوف من جميع أفراد الاُسرة على مسافة متقاربة . وقد قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «جُبلَت القلوب على حُبِّ مَن أحسنَ إليها ، وبغض مَن أساء إليها» ، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لو اجتمعتم على البرِّ لتحاببتم» .
فلا شيء أكثر تأثيراً في تربية الأبناء والبنات من حق إبداء الرأي واحترام الشـخصية . وهذا ما أشارت إليه كلمة ( الوزير ) في قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتي
تنطوي على المشاورة والمعاونة والتعاطي الاجتماعي على النحو الذي يرتفع بالشاب من مستوى طفل مسيّر ومأمور وربّما سلبي ، إلى شخصية ايجابية مساهمة وفعّالة .
ويمكن إعداد صيغة تتناسب وطبيعة كل عائلة ، فقد يكون المجلس العائلي ندوة مفتوحة للمناقشة في شؤون المنزل . وقد يكون فيه تعيين أو انتـخاب للادارة والتصـويت على بعض الآراء وتثبيت محضر بالجلسة لتدوين القرارات والتوصيات ومتابعتها في الجلسة القادمة .
ولسنا نتوقّف كثيراً عند الشكل ، فأيّة صيغة اعتُمدت فإنّ الهدف يجب أن يكون تقوية أواصر المحبّة والتعاون والتفاهم بين أفراد الاُسرة . ففي هذا المجلس يمكن انضاج الكثير من الأفكار التي تدور في ذهن الوالدين أو ذهن الأبناء بالحوار الهادئ والمناقشة التي يسودها الحبّ والتفاهم والاقناع وتقديم المقترحات والحلول للمشكلات التي تواجه بعض أفراد العائلة أو الاُسرة ككل .
وممّا تجدر الاشارة إليه أنّ نقاء نفوس وطهارة قلوب الصغار والشبّان ـ بنات وبنين ـ قد يساعد في تقديم تصـوّرات مهمّة عن شؤون البيت ربّما لا تخطر حتى على بال الأبوين نفسيهما .
أمّا ما يمكن أن نجنيه من هذه الشورى أو هذا المجلس ، فهو :
1 ـ تتحوّل الاُسرة من مجرّد تجمّع كمِّي إلى مكان يتبادل فيه الجميع الخبرات والتصوّرات والآراء .
2 ـ تحـقّق قدراً لا بأس به من الشـعور بالمسـؤولية الجماعية التضامنيـة ، وسيكون شـعار كلّ فرد فيها «إدارة البيت وسعادته مسؤوليتنا جميعاً» .
3 ـ ستكون عملية توزيع المهام والتكاليف وتقسيم الأعمال والوظائف مهمّة سهلة ومقبولة من لدُن الجميع الذين يشعرون أنّ الفرص تتكافأ أمامهم .
4 ـ ما يجري من حوار ونقاش واحترام للرأي وللرأي الآخر ، هو عملية إعداد وتأهيل للمستقبل الذي سيخرج أبناء وبنات هذا البيـت الذي يعتمد أسلوب الحوار ليواجهوا الحياة بثقة أكبر ، وسيتعلّمون كيف يُخطِّطون ، وكيف يواجهون مشاكلهم ، بل ويمتدّ أثرها إلى مستقبل تربيتهم لأبنائهم .
5 ـ من شأن هذه المجالس أن تذوِّب الفواصل والاحتكاكات والغيبة والاتهامات ، بل وتعكس الصـورة إلى التوافـق والانسـجام والتجانس بما توفِّره من أجواء التدريب على النقد الذاتي والاجتماعي .
لكنّ المشروع على ما ينطوي عليه من سهولة في الطرح والتصوّر إلاّ أ نّه عملي ويحتاج إلى فترة زمنية كافية حتى يؤتي ثماره الطيِّبة ، كما يحتاج إلى شروط إنجاح ، فلا بدّ للأب كمدير للجلسة أو المجلس من التوافر على ما يلي :
1 ـ أن يكون قادراً على ترجيح كفّة ( الحاجات ) الأساسية على ( الرغبات ) العابرة ، أي أن تكون له القدرة على تقدير الأولويات .
2 ـ أن يكون مُلمّاً بتطوّر العصر وإيقاعه والظروف المتغيِّرة ، لأ نّه يتعامل مع جيل جديد خُلِقَ لزمان غير زمانه ، وأن تكون لديه قدرة على الاقناع ، واستعداد للاقتناع .
3 ـ أن يكون مثقّفاً بالثقافة الشرعية والحدود التي يميِّز فيها بين حلال المسائل وحرامها .
4 ـ أن يكون منفتحاً في تقبّل جميع الآراء حتى تلك التي تبدو مُزعجة أو غير معقولة ، وأن يناقشها مع باقي أفراد الاُسرة بالحكمة والموعظة الحسـنة ، وأن يبدي المشـورة والنّصح لمن يحتاجهما ، وأن يفضّ النزاع بين الإخوة كحكم عدل .
5 ـ أن يتمتّع بصفة حسن الاصغاء للجميع وعدم المقاطعة كونه مديراً للجلسة ، وأن يعطي الحقّ في الكلام للجميع ، ويعطي حقّ الردّ والدفاع لمن يريد أن يُدافع عن وجهة نظره ، أو عن اتهام وُجِّه إليه ، كما أنّ الهدوء وإيضاح بعض الآراء التي قد لا يحسن الأبناء تقديمها ، واختيار طبقة الصوت المشفوعة بالحبّ والإخلاص والعطف .. كل ذلك من متطلّبات نجاح هذه المجالس .
وممّا ينبغي الالتفات إليه أيضاً هو أنّ هذه المجالس بالأمانات ، أي أنّ أسرارها يجب أن لا تتسرّب إلى الخارج ، فنقل بعض الاُمور التي تعدّ شأناً داخليّاً لا يصحّ من أي فرد من أفراد مجلس الشورى العائلي لا سيّما إذا كان الأمر متعلِّقاً بأحد أفراد الاُسرة المعروفين لدى السامع خشية أن يجرح ذلك إحساسه ، ومَن يدري فقد يقاطع جلسات المجلس إذا افتضح أو كشف سرّه أمام الآخرين .
وخلاصة القول ، إنّ أهم حصاد يمكن أن يحصل عليه الوالدان من ذلك ، هو بناء أسرة متفاهمة متحاورة تناقش القضايا المشتركة ، وتذوِّب الحـواجز ، وتحلّ مشاكلها بالتـعاون ، وتعدّ لمستقبل أفضل لأبناء وبنات واثقين من أنفسهم وآرائهم .

شـهادات :
وفي الخـتام ، ننقل شهادتين واقعـيّتين : إحداهما لأب يتعامل مع أبنائه بالأسلوب الحكيم ، والاُخرى لأحد أولاده وهو يقدِّم تصوّره عن تربية أبيه له ولإخوانه وأخواته ، وذلك لكي نثبت أنّ ما طرحناه ليس شيئاً مثالياً، وعسى أن نستفيد ـ آباءً وأبناءً ـ من تجارب الآخرين.


شهادة أب :
«أحاول أن أكون صديقاً لهم .. لا أحاول أن أفرض نفسي على أحد من أولادي وبناتي .. وعندما ألاحظ منهم بعض الأخطاء لا أنبِّههم إلى ذلك بالقسوة والضّرب ، بل بالايحاء والإيماء والتعابير الخاصّة والكلمات الروحية ، وأخرى القاسية التي لا تجرحهم .
أحبّ لهم أن يعيشوا حياتهم .. وقد ساعدتهم في اختياراتهم في الحياة .. كنت أتركهم يعملون ولا أتدخّل في عملهم حتى يستفيدوا من الخطأ في تجاربهم التي أحاول أن أتحدّث معهم في سلبياتها وإيجابياتها .
أحاول كثيراً أن تكون تربيتي لهم مُنفتحة على إنسانيّتهم وليست تربية فوقيّة.. عشتُ معهم ولاأزال أعيش معهم كصديق.. وقد ربحتُ من هذه الصداقة الثقة ، فأنا أعيش في داخل بيتي جوّاً حميماً مع أولادي الصِّغار والكبار الذين يتكلّمون معي من دون أي تحفّظ ، فأنا أحرص أن لا يكون هناك حاجز بيني وبينهم .
وأرى أنّ على الأب أن يكون مستودَع أسرار أبنائه حتى لا يضطرّهم إلى إعطاء أسرارهم إلى الآخرين .. وأن يفسح لهم المجال في أن يُصادقوه» .

شهادة إبن :
«إنّه صديقي ومُرشدي وقدوتي في هذه الحياة .. كان يحرص على أن نكون صديقين ، وأيّة مشكلة تطرأ في دراستي أو عملي كان يقول لي : فلنكن صديقين .. إفتح لي قلبك لنحاول أن نحلّ المشكلة معاً .. ونفكِّر في الحلِّ معاً.. لا يُحاول أن يفرض نفسه علينا .. ويتجنّب القول : أريد منك كذا ، أو يجب أن تفعل كذا ، ويترك لكلّ منّا حرِّية اختيار ما يحبّ ويتصرّف بالشكل الذي يهواهُ ضمن إطار الحلال والحرام .. وإذا كان هناك تجاوز للحرام ، فإنّه يتدخّل بشكل حاسم .. وكان يُراقب عن بُعد ربّما لتقـويم أي خلل في سلوكنا بأسلوب غير مباشر ، فلا يفرض نفسه علينا حتى في كلمة ..
ليست هناك ازدواجيـة بين الخارج وبين الداخل .. ما يتكلّم به الوالد في الخارج يُطبِّقه في الداخل ..
لا يرسم لي مستقبلاً بقدر ما يصوِّب لي اختياري للمستقبل ..
علّمنا أن نطمح لكي نكون أفضل منـه ، بل علّمنا أن نطمح إلى المثل الكامل لكي نصبو إليه » .



([1]) الحجرات / 12 .
([2]) الإسراء / 3 .
([3]) العنكبوت / 8 .
([4]) العنكبوت / 8 .
([5]) الأوامر الاشـفاقية هي الاُمور التي تقوِّي الاحسان ولا تتعارض مع الأوامر الربّانية ، كأن يستجيب للبقاء معهما في مسكن واحد .
([6]) لقمان / 15 .
([7]) الحجرات / 12 .
([8]) النِّساء / 6 .

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 سورة الدهر في كتب السنة
0 اية الاعتصام في كتب السنة
0 اية المباهلة /اسئلة واجوبة
0 تحريف ابن القيم وحذفه اسم الامام علي(ع)من ايه المباهله
0 اية المباهلة في كتب السنة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 08:30 AM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.2 © 2000 - 2017
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية