العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية المنتدى العام منتدى استراحة الحوار الحر

منتدى استراحة الحوار الحر المنتدى مخصص لمواضيع النقاش والحوار الحر

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 712
بمعدل : 0.72 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : منتدى استراحة الحوار الحر
افتراضي انحراف الشباب
قديم بتاريخ : 03-09-2017 الساعة : 05:51 PM


انحراف الشباب
أسئلة ابتدائية
1- ما هو الانحراف؟
الانحراف هو الخروج عن الخطّ والميلان عنه.
فإذا خرج السائق عن خطّ السير نقول إنّه انحرف عن الطريق.
وإذا سار النهرُ باتجاه آخر غير مجراه الرئيس، نقول إنّ النهر انحرف عن مجراه.
وإذا خرجت المركبة الفضائية عن مدارها، قلنا إنّ المركبة انحرفت عن المدار.
وإذا خرج المسلمُ عن ضوابط الدين وقواعد الشريعة، نقول عنه كما نقول عن السائق أو النهر أو المركبة، إنّه خرج عن خطّ السير أو منهاج الشريعة.
2- هل خطّ السير قيد؟
ربّما كان في الظاهر كذلك.
لكنّنا يمكن أن نسمّيه بالقيد الايجابي الذي فيه مصلحة للإنسان المسلم، أي الذي يحفظ له سلامته البدنية والعقلية والنفسية، ويحميه من عدوانه على نفسه، أو عدوان الغير عليه.
الانحراف إذن خروج عن الحدّ.. فهو (شطط) و(شذوذ) و(تطرّف) والقرآن يعبّر عنه تارة بـ(الفسق) وهو خروج كل ذي قشر عن قشره، فيقال فسقت النواة أي خرجت عن التمرة، والمراد به اصطلاحاً العصيان وتجاوز حدود الشرع، فحينما يقال فسق عن أمر ربّه أي خرج عن طاعته.
فـ(الفسق) انحراف.
ويعبّر عنه تارة أخرى بـ(الزيغ) وهو الميل عن المقصد، أوالميل عن الطريق، أي الاعوجاج بعد الاستقامة.
فـ(الزيغ) انحراف.
ويعبّر عنه ثالثة بـ(الضلال) وضلَّ يعني تاه.
فـ(الضلال) انحراف أيضاً.
هناك إذن خط سير لكلّ شيء، وهو ما يعبّر عنه القرآن بكلمة (الهُدى): (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه/ 50)، (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى/ 2-3)، وكما للسير أو المرور في الطريق قواعده وقوانينه التي تحمي السائق والمارّة من المخاطر، فكذلك لكلّ مخلوق وكائن حيّ قواعد وقوانين تنظّم له حياته.
هل بإمكانه أن يخرج عنها؟
نعم، فهو حرّ في السير عليها أو الانحراف عنها، لكنّ خروجه عن حدّ أو خطّ السير سيكلّفه ويكلّف الآخرين الكثير.
أما رأيتَ كيف أنّ خروج السائق أو انحرافه عن الجادّة يؤدي إلى حوادث مؤسفة؟ وإنّ خروج النهر عن مجراه – خاصّة في أيام الفيضانات – كيف يؤدي إلى ازهاق الأرواح وتدمير البيوت والمزارع والممتلكات؟
وكيف أنّ المسلم الفاسق الذي لا يراعي حرمة لشيء، ينتهك القوانين والمقدسات، ويضرب الضوابط والتعاليم عرض الجدار، فيعتدي على الأموال والأعراض والأرواح ولا يبالي؟
ماذا بعدَ الانحراف؟
إذا ازداد الانحراف أو تُرك من غير علاج، فلم يثب المنحرف إلى رشده، ولم يرجع إلى خط السير فإن انحرافه سيقوده إلى (الضياع). فالانحراف مقدمة أو خطوة على طريق الضياع.
هل حصل لك أن خرجت عن الطريق العام أو المعتاد، وسلكت طريقاً لم يسبق أن مشيت فيه، وإذا بك بعد شوط من المسير في الطريق غير المعهود تجد نفسك قد تهت وضللت الطريق ولابدّ أن تسأل العارفين به: أنا تائه أين الطريق؟!
المزيد من الانحراف يعني ضياعاً، وإذا كان بإمكان المنحرف أن يؤوب إلى الطريق، فإنّه كالسائق الذي انتبه سريعاً وعاود السير على الطريق العام، ليتفادى المخاطر المحتملة من قبل أن تودي بحياته.
أمّا المنحرف الذي ترك لنفسه الإنزلاق التام، والانحدار مع الانحراف يأخذه أين يشاء، فإنّه سوف يضيع، وليس كلّ مَن ضاع عاد إلى مكانه الصحيح، وليس كل مريض تماثل للشفاء، ولا كلّ منحرف رجع إلى خط الاستقامة.

- ما هي مواصفات المنحرف:
هل للشاب المنحرف أو الفتاة المنحرفة صفات معيّنة يُعرفان بها؟ ليس صعباً عليك أن تميّز المنحرف من غير المنحرف، إذا عرفت (خط السير). فأنت تنظر إلى الطريق العام فترى رتل السيارات يسير في طابور أو خط واحد، أو خطوط محدّدة متوازية، فإذا شذّت سيارة وخرجت عن الطريق لتسير إلى يمينه أو شماله مبتعدة شيئاً فشيئاً عن الطريق الذي يوصلها إلى هدفها، فالسير قد ينتهي بها إلى الاتجاه المعاكس.
أنتَ لكَ خط سير أيضاً.. حدّده لك القرآن الكريم في معالمه العامّة، ورسمته سنّة النبي (ص) بتفاصيله الخاصّة. فإذا كان القرآن قد دعا إلى الوحدة بين المسلمين، وترى بعض المسلمين يمزّق أوصالهم ويفرّق جمعهم ويبدّد شملهم، تقول عنه إنّه (منحرف).
وإذا كانت الجماعة المؤمنةُ تسير في اتجاه معين، وتتفق على منهاج عمل موحّد، وابتعدت عنهم لغرور ركبك، أو هوى استولى عليك، فإنّك بذلك (تنحرف) عن الجماعة، وفي الحديث: "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".
والقرآن دعا إلى (الزواج) كطريق شرعي لتلبية نداء الغريزة الجنسية، وحرّم (الزنا) كطريق منحرف لذلك، فإذا رأيت مسلماً يزني، تقول عنه إنّه (منحرف).
والقرآن نهى عن الغيبة والتجسّس، فإذا رأيت في المسلمين مَن يقترف التجسس والغيبة، قلت عنه إنّه (منحرف).
وليس ضرورياً أن يكون الانحراف كلّياً حتى تقول عن شخص ما أنّه منحرف، فقد تكون للانحراف بدايات.. فالمغتاب يخرج عن خط السير في هذه النقطة، والزاني يخرج عن الخط في نقطة معيّنة، وربّما كان ملتزماً بالسير في غير ذلك.
هل الانحراف كفر؟
الانحراف ليس كفراً، وإنّما هو حالة من حالات التجاوز والانعطاف والعصيان والتمرّد والخروج على قواعد السير، وقد ينتبه المنحرف من (غفلته) ويعود إلى يقظته مجدداً، ولكنّه إذا تمادى في الانحراف وقع في الكفر.
هل المؤمن ينحرف؟
نعم، لكنّ الفرق بينه وبين غيره أنّه سرعان ما يعود إلى الطريق، أي قد يغفو أو يسهو أو ينزلق عن الطريق الصحيح لفترة ثمّ ينتبه من غفلته ويثوب لرشده (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف/ 201).
لماذا انحراف الشباب؟
ينحرف بعض الشبان وبعض الفتيات لأسباب كثيرة سنأتي عليها، لكنّ وقوع هؤلاء في الانحراف يعود بالدرجة الأساس إلى حداثة عهدهم بالحياة وتجاربهم الغضّّة الفتية، أي أن تجربتهم بحاجة إلى صقل ونضج أكبر، كما إنّهم بحاجة إلى ثقافة وتربية على ما هو الصحيح وما هو الخطأ، وما هي الاستقامة وما هو الانحراف.
ما هي خطورة الانحراف؟
تتجلّى خطورة انحراف الشباب في الآثار الذاتية والاجتماعية.
فأنت إذا انحرفت، أي خرجت عن خط الالتزام، فإنك سوف تضع قدمك على أوّل المنزلق، فإذا لم تتماسك وترجع عن الاسترسال مع خطوات الانحراف اللاحقة، قادكَ الانحراف الأولي إلى انحرافٍ ثانٍ وثالث وهكذا حتى تكون خطواتك الانحرافية الأخيرة هي (الضياع).
أمّا أثر انحرافك على الذين من حولك فهو في إساءتك لهم بشكل مباشر أو غير مباشر. فالشاب الذي يغتاب يسيء إلى الذي اغتابه، والمتبرّجة تسيء إلى جوّ الحشمة والعفاف، والسارق يسيء إلى الأمن والأمانة، والسكّير يسيء إلى نفسه وإلى غيره. وقد تلقى من ضعاف النفوس من الشبان والفتيات مَن يستهويهم انحرافك فيجارونك فيه، وبذلك تكون ضالاً مضلاً، فاسداً مفسداً.
هل الانحراف ممكن العلاج؟
نعم، فهو بداية المرض وليس المرض في مراحله المتطورة، أي لم يستفحل بعد ولم يتحول إلى مرضٍ مستعصٍ، وهذا هو الذي يجعلنا نتحرك سريعاً لمعالجته مخافة أن يتفاقم وتقع مضاعفات خطيرة يصعب علاجها.

أسباب انحراف الشباب
هناك جملة عوامل وأسباب تعمل منفردة ومتظافرة في حرف الشباب عن خطّ السير، أو منهج الإسلام الصحيح. وأهمية معرفة هذه الأسباب تنبع من أن ذلك يعدّ تمهيداً ومدخلاً لمعالجتها ومكافحتها والقضاء عليها. ومن بين هذه الأسباب.

1- تراجع دور الأُسرة:
كانت الأسرة وما تزال حجر الأساس في العملية التربوية، وإذا كان دورها قد تراجع[1] في الآونة الأخيرة، فلأنّها هي التي فسحت المجال لغيرها من الوسائل أن تأخذ مكانها، بدلاً من أن تكون بمثابة أيادٍ مساعدة لها في دورها الأساس.
"لقد قامت بعض الدول كالصين والاتحاد السوفيتي (قبل انهياره) بتكوين منظمات معلنة ومؤسسات غير معلنة لأداء دور الأسرة ليتمكنوا من نقل القيم التي يريدونها هم، لا الأبوان، إلى الأطفال، وأهم ما استند إليه هؤلاء في الإقدام على عملهم هذا أنّ المربين ذوي الخبرة والتجربة، هم أقدر على نقل هذه القيم إلى الأطفال من الوالدين الذين تعوزهم التجارب والخبرات وخاصة الأميّين منهم"[2].
التجربة أثبتت فشل هذه المحاولات حيث كان للفصل بين الأطفال والوالدين تبعاته الثقيلة وثماره المرّة، لكنّ المجتمعات المعاصرة راحت توكل جانباً أو جوانب من دورها المعهود إلى مؤسسات أخرى قد تكون منافسة لكنّها قطعاً ليست بديلة.
إنّ انشغال الأب أو الأبوين في العمل خارج المنزل طوال النهار سوف يؤثر على مستوى تربيتهما ومتابعتهما لأبنائهما وبناتهما، مما يفتح الباب لدخول الانحراف بلا صعوبات لا سيما إذا كانت خلفيات الأبناء والبنات هشّة، أي لم يبذل الوالدان الجهد المطلوب في إعدادهم وتربيتهم لتحمل مسؤولياتهم ووعيهم لمخاطر الانحراف وآثاره.
العديد من الدراسات الميدانية التي أجريت على شرائح وعينات من الشبان والفتيات أودعوا السجن بسبب انحرافهم وجرائمهم، أثبتت أن انصراف الأبوين أو انشغالهما كان أحد أهمّ، بل لعلّه أوّل الأسباب، التي جعلتهم يصلون إلى ما وصلوا إليه.
إنّ المشاكل التي تعصف بالأسرة، والنزاع الدائر بين الوالدين وعدم اتفاقهما على كلمة سواء في تربية الأبناء، أو ما يشهده البيت من التصدّع المستمر، يجعل الأبناء إمّا انطوائيين، وإمّا أن يهربوا من البيت ليرتموا بأحضان الأصدقاء قليلي التجربة، وربّما استغلّ هؤلاء الظروف البيتية التي يعاني منها هذا الشاب وتلك الفتاة لدفعهما في طريق الانحراف.
أمّا إذا كان الأبوان منفصلين ويعيش الأبناء إمّا تحت رحمة أمّ جديدة، أو في أجواء الطلاق النفسية التي تخيِّم بظلالها القاتمة على نفوس الأبناء والبنات، فإنّ ذلك يكون دافعاً آخر إلى الانحراف لانعدام الرعاية والمراقبة، والحرمان من العطف والحنان والتوجيه السليم.
وما ينبغي الالتفات إليه هنا، هو أنّ بعض الأسر تعمل – وبغير قصد في أكثر الأحيان – لدفع فلذات أكبادها للانحراف، إذا أساؤوا التصرف معهم فبدلاً من أن يكونوا الصدور المفتوحة، والعقول المفتوحة، والآذان المفتوحة التي يركن إليها الأبناء والبنات في الحادة إلى المشورة وبث الهموم والتعاون في حل المشكلات، يكونون غرباء عن أبنائهم، أو لا يشعرون بالمسؤولية إزاءهم سوى مسؤولية الإطعام والإكساء، حتى إذا وقع الابن أو البنت في مشكلة عويصة، أو انزلقا إلى منحدر خطير، صرخ الوالدان كمن أفاق من نومه فزعاً: ماذا هناك؟ لم نكن أبداً نتوقع ذلك!
وقد لا تكون الصدمة جرّاء انحراف أحد الأولاد، وإنّما جرّاء الحرج الشديد الذي يمكن أن يسبّبه انحرافه في الوسط الاجتماعي الذي سيطلع على ذلك.
إنّ تراجع دور الأسرة واضح وخطير، فالأُم التي كانت تتولى تربية ابنتها لتكون زوجة صالحة، وأمّاً صالحة، تترك لها اليوم أن تتلقى ذلك من الروايات والقصص والأفلام والمسلسلات التي تخرّج جيلاً أقل ما يقال عنه أنّه هجين.

2- تراجع دور المدرسة:
ينصبّ اهتمام المدارس اليوم على العلم والتعليم أكثر من التربية والتهذيب، وإذا كان ثمّة اهتمام بهذه الأمور فثانوي، أو يطرح بشكل أكاديمي أيضاً، أي ان دروس التربية والأخلاق شأنها شأن دروس الكيمياء والفيزياء تعطى للطالب للاختبار فقط.
المدرسة هي البيت الثاني والمحضن الآمن المهم بعد الأسرة، فإذا تراخت أو تراجعت عن أداء دورها ورسالتها فإنّ الكارثة محدقة. وإذا افتقد الطالب الشاب أو الطالبة الشابّة لدور الموجّه الحقيقي والمرشد الناصح والمسدّد الأمين، ولم يشعر ذاك أن معلمه أب وهذه بأن معلّمتها أمّ، فإنّ ساحة المدرسة تتحول من ساحة للبناء والتربية إلى ساحة للانحراف والضياع وتبادل الخبرات المتدنيّة والسيِّئة والمخلّة بالآداب.
وإذا كان المدرسة مختلطة فالسوء أعظم والخطر أكبر.

3- ضعف الوازع الدينيّ:
قد ينحدر الشاب أو الفتاة من أسر متديّنة لكنهم ينحرفون، لأنّ التديّن لدى بعض الأسرة المسلمة أوامر ونواهٍ وقواعد عسكرية صارمة، وليس طريقاً لبناء الشخصية القوية الملتزمة العاملة التي تقف بوجه الانحراف فلا تتداعى أمامه، بل تساهم في إزاحته عن الطريق.
ولذا قلنا ضعف الوازع الديني، فهؤلاء متدينون لكنّ انحرافهم وعدم شعورهم بالتأنيب يدلّل على أنّ الدين لم يرتكز في نفوسهم كوعي وطاقة ومناعة، وإنّما هو مجرد فرائض وواجبات وخطوط حمر وعقوبات.
ولو أنّك أجريت دراسة – والدراسات التي في هذا المجال كثيرة – بين عيّنات شبابية (فتيان وفتيات) لرأيت أنّ الانحراف بين أبناء وبنات الأسر غير المتديّنة أو غير الملتزمة دينياً أكبر بكثير، إذ مما لا شكّ فيه أنّ الدين عامل حيوي من عوامل التحصين وغرس الوازع الديني إذا أحسن الأبوان تقديمه إلى الأبناء ليس في المحتوى فقط وإنّما بأسلوب العرض أيضاً.

4- وسائل الإعلام:
وسائل الإعلام اليوم أكثر المؤسسات المهتمة في حرف الشباب عن طريق الإيمان والأخلاق. ويأتي في المقدمة من هذه الوسائل (التلفاز) الذي يمثّل – في حال عدم تقنين المشاهدة – الخطر اليومي الداهم الذي يعيش في البيت كفرد من أفراد الأسرة، والذي يحتل أحياناً موقع المعلّم للعادات الغريبة والسيِّئة التي يجتمع الصوت والصورة واللون على تشكيل رسالته.
إنّ رسالة الإعلام نزيهة – في الأعمّ الأغلب – لأنّها رسالة موجهة، وهي تختبئ في مكان ما في هذا البرنامج أو هذا الإعلان أو تلك المسلسلة أو هذا الفيلم، أو هذه الاستعراضات.
وقد تكون الرسالة واضحة صريحة لا تلبس قناعاً أو تتستر بشيء، والمشكل المريب أن أكثر البرامج المخصّصة للشباب تعمل على بلورة الشخصية الانحرافية لديه.
الدراسات الجنائية كشفت عن أنّ أحد أسباب السرقة والعنف هو مشاهدة الأفلام التي يتفنّن فيها السارقون باقتحام المنازل والبنوك، وأنّ أحد أسباب الدعارة والخلاعة هو الأفلام الهابطة وعرض الأزياء والحفلات الماجنة. وإن سبباً مهما من أسباب السكر والتدخين وتعاطي المخدرات هو ظهور ممثلين ونجوم سينمائيين يزاولون ذلك وهم في حالة انتشاء. وأنّ أحد دوافع الهجرة والتغرب هو ما يكشفه التلفاز من الفوارق طبقية صارخة بين الطبقات الدنيا والمتوسطة وبين الطبقة الثرية المرفهة التي تعيش البذخ والرفاهية وتحوز على أثمن المقتنيات من القصور والسيارات وتجتذب إليها أجمل نساء المجتمع.
تكرار أمثال هذه اللقطات – والتكرار أسلوب إعلامي – يعمل كمنبّه أو كجرس يقرع بشكل دوري لمخاطبة الغريزة أو ما يسمّى بالعواطف السفلية لدى الشبان والفتيات، فلم يبق شيء يرمز إلى الحياء والعفّة والالتزام إلا وهتك التلفاز أستاره.
خطورة المنحى الإعلامي تأتي بالدرجة الأولى من أسلوب العرض المشوّق والجذّاب والمغري للدرجة التي تنطلي فيها الرسالة الإعلامية على المشاهد فلا يلمسها أو يقتنصها لأنّه يسترخي ويسترسل أمام التلفاز فلا يحاكمه ولا ينتقده إلا نادراً، فالمشاهد – إلا ما رحم بي – يستقبل مواد البث التلفازي كمسلّمات، الأمر الذي يزرع في وعيه أو لا وعيه (ثقافة)[3] السرقة والعنف والغش والخداع والتهالك على المادة وشرب الخمر والدخان والمخدرات.
وما يقال عن التلفاز يقال عن وسائل الإعلام الأخرى بدرجة أقلّ، إذ يبقى التلفاز أشدّ خطورة من الصحف والمجلات والإذاعة وغير ذلك، لأنّها إما سمعية أو بصرية، أمّا التلفاز فسمعي بصري والسمع والبصر إذا اجتمعا كانا بوابتين للتلقي غير المحسوب.
وباختصار، فإن كلّ هذه الوسائل تسرّب وتشيع العديد من القيم الهابطة والدخيلة والمضلّلة وإن بدرجات متفاوتة.

5- الفراغ والبطالة:
ذلك الشاعر الذي اعتبر (الفراغ) أحد الأسباب المؤدية إلى الانحراف والفساد، كان قد وضع اصبعه على مشكلة أو مدخل مهم من مداخل الانحراف:
إنّ الشبابَ والفراغ والجدة **** مفسدة للمرء أيّ مفسدة
فالفراغ أو البطالة لا يتناسبان مع شريحة عمرية ممتلئة بالحيوية والشاط والاندفاع وحبّ الحياة. قد ينسجمان مع الشيوخ والمتقاعدين، أمّا الشاب مثلك الذي يحبّ أن يعمل ويبدع وينتج، فالفراغ قاتل بالنسبة له، ولذا فهو قد يملأُه بالسلبيّ إذا لم يُملأ بالإيجابي.
وبالدراسة أيضاً ثبت أنّ البطالة أو الفراغ كان سبباً للعديد من الجرائم والجُنح والجنايات والانحرافات خاصّة إذا لم يكن الشاب أو الفتاة من ذوي المهارات أو المواهب أو الاهتمامات الثقافية والعلمية والرياضية.

6- قرناء السُّوء:
وهم الأصحاب الذين يُمثّلون دور المزيّن للانحراف والمرغّب والمغري به، أي أنّهم شياطين يوسوسون بالمعصية وتجاوز الحدود وارتكاب الجرائم ويصوّرون ذلك على انّه متعة خاصّة، أو شجاعة نادرة أو مفخرة، وقد ينصّبون من أنفسهم (فقهاء) لزملائهم فيفتون بغير علم، ويقولون لك إنّ هذا أمر مقبول وكلّ الناس تفعله ولا حرمة فيه وأنّهم يتحمّلون خطاياك، بل ويتطوعون للردّ على إشكالاتك الشرعية التي تدور في ذهنك لتُقبل على العمل الشرير وأنت مرتاح الضمير!
إنّ دور قرناء السوء – في مجمل الانحرافات التي يتعرّض لها الشبان والفتيات – خطير جدّاً، وما لم ينتبه الشاب أو الفتاة إلى تسويلات وتزيينات قرناء السوء فإنّ سينخرط في الانحراف ليقوّيه، وبالتالي، فإنّه وأمثاله من المُستدرَجين يحولون الأفراد إلى (عصابة) وأعمالهم إلى (جرائم).
وكما يزينون السوء في الجريمة، يزينون الانحراف في العبادة، باهمال الطاعات والعبادات، فيأتون إلى المستحبات ويقولون لك إنّها ليست واجبة ويكفيك القيام بما هو واجب، حتى إذا تركت المستحبّات جاؤوا إلى الواجبات وقالوا لك إن تأخيرها ساعة أو ساعتين لا يضرّ، وهكذا بالتدريج حتى تضمحل روحك ويفتر اهتمامك ويبرد تعاطيك مع الصلاة ومع غيرها: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا) (الفرقان/ 28-29).

7- الكتابات المنحرفة:
دوافع الانحراف وأسبابه – كما قلنا – كثيرة، وقد لا يلعب عامل واحد دوراً متفرداً في انحراف الشباب، بل تلتقي عدّة عوامل لتخلق حالة الانحراف.
فالكتابات المنحرفة التي تنهج نهجاً خرافياً وتغريبياً أو تخريبياً في تصوير العلاقة بين الجنسين على أنّها الحرِّية الشخصية والتمتع بمباهج الحياة، والتي تطرح صورة الشاب العدواني العنيف على أنّه (البطل) الذي يهابه الآخرون، والشاب المسترسل مع شهواته ونزواته وأطماعه على أنّه الشاب العصري المثالي، والفتاة التي تنتقل بين الأحضان على أنّها منفتحة وتمارس حياتها كما يحلو لها من غير قيود..
هذه الكتابات فاسدة مفسدة، وضالّة مضلّة، أي أنّها منحرفة بذاتها وتشجّع على الانحراف أيضاً. فلقد ذكرنا في البداية أنّ لكلّ إنسان خط سير، وأنت كإنسان مسلم لك خط سيرك الخاصّ، وأمثال هذه الكتابات المنحرفة لا يهدأ لها بال حتى تجعلك تنحرف ثمّ تتوجه إلى غيرك.
وبعض الكتّاب يبعدك عن الدين بتصويره صوراً بشعة مقرفة مقزّزة ينبو عنها الذوق ويمجّها الطبع، فمنهم مَن يرى أنّه ترويج للخرافات والأساطير. ومنهم مَن يقول انّه مخدّر يغرّر به البسطاء والضعفاء، ومنه مَن يصف المتدينين والمتدينات بأنّهم مرضى نفسيّون، وإنّ علماء الدين تجّار وأصحاب مطامع ومصالح ذاتية، وإنّ الدين هو هذه القشور التي يدفعون من أجلها الأموال حتى يعشعش الجهل والتخلّف في صفوف الشباب.
كل ذلك لدقّ الأسفين بين أبناء الأُمذة من الشبان والفتيات وبين رموز الوعي، وعلماء الدين والشريعة، والشخصيات الهادية إلى الطريق، وتسأل: مَن المستفيد؟ فلا تجد إلا أعداء الأُمّة.

8- الجهل:
الجهلُ طامّة كبرى، والشابّ الجاهل الذي لا يعرف كيف يبدأ؟ وكيف يسير؟ وإلى أين ينتهي؟ كالأعمى يقوده جهله إلى المهالك والمزالق والانحرافات وهو لا يدري أنّه يسير سيراً عشوائياً، وأنّه يقع في المطبّ أو الحفرة ذاتها عدّة مرّات، وأنّه قابل للإغواء والاستدراج والتغرير والخداع ببساطة.
والجهل يأتي ليس من ضعف لجانب الثقافي فحسب، بل من هشاشة التجربة في الحياة، وأحياناً من عدم الاستفادة من التجارب، فقد يكون للجاهل تجاربه لكنّه يرتطم بالمشاكل المتماثلة مراراً لأنّه ساذج ومغفّل وسطحي جدّاً، وقد لا ينتبه إلى انحرافه إلا مؤخراً، أي بعد أن يكون قد دفع ضريبة جهله ثمناً باهضاً، سجناً، أو طرداً من البيت، أو هجراناً من قبل الأصدقاء، وبكلمة أخرى يصبح منبوذاً اجتماعياً يتبرّأ أهله وأصحابه منه.

9- الفقر الشديد والثراء الشديد:
وقد يبدو هذا العامل متناقضاً لأوّل وهلة، لكن هذه هي الحقيقة، فلكلّ من الفقير المدقع الفقر، والثري الفاحش الثراء انحرافاته. فإذا كان الفقر يدفع إلى السرقة والحسد والحقد والانتقام من المجتمع، فإنّ الثراء الشديد يدعو إلى الميوعة والمجون والاستغراق في اللهو والملذات والشهوات والتبذير.
إنّ استعجال بعض الشبان والفتيات الثراء قد يجعلهم ينحرفون في سبيل تحقيق أحلامهم، ويسلكون طرقاً معوجة لنيل مآربهم، وقد يحققون بعض ذلك لكنهم – إذا قدّر لهم أن يراجعوا أنفسهم وحساباتهم – فإنذهم سيجدون أن ما تكبّدوه من خسائر أكثر مما جنوه من أرباح، هذا إذا صحّت تسمية ما نالوه بالطرق المنحرفة أرباحاً!

10- الحرِّية اللامسؤولة:
تحت شعار الحرية هوى كثير من الشبان والفتيات في وديان الانحراف. لم يكن ثمّة تمييز بين الحرِّية المسؤولة وبين الحرِّية غير الملتزمة أو المنضبطة بضوابط معيّنة. فليس من الحرِّية في شيء أن أترك لشهواتي الحبل على الغارب، وليس من الحرِّية أن أبيع عزّتي وكرامتي أو أذلّ نفسي، وليس من الحرِّية أن أتكلّم بالسوء على مَن أشاء، ولا من الحرِّية أن أخرج كفتاة نصف عارية إلى المجتمع.
حرِّيّتنا في الإسلام تستبطن المسؤولية، فما دمت حرّاً أنت مسؤول وتتحمل تبعات أعمالك، وتراعي قانون الشريعة وخط السير، وإلا فأيّ انفلات أو انحراف أو خروج على ذلك يعني انتهاكاً للقانون وإساءة للحرِّية.
إنّ الشاب الذي يصمّ سمعه ولا يريد الاستماع إلى النقد أو النصيحة أو المحاسبة بحجّة أنّه حرّ، والفتاة التي لا تراعي ضوابط العفّة والاحتشام بذريعة أنّها حرّة، والشباب الذين يمارسون بعض المنكرات التي تسيء إلى العادات والتقاليد بدعوى أنّهم أحرار، هؤلاء يسيئون للحرِّية من حيث لا يشعرون، وكم جرف الانحراف شباناً وفتيات إلى أحضان الرذيلة والجريمة واللصوصية والإدمان والمسوّغ هو الحرِّية السائبة التي جنت على أبنائها من المسلمين يوم لم يتعظوا بما جرّته على أمثالهم من الشباب في الغرب.

11- نقص التجربة وغياب المعايير:
المنحرفُ – شاباً كان أن فتاة – قد يقع في الانحراف لأنّ الأمور تختلط لديه، فلا يمتلك القدرة على التشخيص أو الفرز بين ما هو صواب وما هو خطأ، وما هو خير وما هو شرّ، وما هو حسن وما هو قبيح. وإذا أضيف إلى ذلك أنّ بعض الشبان والفتيات يستنكفون من استشارة أهل العلم والخبرة والتجربة بما في ذلك الوالدين أو الأصدقاء المخلصين، ازداد الطين بلّة.
الجهل، الغرور، وضعف الحس الاجتماعي هي التي تسبب حالة الاختلاط هذه، والأهم من ذلك الجهل بالشريعة الإسلامية، فقد ترى بعض الشبّان يمارسون الحرام ويظنّونه حلالاً، ويقترفون الجرائم ويحسبونها فتوّة، وينفلتون من الضوابط ويقولون إنّها حرِّية.
اختلاط المفاهيم، إذا اجتمع مع نقص التجربة، نتج عنه ضحايا للخداع والتغرير والحيل والشعارات، وأمّا إذا كان المجتمع الذي يعيش فيه الشاب منحرفاً أو يشجّع على الانحراف ويشيعه فإن مستوى المناعة يهبط إلى الصفر بحيث يصبح الانحراف هو القاعدة العامّة والشواذ هم الذين يسيرون على الخط المستقيم.

مظاهر الانحراف لدى الشباب:
لا يمكن حصر الانحرافات الشبابية ضمن نقاط محدّدة، فهي تتعدّد بتعدّد البيئات والأجواء وطبيعة العصر وتربية الشباب أنفسهم. لكن ثمّة مظاهر للانحراف تكاد تكون مظاهر مشتركة، ومنها:

1- الاختلاط[4] والتحرّش الجنسي:
فتحت أجواء الاختلاط المفتوح بين الجنسين المجال واسعاً لحالات التحرّش الجنسي اللفظي أو الفعلي، أي جعلت من تبادل الكلمات الخارجة عن الحياء، والتي ترتفع فيها الكلفة أو الحرج بين الشاب والفتاة أمراً عادياً لا يثير التساؤل أو الاستهجان. وقد يتعدّى الأمر حدود الكلمات إلى ما هو أكثر من ذلك:
نظرةٌ فابتسامة فسلامُ **** فكلامٌ فموعدٌ فغرامُ
مما يجعل من الاختلاط البعيد عن المراقبة، واللقاءات الثنائية، والخلوات، ساحة خصبة للانحراف عن خط العفّة.
ففي مثل هذه الأجواء يجري التساهل في أمرين:
- (الستر) من قبل الفتاة.
- (النظر) من قبل الشاب.
وكلاهما داعيتان من دعاة الانحراف، حيث أثبتت الدراسات واستطلاعات الرأي أنّ الفتاة التي تتزيّن وتتبرّج وتخرج بملابس مثيرة وتقوم بحركات إغوائية لافتة، عرضة للتحرّش بما لا مقارنة مع الفتاة المستترة المحجّبة. وإذا حصل بعض الانحراف في أوساط بعض المحجبات فلابدّ أن يكون السبب في ذلك راجعاً لواحد من أمرين:
أ- أن تكون صاحبة الحجاب ارتدته مكرهةً وبناء على ضغط أسري أو اجتماعي خانق، وعن عدم قناعة شرعية أو دينية في أنه مطلبٌ إلهيّ لحماية المجتمع من الانحراف، وليس إرادة أبوية أو اجتماعية فقط.
ب- أن تكون محجّبة في الظاهر ومتساهلة في الداخل، أي أنّها تمارس أفعال غير المستترات سواء في تبادل الكلمات التي لا تراعي الحياء، أو مجاملة الشبان التي قد تتعدّى حدود المصافحة إلى توزيع الابتسامات والغمزات والإشارات، فلا يكون الحجاب هنا سوى قشرة خارجية خفيفة سهلة الكسر أو الإزاحة، ومردّ ذلك هو التناقض أو ازدواجية الشخصية لدى الفتاة التي استترت ظاهراً وتبرّجت عملاً.

2- السفور والتبرّج:
أراد الإسلام للفتاة أن تستتر كجزء من مسعىً شامل للحفاظ على أجواء العفّة بين الجنسين، وطلب إليها إلى جانب ذلك أن تمتنع عن استخدام أساليب الإثارة من قبيل اظهار زينتها، أو ترقيق صوتها، لأن ذلك مما يثير الريبة أو يُطمع الذي في قلبه مرض من الشبان.
فإذا خرجت الفتاة سافرة تكشف عن شعرها أو أجزاء من جسدها، ومتبرّجة بزينتها، فإنّها تكون قد انحرفت عن الخط الذي رسمه الاسلام لها في هذا المجال، وأثارت بأنوثتها المثيرة الانحراف لدى الشباب، والنتيجة هو ما سبقت الإشارة إليه من حالات ومظاهر التحرّش الجنسي، فالسافرة والمتبرّجة – ومن خلال رصد ميداني – تتعرّض إلى الحالات السلبية التالية:
أ- التغزّل بها وبجمالها بغية الإيقاع بها في الفخ.
ب- إسماعها كلمات جنسية بذيئة وقحة ومكشوفة.
ج- مطاردتها هاتفياً.
د- ملاحقتها في مسيرها اليومي من البيت إلى المدرسة وبالعكس وفي أي مكان آخر، ومضايقتها في الأثناء بشتّى المضايقات.
هـ- تعرّض البعض إلى الخطف والإغتصاب.

3- الإدمان على المخدّرات:
الإدمان – كما هو أي انحراف آخر – يبدأ خطوة صغيرة قد لا تثير الإنتباه، كما لو كان الشاب أو الفتاة يجرّبان نوعاً من أنواع المسكرات أو التدخين للاستمتاع في حفلة أنس وطرب وإغراء، أو تقليد الآخرين حتى لا يقال عن الشاب أنّه (معقّد) أو انّه ليس برجل، وما إلى هناك من طرق خبيثة يجيدها المنحرفون الذين يعملون دائماً على كسب زبائن جدد حتى لا يكونوا ثلة شاذّة أو منبوذة ومحتقرة.
ثمّ تتبع الخطوة خطوات، وقد تتسارع الخطوات التالية وتتسع، فلا يقتصر الأمر حينذاك على الاحتفالات وجلسات السمر والاستمتاع العابر، وإنّما تتحول إلى إدمان ومعاقرة.. وهكذا تقع الطامّة الكبرى.

4- التقليد الأعمى[5] (انسحاق الشخصية):
سواء كان التقليد الأعمى تقليداً لما يطرحه الشارع من الانحرافات تأتي إلينا من الخارج كما هي الموضة، أو مما هو مصنوع محلياً من بذاءات وإساءات، هناك مَن يروّج لها ويدفع الثمن حتى تأخذ طريقها إلى الشبان والفتيات.
وسواء كان تقليداً للحياة الغربية التي تتّجه إليها الأنظار على أنّها حياة (الرقي) و(التقدّم) و(التطور) و(السعادة)، فإنّ التقليد هنا لا يراعي الهوية أو الخصوصية. وبعض ما يأتي به الغرب لا غبار عليه، فالأُمم تتعارف فيما بينها وتنتفع بتجارب وخبرات بعضها البعض، لكنّ الشاب الذي يأخذ عن الشاب الغربي حريّته المنفلتة، وضعف انتمائه الأسري، واستغراقه في اللهو والعبث والشهوات، وضعف اهتمامه الديني والتحلّل من مسؤولياته الاجتماعية والدينية والأخلاقية، هذا الشاب لا يقلّد تقليداً مدروساً وإنّما يلتقط من الشارع الغربي جيِّده ورديئه.
لماذا كان التقليد الأعمى انحرافاً؟


يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 سورة الدهر في كتب السنة
0 اية الاعتصام في كتب السنة
0 اية المباهلة /اسئلة واجوبة
0 تحريف ابن القيم وحذفه اسم الامام علي(ع)من ايه المباهله
0 اية المباهلة في كتب السنة

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 712
بمعدل : 0.72 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 2  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : منتدى استراحة الحوار الحر
افتراضي
قديم بتاريخ : 03-09-2017 الساعة : 05:51 PM


لأنّه خروج عن خط السير، فالميوعة والتهالك على الملذات والحصول عليها بأي ثمن، والانصراف عن المسؤوليات والواجبات، والاهتمام المفرط بالمظهر ونسيان الجوهر. وتربية البدن واهمال العقل، وما شاكل، هي التي خرّجت أجيالاً من الجناة والجانحين والعصاة والمتمردين والشاذين، والناقمين على الدين، ليس في ديار الغرب فقط بل في ديارنا أيضاً.

5- ارتياد الأماكن المربية وهجران الأماكن الصالحة:
ومن مظاهر الانحراف في أوساط الشبان والفتيات هو الإقبال الشديد على أماكن اللهو والمتع الرخيصة أو المشبوهة، أو التي تصرف عن الاهتمامات الأساسية، والانحسار الشديد عن المراكز التربوية والتثقيفية والدينية كالمساجد والندوات الهادفة، ومراكز التأهيل الاجتماعي، والمنتديات الشبابية الجادّة وأماكن التسلية السليمة.

نتائج إنحراف الشباب وآثاره
لإنحراف الشباب، الذي يمثل بداية الإنزلاق نحو الهاوية، والابتعاد عن الخط الصحيح، آثاره السلبية ونتائجه الوخيمة التي لو نظر إليها الشاب والفتاة نظرة متفحّصة لرأفوا بأنفسهم وخافوا عليها وثابوا إلى رشدهم وما فضّلوا على الاستقامة والاعتدال شيئاً. فمن بين النتائج التي يفرزها الانحراف:
1- الاسترسال والمضي في طريق الانحراف أشواطاً أخرى.
فليس المدمن هو الذي أدمن تعاطي المخدرات أو الخمر أو التدخين فقط، فالذي يدمن التحرّش الجنسي، والألفاظ البذيئة، والتهاون في العبادات، والتساهل في أحكام الشريعة، هو مدمن من نوع آخر، أي أنّ هذه الأمور تصبح – مع الإصرار والمداومة – صفات ملازمة ولصيقة ومتحكّمة بالشاب أو الفتاة، مما يشكل فاتحة لعهد الانحراف الذي إذا لم تغلق بابه مبكراً دخلت منه الشرور كلّها.
2- الانحراف عن طريق معيّن قد يؤدي إلى الانحراف عن طريق آخر.
كما لو أنّ الشاب أو الفتاة انحرفا ابتداءً بإقامة علاقات غير مدروسة مع قرناء السوء، فإنّ الانحرافات التي تستتبع ذلك ستكون نتائج حتمية للإنحراف الأوّل، ولو تتبعت انحرافات بعض الشبان لرأيت إنّها ابتدأت بانحراف واحد، ثمّ أهمل فتطوّر فجرّ إلى انحرافات أخرى.
3- الأمراض والاضطرابات النفسية التي تنجم عن الانحراف.
إنّ الانحراف عن خطّ السير يجرّ إلى انحراف في الصحّة سواء البدنية أو النفسية أو الروحية أو العقلية أو السلوكية العملية. فالسارق قد لا تبدو عليه علائم الانحراف بدنياً لكن سرقته ستترك أثرها في نفسيته وقد يعيش حالة التأنيب الداخلي، ولكنّ المدمن على المخدّرات يعاني من اضطرابات كثيرة بدنية وعقلية ونفسية وروحية وسلوكية.
إنّ الكثير من حالات الكآبة والقلق والأرق والتشاؤم واليأس والإحباط والشعور بالعجز وتأنيب الضمير، والإعراض عن الطعام والهزال والانطواء، هي ثمار للعديد من الانحرافات التي يبتلى بها الشباب، وقد يدفع بعضها إلى البرم والنرفزة وضيق الصدر بالآخرين، وإلى الملل والسأم السريعين، والاستمناء، والرغبة بالانتقام، والحقد، والميل إلى الأفكار السلبية ومنها الانتحار.
4- التدهور الإيماني: إنّ ضعف الإيمان أو الوازع الديني الذي اعتبرناه عاملاً من عوامل الانحراف، هو سبب ونتيجة أيضاً، فالمنحرف إذا تعايش مع انحرافه واستفحل لديه ازداد تدهوره القيمي والديني والأخلاقي فلا يعود يقيم وزناً للعفّة والطهارة والنزاهة والاستقامة ونبل الشخصية ومكانتها بين الناس، ولا يعود يأبه بالالتزامات العبادية حيث تبدأ مؤشرات الانحراف عنده بالشعور بعدم جدواها أوّلاً، ثمّ بالتقصير في أدائها، ثمّ ينتهي إلى إهمالها تماماً.
5- ضعف الأداء العملي: ففي الكثير من الحالات، لا يبقى المنحرف مواظباً على تقديم نفس المستوى من النشاط والفعالية والجدية والتجاوب مع الأفكار الإيجابية والإبداع. فكما يضعف التزامه الديني يضعف كذلك مستواه الدراسي والثقافي والأخلاقي والاجتماعي، أي أن منعكسات الانحراف لا تقف عند حد واحد، فالسارق يلجأ إلى السرقة الدراسية فيغشّ، ويرى أن لا حاجة للتحصيل العلمي طالما أنّه يمكن أن يؤمّن احتياجاته بالسرقة، كما أنّه يشعر بالاستغناء عن أسرته باستقلاله المالي وهكذا يضعف ارتباطه بأسرته، وهذه كلّها انحدارات وانحرافات متلاحقة تضعف الأداء في مختلف المجالات.
6- النفور الاجتماعي: أي أنّ الشاب المنحرف أو الفتاة المنحرفة سيجدان إعراضاً وصدوداً وجفاء بل امتعاضاً من الناس والمجتمع الذي يعيشان فيه خاصة إذا كان للمجتمع تقاليده وأعرافه والتزاماته التي يُراعيها. وإذا أمعن أحدهما في الانحراف فإن ذلك قد يؤدي إلى مقاطعته تماماً حتى يجد نفسه بعد حين منبوذاً مما يخلق له متاعب كان في غنى عنها، فلا يجد مَن يؤويه أو يوظّفه أو يزوّجه بل لا يجد مَن يصادقه مخافة أن يُتهم به، اللّهمّ إلا النفر الضال الذي يماثله في انحرافه على طريقة "شبيه الشيء منجذب إليه". وبالتالي فإن أجواء الانحراف التي ستحتضنه ستوقعه في المزيد من الارتكاس والتردّي في مهاوي الانحراف والضياع.
7- ضعف الإرادة وانحلالها وفقدان السيطرة على النفس: وهي أيضاً سبب ونتيجة، فالإرادة الواهية تقود إلى الانحراف، والانحراف يزيد في ضعفها وانحلالها حتى ليغدو الشاب المنحرف كالمريض الضعيف البنية يسهل على الجراثيم والميكروبات والفيروسات افتراسه فيصاب لأدنى عارض، أي أن قابليته على الإصابة تزداد بسبب نقص المناعة أو اندثارها.

سبل الحماية من الانحراف
نحتاج في توفير الحماية للشباب من الانحراف أن نجيب على سؤالين:
أوّلاً: ما هي الطرق التي نسلكها لتأمين هذه الحماية؟
ثانياً: الحماية مسؤولية مَن؟

- أوّلاً: سبل تأمين الحماية:
1- إيجاد فرص عمل متكافئة: فلا يمكن التخلّص من شرور الفراغ والبطالة التي يعاني منها الشباب إلّا باتاحة المجال للطاقات الشابة أن تأخذ موقعها على خريطة العمل والإنتاج، فلقد ثبت أنّ الشبان العاملين أقلّ تعرّضاً للإصابة بالانحراف بسبب استغراقهم في أعمالهم التي ترفع من إحساسهم الإيجابي بشخصياتهم واستقلالهم المالي، وتغلق المنافذ التي تتسرب منها الخواطر الشيطانية التي تغري بالانحراف والتجاوب مع أجوائه ومع المتعاطفين معه أو الذائبين فيه.
2- الابتعاد ما أمكن عن الأجواء الفاسدة أو الداعية إلى الفساد: إنّ مقولة "مَن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه" مقولة مستوحاة من معرفة بالطبيعة الإنسانية الميّالة إلى الانحراف (إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف/ 53)، وهي تنظر إلى لبّ المشكلة، فالذي يعيش في أجواء تفوح منها الروائح النتنة قد يقرف منها ابتداء، ثمّ إذا طال تردده عليها زال القرف شيئاً فشيئاً، وربّما في وقت لاحق لا يرى الشاب الذي زلّت قدمه أن تلك الروائح نتنة بعد ما يكون أنفه قد تشبّع منها.
إنّ الابتعاد عن الأجواء المنحرفة أو المشجّعة على الانحراف لا يكفي وحده في حماية الشباب من الانحراف إذ لابدّ إلى جانبه من لقاحات المناعة الإيمانية التي توفرها (الأجواء البديلة الصالحة) التي تملأ الفراغ النفسي والعقلي والروحي لدى الشاب.
وعلى هذا فإنّ اختيار البيئة المناسبة للسكن – إن كان ذلك ممكناً وميسوراً – سيجنّب الأبناء والفتيات الكثير من احتمالات الوقوع في الانحراف. كما أنّ اختيار الأصدقاء الصالحين الثقات الذين يعيشون الطهارة الروحية والصدق والإخلاص سيكون صمام أمان كبيراً ضدّ الانحراف بما يعرّفون أصدقاءهم من عيوبهم، وما يبذلونه من جهد في مكافحة انحرافهم وما يقدمونه من قدوة حسنة من أنفسهم وسلوكهم القويم.
3- التفقّه في الدين: ولا نعني به وعي الشريعة الإسلامية في مسائل الحلال والحرام فقط، وإن كان ذلك من صمامات الأمان المهمّة أيضاً، ولكنّه معرفة بكلّ معالم الطريق عقيدة وشريعة ومنهاجاً.
إنّ استحضار الشاب لله تعالى في أعماله كلّها ومعرفته "إنّ الشاهد هو الحاكم" و"إنّ الناقد بصير" و"لا تنظر إلى المعصية ولكن اُنظر إلى مَن عصيت" وأن تكون أحكام الشريعة أجراساً ومنبهات توقظه إذا غفل، وتعيده إلى خط السير إذا انحرفت عربته عن المسار، وأن يعرف أنّ الذئب إنّما يأكل من الغنم القاصية لأنّها شذّت وانحرفت وانفصلت عن الجماعة الصالحة التي توفر لها الحماية.
وإنّ وعي الشاب لدوره في الحياة، ولما أراده الله منه، ولما ينتظره إسلامه ومجتمعه والمستقبل منه ليس خارجاً عن التفقّه في الدين وتوفير سياج يحمي من الانحراف.
4- تفعيل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: بأن تتحول هذه الفريضة العظيمة إلى حالة من (الرقابة الاجتماعية) التي توفّر أرضية التحصين من الانحراف. فالشاب المنحرف الذي يلقى صدوداً من أهله وأصدقائه وزملائه وأقربائه سيجد نفسه محاصراً، وأنّ شعوره بأنّه منبوذ سيضغط عليه لمراجعة مواقفه، هذا هو دور النهي عن المنكر.
وفي موازاة ذلك، إذا وجد مَن يحتضنه ويرعاه ويوجهه التوجيه الصحيح ويأخذ بيده برفق وأناة كما يفعل الطبيب مع مريضه، فإن احتمالات الشفاء من الانحراف ستكون كبيرة، ذلك أن ترك المريض يكابد مرضه قد يفتك به، وهذا هو دور الأمر بالمعروف.
ولا نغالي إذا قلنا إنّ إسقاط دوّر هاتين الفريضتين من التعامل الاجتماعي اليومي، أو من برنامج الإنسان المسلم والتزامه الصمت واللاأبالية، هو الذي أسفر عن هذه القائمة الطويلة من الانحرافات حتى بات المنكر معروفاً والمعروف منكراً.
وكما أنّ الأسرة والمدرسة بحاجة إلى إعادة اعتبار، لابدّ أيضاً إعادة اعتبار لهاتين الفريضتين المتكاملتين اللتين تبشران بالإيجابي وتجذّرانه، وتنذران من مساوئ السلبي وتقمعانه، فما دبّ الانحراف في صفوف الشباب والفتيات – وغيرهم من الشرائح الاجتماعية – إلا بعد أن تخلّينا عن تفعيل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتبارهما أعظم العبادات كلّها، ذلك أنّك كشاب لابدّ أن تعرف أنّ غاية العبادات هو الوصول إلى مستوى العمل بهاتين الآليتين في تحجيم المنكر وحصره في أضيق نطاق وتجفيف منابعه وموارده، وإفساح المجال للمعروف بأن يسود.
5- تكثير عدد القدوات في المجتمع: لا يكفي في سبيل دفع الانحراف وتحذير الشباب منه أن نقدّم مواعظ طويلة عريضة، فالأب القدوة ضمانة أكيدة لابنه ضدّ الانحراف، والأُم النموذج الصالح حارس لابنتها من الوقوع في الانحراف. والعالم العامل المتقي الورع صمام أمان لشرائح واسعة من الناس، والمعلّم المربي الذي علّم نفسه أوّلاً وربّاها خشبة إنقاذ بما يغرسه في نفوس النشء – شباناً وفتيات – من معاني وقيم الصلاح والاستقامة.
إنّ لغة القدوة أبلغ في التعبير من لغة الخطاب المجرّد "كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم حتى يروا منكم الورع والاجتهاد والتقوى، فذلك داعية".
6- تحديد المعايير والمصطلحات بوضوح: قيل لحكيم الصين الشهير (كونفوشيوس): ما هو أوّل شيء تعمله إذا أصبحت امبراطوراً للصين؟ قال: أطلب من الناس أن يحدّدوا معاني الكلمات! وهذه اللفتة الحكيمة من هذا الحكيم لم تُراعَ لحدّ الآن، فالناس في اختلاف وصراع حول المراد بالمصطلحات المتداولة.
فالشرف كلمة رجراجة.. والعيب يجتهد العرف في تحديد معناه، والحسن والقبيح ذوق اجتماعي يختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر، الأمر الذي يجعل المعيار أو المرجعية غائبة. فإلى ماذا نحتكم إذا اختلفنا كشباب؟
بالطبع إلى المعيار الصحيح المتفق عليه وهو القرآن والسنّة المطهرة وما يقول به علماء الأُمّة المعروفة بوعيهم للأمور وإلى عقولنا التي جعلها الله منارات هدى.
فإذا غاب المعيار أو غيّبه الناس، أو اختلط وتعدّد وتشابه على الشباب أو كان شأناً مزاجياً أو اجتهادياً، فإنّ الانحراف يدبّ للجهل بمعاني العفّة والتقوى والطاعة والولاء والانتماء والطيب والخبيث والأصيل والدخيل والخطأ والصواب.
7- الاهتمام ببناء شخصيات شبابية قويّة وواعية: إنّ الدوائر المسؤولة عن بناء وتربية الشباب معنية بتركيز مقومات الشخصية الإسلامية، وتعميق الإحساس بالوازع الديني، أو ما يسمّى بـ(الضمير) أو التقوى، والتعريف بما هو إيجابي، ذلك أن من الأمور التي تجعل الانحراف معزولاً ومحشوراً في زاوية ضيّقة وغريباً، هو أن نزرع إلى جانبه أشجار الخير والمحبّة والتعاون والاستقامة حتى ليبدو لعيني الشباب الفارق الكبير بينها وبين أشجار الانحراف المائلة والصفراء والموخزة بشوكها والعارية من الثمار والأزهار.
8- إتاحة المجال للزواج بشروط ميسّرة: لقد تأكّد أنّ التعقيد في شروط الزواج وارتفاع تكاليفه الباهضة سواء غلاء المهور أو الشروط التعجيزية التي ما أنزل الله بها من سلطان، هي التي جعلت الكثير من الشبان والفتيات يلجأون إلى الطرق غير الشرعية للتنفيس عن رغباتهم الجنسية.
ولذا فإنّ الزواج المبكر إذا توفرت إمكاناته، والزواج الجماعي الذي يقلّص حجم النفقات، وتأسيس الصناديق الخيرية التي تيسّر السبيل إلى بناء البيوت السعيدة، أو المصارف التي تقدم القروض والسلف للراغبين بالزواج أو حديثي العهد بالزواج بشروط ميسّرة وأقساطٍ مريحة، كل ذلك يساهم في التخفيف من وطأة الانحراف وسد منافذه.
9- فتح أبواب التفاؤل والرحمة: إنّ الشاب المنحرف أو الفتاة المنحرفة أشدّ ما يكونان حاجة إلى القلوب الرحيمة المتفهّمة لظروفهما وأسباب انزلاقهما، وإيجاد المخارج التي يمكن أن يهربوا من انحرافهم من خلالها.
وعلى المربين أن يتعلّموا لغة الخطاب القرآني مع المنحرفين ويخاطبوهم بمثلها (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) (الزمر/ 53)، وهي لغة (إنّ الله غفور رحيم) و(توّاب رحيم) و(رحمتي وسعت كلّ شيء) أي لغة أنّ المنحرفين ليسوا مرفوضين تماماً، فأبواب الصفح والمسامحة مفتوحة و(مَن تاب تاب الله عليه).. المهم أن لا يبقى الشاب المنحرف مصرّاً على انحرافه مأخوذاً بالعزّة بالإثم.

- ثانياً: مسؤولية الحماية في عاتق مَن؟
صلاح الأفراد من صلاح المجتمع، كما أنّ صلاح المجتمع من صلاح أفراده، فصلاح كلّ منهما ينعكس على الآخر، فالمجتمعات الآمنة المطمئنة التي تقلّ فيها حالات الانحراف، ولا نقول تنعدم فليس هناك مجتمع ملائكي على وجه الأرض كلّها، هذه المجتمعات تنتج أفراداً صلحاء، كما أنّ الأفراد الصالحين يقوّون بدورهم النهج الإصلاحي في المجتمع بما يشيعونه من سلوك نظيف يحدّ بدوره من قذارة الانحراف، ويجعل المنحرف متردداً في فعل يفعله. وقد يمارسه بعيداً عن مرأى الناس وسمعهم، وإذا حصر الانحراف أو المنكر في الدائرة الضيقة سهلت السيطرة عليه وتطويقه[6].
وبناءً على ذلك، فإن مسؤولية مكافحة الانحراف وحماية الشباب منه مسؤولية تضامنية تنهض بها الجهات والمؤسسات التالية:
1- الأسرة: الأسرة المحضن الأوّل للشاب وللفتاة على حدّ سواء، وعلى مدى التربية التي يتلقاها كلّ منهما في صغره يتحدّد مستقبلهما. فإذا حظيا بأسرة صالحة رجح أن يكونوا صلحاء، والعكس صحيح.
وقد تلعب عوامل خارجية كثيرة دورها في انحراف الشباب والفتيات، لكن يبقى دور العامل الأسري في الحماية والوقاية والصيانة من أهم العوامل على الإطلاق: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم/ 6).
الأسرة هي الحجر الأساس في البناء التربوي، وكلّما كان متيناً أمكن التنبؤ بمستقبل يبشِّر بالخير والصلاح. وبخلافه إذا كان هشّاً فإنّه لا يصمد أمام الضغوط والتحديات، وحينها لابدّ من جهود ذاتية استثنائية كبيرة يبذلها الشاب حتى يعوّض حرمانه من ذلك البناء ببناء آخر متين وهو (الدين).
إنّ الأُم التي تسمح لابنتها أن تطل على ضيوف أبيها وهي شبه عارية، والأب الذي يطلب من ابنته أن ترقص وتغني أمام ضيوفه، والأبوين اللذين لا يعارضان زيارة الأصدقاء الشباب لبيوتهم دون مراعاة لوضع بناتهم، والأب الذي يبتسم بفخر لابنه الذي استطاع أن يحتال على شخص فيغلبه ويعتبر ذلك سمة من سمات رجولته، هؤلاء إنّما يدفعون أبناءهم وبناتهم بكلتا يديهم إلى الانحراف.
أمّا الأبوان اللذان يحتاطان ويحترزان ويقدّران مخاطر أمثال هذه التصرفات في الحاضر والمستقبل، وإذا رأيا أنّ البيئة التي تعيش الأسرة فيها موبوءة أو ملوّثة ومحفّزة على الانحراف، عمدا إلى تغيير محل السكن حفاظاً على سلامة الأبناء والبنات، واللذان يقدمان التربية بشقيها المباشرة بالموعظة والحكمة، وغير المباشرة بأن يكونا قدوة لأبنائهما وبناتهما، إنّما يتصرفان بوحي المسؤولية الاجتماعية والدينية، ذلك أنّ الأسرة التي (تراقب) و(تحاسب) و(تخاطب) و(تشاور) الأبناء والبنات وتستخدم لغة الحوار والإقناع ستقلل – إذا لم تقطع نهائياً – احتمالات الانحراف.
2- المراكز التعليمية والتربوية: المدارس والمعاهد والمراكز التعليمية والتربوية الأخرى هي البيوت الثانية للشبان والفتيات، ولعلك تشترك معنا في الرأي إذا قلنا أنّ (المعلم) إذا كان مربياً مخلصاً، نجح في انتشال الأجيال من براثن الانحراف.
فقد يفتقد الشباب القدوة في بيوتهم لكنّهم يجدونها في مدارسهم، فإذا تمسّكوا بها ولم يتأثروا بالأجواء البيتية فقد اجتازوا عقبة كبيرة وأمنوا من تبعات الانحراف.
ولذا فإنّ رسالة التربية التي يجب أن تضطلع بها مدارسنا الإسلامية يجب أن تتقدّم على رسالة التعليم، أو لنقل أنّها ينبغي أن تسير بشكل متوازٍ معها وأن لا تتخلّف عنها، فربّ كلمة من معلم أو معلمة تهدي شاباً أو فتاة وتنقذهما من الوقوع في هاوية لا قرار لها.
دور المعلم الذي ينظر إلى التلميذ على أنّه ابنه الثاني ويتابعه ويرشده ويهديه ويسدّده ويقوّم سلوكه قد يفوق دور الوالدين في بعض الأحيان. أمّا إذا تظافرت الجهود التربوية وانضمّ الجهد الأسري إلى الجهد المدرسي فإن ذراعين رحيمين سيحتضنان الجيل.
3- علماء الدين والمؤسسات الدينية: المراجع والعلماء والفقهاء هم آباء الأُمّة والمشرفون على خط سيرها والمسدّدون لخطاها، ودورهم في حماية الشباب من الانحراف يتمثل في التثقيف المباشر بالإسلام، أو تشكيل لجان ومؤسسات تربوية مسؤولة ترعى هذه الشريحة وتؤمّن لها سبل الحماية، وتشعر أبناءها من كلا الجنسين أنّهم محطّ عنايتها ومحبّتها واحتضانها الأبوي.
وللمؤسسات الدينية والحوزات العلمية دورها المساند في تحصين الشباب ضدّ التحديات الثقافية والفكرية والسلوكية سواء بالتعريف بالإسلام بوجهه الصحيح وبأساليب عصرية مشوقة، أو بتقديم الحلول المناسبة لمشكلات الشباب الدينية والاجتماعية والنفسية برؤية معاصرة تخلق لغة تفاهم مشتركة بين هذه المؤسسات وبين الشباب.
هناك فراغ واضح وملحوظ يعاني منه الشبان والفتيات في المكتبة الإسلامية الشبابية، فلا تزال نادرةً الكتب التي تهتم بقضايا وهموم وشؤون ومشاكل وآمال الشباب، فلابدّ من توجيه العناية إلى أن يتخصّص بعض الروائيين والروائيات بطرح ذلك كلّه بلغة أدبية شفافة ونظيفة.
إنّ عدم نزول الكثير من علماء الدين إلى الميدان الشبابي أوجد هوّة أو غربة بين الإثنين حرمت الشباب من الأفكار والمفاهيم والأساليب التي يمكن أن تحصّنهم وتبني شخصياتهم بناءً متيناً.
وردم الفجوة يحتاج إلى فتح قنوات حوار، وإعادة نظر في الأساليب التبليغية والدعوية والإرشادية التقليدية، فالكثير منها بات منفّراً، أو في الأقل لم يعد صالحاً للزمن الذي يعيشه الشاب فلا يستهويه، خاصة إذا عقد مقارنة بين أساليب التربية والتوعية الحديثة ذات الطرح العلمي الذي يعالج المشاكل معالجة موضوعية تجيب على ما يدور في أذهان الشباب من أسئلةٍ أياً كان نوعها، وبين أساليب التوعية الدينية التي ما زالت تراوح مكانها إلّا ما ندر.
4- الكتّاب والأدباء والمثقفون: ما لم تتوجه عناية الكتّاب والأدباء والمثقفين الإسلاميين إلى الشباب، ويتخصّص بعضهم في دراسة أسباب ومظاهر وآثار وطرق معالجة الانحراف، ووضع خطّة شاملة في بناء الوعي الإسلامي فكراً وأدباً وثقافة، فإنّ الشباب إما أن يلجأ إلى كتابات غير منسجمة مع هويتهم، وإمّا أن يعيشوا الفراغ الذي ألمحنا إليه.
إنّ الدراسات الميدانية واستطلاعات الرأي، والبحوث والدراسات الشبابية، التي تضطلع بها جهات معينة متخصصة لا تكافح الانحراف فحسب، بل تقدم البدائل الصالحة للتربية مسؤولية مشتركة لا ينهض بها إلّا مَن يحمل رسالة قلمه وأمانة الجيل الذي ينتظر عطاءه.
5- الثقافة الإصلاحية: ثمّة أسلوب معاصر في المعالجة على المستوى التثقيفي يُطرح على شكل منشورات ملوّنة ومصوّرة وصغيرة، تناقش كل نشرة مشكلة انحرافية محددة وبشكل مكثف، أي إنّها تجيب على أسئلة محددة، فيمكن لنشرة من هذه النشرات أن تعالج ظاهرة التدخين بين الشباب والفتيات، وتتساءل: ما هي مضار التدخين، وكيف تجتنبه؟
هذه النشرات أشبه شيء بالمنشورات الصحية التي تعالج مرضاً معيناً وبمستوى ما يصطلح عليه بـ(الثقافة الشعبية أو الجماهيرية) أي الثقافة التي تقدم وجبة سريعة من المعلومات المنقّطة والمضغوطة والنافعة كأوليات في التثقيف بالمرض وبسبل معالجته.
6- مواقع الشبكة المعلوماتية الخاصّة بالشباب: تتولّى هذه المواقع الشبابية مسؤولية جسيمة في رصد الظواهر الانحرافية وطرحها على صفحات مواقعها الشبابية والنسوية، ذلك أنّ الأنظار اليوم متجهة إلى هذا الاختراع الذي يشدّ الانتباه ويسترق الكثير من الوقت وينافس العديد من وسائل التثقيف التقليدية.
فدور المواقع الشبابية هو جزء لا يتجرأ من رسالتها أن توجد حالة من التثقيف الأوسع بالظاهرة الانحرافية وطرق تفاديها، سواء باستشارة أخصائيين أو باجراء استطلاعات للرأي، أو بالردّ على أسئلة الشباب بأبوابها المختلفة، أو إدارة الحوارات التي يشرف عليها مختصون للخروج بأفضل الصيغ وأنسب الحلول.
7- الخطباء: وهم أئمة المساجد والجوامع والجماعة والجمعة والذين يعتلون المنابر والمنصّات للوعظ والإرشاد الديني وإحياء المناسبات الإسلامية، بل حتى الذين يمارسون مهمات التبليغ والدعوة الإسلامية، حيث إنّهم معنيون برصد الظواهر الانحرافية وهي في المهد، والتعريف بمخاطرها، وأن يكونوا قدوة للشباب في الصلاح والاستقامة، وأن ينتقلوا من مرحلة القاء الموعظة والتلقي السلبي الذي لا يعطي مجالاً للشبان في الحوار وطرح أسئلتهم ومداخلاتهم بشكل مباشر.
8- مؤسسات الدولة: الدولة هي المسؤولة الأكبر عن حماية الشباب من الانحراف بما لديها من قدرات ضخمة لا يمتلكها غيرها، فهي الأقدر – إنّ قدّرت ذلك وعملت باتجاهه – على تنظيف الساحة الاجتماعية والشبابية تحديداً من أوضار ومضارّ الانحراف.
فالوسائل التربوية والمناهج التعليمية والمراكز الشبابية تقع تحت إشرافها. ووسائل الإعلام – في الغالب – تدار من قبلها وهي التي ترسم خططها وتضع رسالتها، وهي التي تسنّ القوانين والقرارات التي من شأنها توفير الحماية ضدّ الانحراف.
فالدولة التي تضع قانوناً يحرّم تعاطي المخدرات وتعاقب على تجاوزه، وتفتح المصحّات التي تعالج المدمنين لإعادة تأهيلهم إلى الحياة الكريمة، والتي تستخدم وسائلها التعليمية والإعلامية لتثقيف الشبان والفتيات ضد الإدمان تساهم مساهمة فعّالة وأعظم من أيّة دائرة أخرى من دوائر المسؤولة.
9- الشباب أنفسهم: وتبقى مسؤولية الشاب عن نفسه في حماية نفسه من الانحراف من أهمّ المسؤوليات، فقد لا تنفع الدوائر الأخرى في حمل الشباب على الإقلاع عن ظاهرة انحرافية معيّنة، لكنّ الفتيان والفتيات – بما أوتوا من همّة عالية – قادرون على الوقوف بوجهها إذا تنبّهوا إلى مخاطرها الحاضرة والمستقبلة، ذلك أنّ الشباب وحده الذي بيده قرار الاستسلام للانحراف والانسياق مع المنحرفين، وبيده وحده قرار الممانعة والمقاومة ورفض الضغوط أو الإغراءات التي يلوّح بها الانحراف.
من هنا تأتي ضرورة أن يعمد الشاب أو الفتاة إلى تربية أنفسهما منذ وقت مبكر على الإحساس بالمسؤولية وتحمل نتائج الأعمال ومعرفة الصواب من الخطأ، والرجوع إلى ذوي الخبرة والاختصاص في حال عجزوا عن ذلك.
إنّ دوائر الوعي والتغيير السابقة تعمل كلّها في اتجاه واحد، وهو أن تضع الشباب في دائرة الوعي الثقافي بالظاهرة الانحرافية وكيفية النجاة منها.
لكن الشباب أنفسهم باعتبارهم موضوع الانحراف، يلعبون دوراً غاية في الأهمية في قطع دابر الانحراف، فالإنسان طبيب نفسه، ويمكنك كشاب أن تتفادى الانحراف بالمزيد من الرقابة الذاتية والتحسّب للنتائج والمخاطر المترتبة عليه، والتواصي فيما بينك وبين الآخرين من الأصدقاء والأخوة على مكافحته ومساعدة الدوائر الأخرى في القيام بدورها على أكمل وجه.

"وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين"

________________________________________
[1] حديثنا عن تراجع دور الأسرة ليس عامّاً مطلقاً، وإنّما عن ظاهرة تعيشها المجتمعات غير الإسلامية والإسلامية أيضاً، وإلا فما زالت هناك أسر تتحمل مسؤولياتها في تنشئة جيل صالح.
[2] حول مشاكل الأسرة المسلمة في الغرب، المؤتمر السنوي الرابع، ص 96.
[3] نسمِّي ذلك ثقافة لأنّه يعلّم الشبان والفتيات أساليب خبيثة ما كانوا ليعرفونها لولا المَشاهِد التي تتحرك بتقنية عالية ودرجة من الإقناع شديدة أنّ هذا الذي يرونه هو ما ينبغي أن يكون.
[4] الاختلاط سمة من سمات عصرنا الحاضر، فحتى لو فصلنا بين الجنسين في المدارس فإنّ الأسواق والشوارع والمنتزهات ودور السينما وقاعات الإحتفال والأعراس كلّها فرص مناسبة، وإن كانت المدرسة أو الجامعة الفرصة الأوسع، ولذا فإن ما ينبغي أن يراعى ليس منع الإختلاط وإنّما تربية الوازع الديني والأخلاقي لدى كل من الشاب والفتاة.
[5] يرد هذا التعبير أو الاصطلاح كثيراً في كتاباتنا وهو يشير إلى التقليد السلبي ويعني أن هناك تقليداً آخر يمكن أن نسمِّيه (التقليد الواعي). فالتقليد ليس مذموماً دائماً، وإلا فالإقتداء مثلاً هو لون من ألوان التقليد الإيجابي الواعي، والكثير من المبدعين بدأوا مقلدين ثمّ شقّوا لهم طريقاً خاصاً تميّزوا به.
[6]- إنّ الإفطار العلني يعدّ انتهاكاً لحرمة الصوم والصائمين في المجتمع الإسلامي، ولذلك يعاقب كل مَن ينتهك هذه الحرمة، لكنّ الذي يريد أن يعصي الله فيفطر في داره ولا يعلم به أحد، لا يؤثر على الجوّ العام للصيام والله هو الذي يتولى أمره، وهكذا في الأمور الأخرى.

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 سورة الدهر في كتب السنة
0 اية الاعتصام في كتب السنة
0 اية المباهلة /اسئلة واجوبة
0 تحريف ابن القيم وحذفه اسم الامام علي(ع)من ايه المباهله
0 اية المباهلة في كتب السنة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 08:17 AM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.2 © 2000 - 2017
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية