العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية المنتدى الفقهي

المنتدى الفقهي المنتدى مخصص للحوزة العلمية والمسائل الفقهية

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 11  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:43 PM


الدرس الحادي عشر: قاعدة إخبار ذي اليد

أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة حجية إخبار ذي اليد وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
149

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
هذه القاعدة من القواعد الّتي تأتي في سياق تعزيز الثقة بين الناس، بتصديق أقوالهم فيما تحت أيديهم، وترتيب الآثار الشرعية على إخباراتهم حولها. وهي تساهم في تثبيت أركان الانتظام العامّ في المجتمع.

بيان المراد من القاعدة
المراد من القاعدة أنّ كلّ من كانت له يد على شيء، فإنّ قوله حجّة فيه، فإذا أخبر عن نجاسته أوطهارته، أو كونه أمانة أو غصباً أومضاربة يقبل قوله فيه، سواء أكان ثقة أم ل, لأنّ الحيثيّة المبحوث عنها في قبول القول من جهة اليد لا في جهة الوثاقة. وحيثيّة الكشف في اليد كون صاحب اليد أبصر وأعلم بما في يده، ومعه لا يفرّق بين كونه مخبراً عن الطهارة والنجاسة، أوعن كون المال غصباً أو مضاربة أو أمانة.

ولذا نجدهم لا يشكّون إذا قال صاحب الدار أوصاحب الأثاث: إنّه ملكي، أو انتفاعه لي بإجارة ونحوها، في أنّهم ينتفعون به، وإذا قال: إنّه غصب أو وقف، ولست متولّياً ولا مأذوناً، لا يمسّونه، وكذا إذا قال: إنه لحم ميتة، وفي عكسه بأن قال: إنّه مذكّى.


--------------------------------------------------------------------------------
151

--------------------------------------------------------------------------------


ولا فرق بين القول والفعل بأن قدَّمه لضيوفه. وهكذا حال الأمّ إذا قالت: أنا أرضعتك العدد المحرّم بشروطه، أوقالت: إنّ الرضاع لم يكن بالشروط. أوقال صاحب المطعم: إنّه لحم غنم، أولحم أرنب، إلى غيرها من الموارد، بل ويأتي في كلّ ذلك قوله عليه السلام: "لَما قام للمسلمين سوق".

بل نراهم يعتمدون على الأوزان والموزونات والموادّ الغذائيّة المركّبة وما أشبه، كمن قال: إنّه رطل أوصاع أو كرّ، أو من قال: إنّ المعدودات بقدر كذا، فيما يتعارف إعدادها مسبقاً للمشتري، وكذلك الحكم بالنسبة إلى الأدوية المركّبة، مع أنّها قد تكون خطراً على الجسم أوالعضو، فيما إذا كانت خلاف الواقع أومركّبات الأغذية ممّا للإنسان عناية بصحّتها.

ولا فرق بين قول ذي اليد وفعله وتقريره, لوحدة الملاك، وإطلاق الأدلّة في الجميع.

بيان مدرك القاعدة
استدلّ على القاعدة بالسيرة وبجملة من الروايات:
أوّلاً: الاستدلال بسيرة العقلاء:
هذه القاعدة، كالعديد من القواعد الفقهيّة، عقلائيّة قبل أن تكون شرعيّة، وفي الحقيقة أمضاها الشارع لا أنّه أسّسها، ويظهرذلك بالرجوع إلى أهل العُرف والعقلاء، فإنّهم يعتمدون على إخبار ذي اليد، سواء أكان مالكاً أم وكيلاً أو أجيراً أو وليّاً، أو غير ذلك من أنحاء التسلّط على المال أو شبه ذلك، ويحتجّون بذلك في المخاصمات، ما لم يكن ذواليد متّهماً في قوله، ولا يشترطون في ذلك العدالة أو الوثاقة المعتبرة في حجّيّة خبرالواحد على نحو العموم، وهذا أمر ظاهر لمن راجعهم واختبر أحوالهم.


--------------------------------------------------------------------------------
152

--------------------------------------------------------------------------------


ثانياً: الاستدلال بالروايات:
الرواية الأولى: عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: "سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جُبّةَ فراءٍ، ولا يدري أذكيّة هي أم غير ذكيّة أيصلّي فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك"1.

وتقريب الاستدلال أنّ ظاهرها قبول قول المسؤول، وإلاّ لما حصل الضيق في الدين بالسؤال، فالأصل في الأشياء الإباحة والسعة، والضيق آتٍ من جهة السؤال.
الرواية الثانية: صحيّحة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام: "عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبختج (عُرّبت إلى البختج)، ويقول: لقد طبخ على الثلث، وأنا أعرفه أنّه يشربه على النصف، أفأشربه بقوله، وهويشربه على النصف؟ فقال: لا تشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة، ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث، ولا يستحلّه على النصف، يخبرنا أنّ عنده بختجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه، وبقي ثلث، يشرب منه؟ قال:نعم"2. والبختخ: معرّب: (بختبه) أي العصير المطبوخ المخمّر.

وظاهره قبول إخبار ذي اليد مع عدم ما يوجب اتهامه، وظهور أمارات الصدق منه، ولذا قبل قول المخالف ورُدّ قول المؤالف.

الرواية الثالثة: عن سعد بن إسماعيل، عن أبيه إسماعيل بن عيسى، قال: "سألت أبا الحسن عليه السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارفٍ؟ قال: عليكم أنتم


--------------------------------------------------------------------------------
153

--------------------------------------------------------------------------------


أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه"3.

وتقريب الاستدلال بها: ما ذكره السيّد الشهيد رحمه الله من عدم الاحتياج إلى السؤال مع كون البائع مسلماً، ولزوم السؤال مع كون البائع غير مسلم...، وهذا يقتضي تصديقه فيما يخبر به، وإلّا لما أجدى السؤال منه، وهومعنى قبول خبر صاحب اليد، وإذا ثبت أنّ خبره -الكافر- حجّة في إثبات الطهارة، يثبت بالأولويّة العرفيّة أنّه حجّة في إثبات النجاسة, لأنّ صاحب اليد إذا كان يصدق فيما هو في مصلحته من أوصاف الكمال لماله، فتصديقه فيما هو على خلاف مصلحته من أوصاف المال أولى عرفاً، بنكتة أنّ احتمال الكذب أبعد4.

الرواية الرابعة: عن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام: في حديث: "أنّه سئل عن الرجل يأتي بالشراب، فيقول: هذا مطبوخ على الثلث؟ قال: إن كان مسلماً ورعاً مؤمناً مأموناً فلا بأس أن يشرب"5.

تدلّ هذه الرواية على قبول قول ذي اليد بشرط الإسلام والورع والإيمان والأمان، ولا إطلاق فيها للكافر، أو لكلّ مسلم ٍ.

اعتبار العدالة أوالوثاقة في ذي اليد وعدمه
لا يخفى على الناظر في أخبار الباب أنّ إطلاقها ينفي اعتبار العدالة والوثاقة، وظاهرها قبول قول ذي اليد، سواء أكان عادلاً أم ثقةً أم لا، وهكذا فتاوى الفقهاء مطلقة من هذه الجهة، حتى إنّ بعضهم تردّد في اعتبار الإسلام فيه، واحتمل قبول قوله وإن كان كافراً، بل أفتى بعضهم باعتباره مطلقاً.


--------------------------------------------------------------------------------
154

--------------------------------------------------------------------------------


قال المحقّق اليزديّ في العروة: "لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أوعادلاً بل مسلماً أو كافراً"6، ويؤيّد ما ذكرنا، بل يدلّ عليه، عدم اعتبار شيء من هذه القيود في بناء العقلاء عليه. نعم، يستثنى من ذلك ما إذا كان ذو اليد متّهماً في مقالته، أويكون هناك قرائن ‌ظنّيّة تدلّ على كذبه، وإن لم تبلغ حدّ الحجّيّة، أو يكون ظاهر حاله مكذّباً لقوله، فإنّ بناء العقلاء على حجّيّة أمثالها بعيد جدّاً، وأخبار الباب أيضاً منصرفة عنها. وذلك مثل ما إذا كان المخبر ممّن لا يبالي في إخباره، أو كان الخبر بالطهارة مثلاً في موارد استصحاب النجاسة يجلب له نفعا كثيراً، وقد علمنا كذبه في مثل هذا الخبر في غير مورد، فإنّ الاعتماد على إخباره مشكل جدّاً، بل ممنوع7.


--------------------------------------------------------------------------------
155

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- المراد من القاعدة أنّ كلّ من كانت له يد على شيء فإنّ قوله حجّة فيه، فإذا أخبر عن نجاسته أوطهارته، أوكونه أمانة أوغصباً أومضاربة يقبل قوله فيه، سواء أكان ثقة أم لا.
- الحيثيّة المبحوث عنها في قبول القول من جهة اليد، لا في جهة الوثاقة. وحيثيّة الكشف في اليد كون صاحب اليد أبصر وأعلم بما في يده.

- عند الرجوع إلى أهل العرف والعقلاء، فإنّهم يعتمدون على إخبار ذي اليد، سواء أكان مالكاً أو وكيلاً أو أجيراً أو غير ذلك من أنحاء التسلّط على المال، ويحتجّون بذلك في المخاصمات ما لم يكن ذو اليد متَّهَماً في قوله.

- استدلّ على حجّيّة القاعدة بعدّة روايات، منها ما عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: "سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جُبّةَ فراءٍ، ولا يدري أذكيّة هي أم غير ذكيّة، أيصلّي فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك".

- الظاهر أنّهم يعتمدون على قول ذي اليد، بما أنّه كاشف عن الواقع وأمارة عليه, لأنّه أعلم وأعرف بما في يده من غيره.
- لا يخفى على الناظر في أخبار الباب أنّ إطلاقها ينفي اعتبار العدالة والوثاقة، وظاهرها قبول قول ذي اليد، سواء أكان عادلاً أم ثقةً أم لا.



مطالعة

حجّيّة قول ذي اليد من الأمارات أو من الأصول
الواضح أنّ اعتماد العقلاء على القاعدة ليس من باب التعبّد المحض، فلا نقول إنّ التعبّد في أمور العقلاء غير معقول - كما ذكره بعض محقّقي المتأخّرين -، بل نقول: إنّ التعبّد في ما بينهم وإن كان معقولاً مثل تعبّدهم بالقرعة، فإنّها لا كاشفيّة لها عن الواقع عندهم، بل قد لا يكون في موردها واقعاً مجهولاً، تكشف عنه القرعة كما في موارد قسمة الأموال بين الشركاء، ولكنّ ما نحن فيه ليس من التعبّد، بل الظاهر أنّهم يعتمدون على قول ذي اليد بما أنّه كاشف عن الواقع وأمارة عليه, لأنّه أعلم وأعرف بما في يده من غيره.
والحاصل أنّ جميع الخصوصيّات الموجودة في الأمارات موجودة هنا، فإنّ ذا اليد غالباً أبصر بما في يده من غيره، فيكون إخباره عنه كاشفاً عن الواقع المجهول.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- إذا كان شخص صاحب يدٍ على شيء وادّعاه غيره، فيحكم بأنّه له.
2- إذا كان شخص يبيع لحماً نشكّ أنّه مذكّى أو لا، فنحكم بالتذكية إن أخبر البائع بها.
3- إذا دخلنا دارَ شخصٍ وقال: إنّ هذا المكان من الدار نجسٌ، فنحكم بالنجاسة لإخباره.
4- لا تختصّ هذه القاعدة بإخبار ذي اليد المسلم بل تعمّ الكافر أيضاً.
5- معنى القاعدة هوأنّ كلّ من كانت له يد على شيء فإنّ قوله حجّة فيه، سواء أكان ثقة أم لا.
6- ظاهر أخبار الباب أنّ إطلاقها ينفي اعتبار العدالة والوثاقة، وظاهرها قبول قول ذي اليد سواء أكان عادلاً أم ثقةً أم لا.

- عالج الأسئلة الآتية:
1- إذا كان شخصان يسكنان داراً فتارةً يدّعيها أحدهما، وأخرى يدّعيها كلاهما، وثالثة يدّعيها شخص ثالث غيرهما، فما هوالموقف في هذه الحالات؟
2- لوتعارض استصحاب نجاسة الإناء وقول ذي اليد بطهارته فأيُّهما يُقدّم؟ ولماذا؟
3- لوأخبر المسلم المخالف ـ غير الإمامي ـ بطهارة الجلد الذي يبيعه، فهل يكون إخباره هذا حجَّة عندنا؟ علماً بأنَّ منهم من يعتقد طهارة الميتة بالدبغ، أولا يشترط كلّ الشروط المعتبرة في التذكية عندنا.
4- لو أخبر الفاسق بطهارة جميع ما في منزله من أثاث وفرش، فهل يُعتنى بهذا الإخبار؟ ولماذا؟.
5- استأجر شخصٌ داراً، وبعد أن تركها أخبر صديقه الّذي استأجرها بعد سنة بأنَّ بعضاً من أنحاء الدار نجسة، فهل يترتَّب الأثر على هذا الإخبار؟ علماً بأنَّه يحتمل أنَّ مالك الدار قد طهَّرها بعد خروج الأوَّل منها.
6- إذا أخبر المسلم بطهارة كلّ ما في منزله ، وكان هناك قرائن‌ظنّية تدلّ على كذبه لم تبلغ حدّ الحجّيّة، فهل يمكن الأخذ بقوله كونه ذا اليد؟



هوامش

1- العاملي، وسائل الشيعة،م.س، ج3، باب 50 من أبواب النجاسات، ح3.
2- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج4، باب7 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح17.
3- م.ن، ج3، باب50 من أبواب النجاسات، ح7.
4- الصدر، محمّد باقر: شرح العروة الوثقى،لاط، النجف الأشرف، مطبعة الآداب، 1392هـ.ق/ 1972م، ج2، ص126.
5- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج25، باب7 من أبواب الأشربة المحرّمة، ح6.
6- اليزدي، العروة الوثقى، م.س، طريق ثبوت النجاسة، المسألة 12.
7- الشيرازي، القواعدالفقهية، م.س، ج2، ص115.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 12  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:43 PM


الدرس الثاني عشر: قاعدة الإلزام

أهداف الدرس
- التعرّف إلى معنى قاعدة الإلزام وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
161

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
قاعدة الإلزام "ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم" ممّا اشتهر في كلمات الفقهاء التمسّك بها في أبواب مختلفة، مثل: النكاح والطلاق، وأبواب الميراث وغيرها، ولكن لم تنقّح حقّ التنقيح كساير القواعد الفقهيّة.

ومن أهمّ فوائد هذه القاعدة وآثارها على الفرد والمجتمع أنّها تنظّم قضايا أساسيّة في الأحوال الشخصيّة بشكل رئيس، بل في غيرها من الأحكام بين الإماميّة وغيرهم من المذاهب والديانات.

بيان المراد من القاعدة
تمهيد: لاشكّ أنّه قد تختلف الأحكام الفرعيّة بين المذاهب الإسلاميّة أو حتّى الديانات السماويّة، والقاعدة ناظرة إلى هذا الاختلاف، فقد يكون شخص بمقتضى مذهبه ملزماً بأداء مال أو شيء آخر، ولكن لا يلزم به على مذهبنا، فيأتي الكلام هنا في جواز أخذه منه أم لا؟ والمستفاد من مجموع الأحاديث الواردة في المقام أنّه يجوز إلزام أهل السنة - مثلاً- بمذهبهم وأحكامهم. فهنا صور:


--------------------------------------------------------------------------------
163

--------------------------------------------------------------------------------


الأولى: اختلاف مذهب الإماميّة مع أهل السنّة.
الثانية، اختلاف الإماميّة مع غير المسلمين.
الثالثة: اختلاف مذاهب أهل السنّة بعضهم ببعض.
الرابعة: اختلاف مذهب أصحاب الديانات السماويّة مع بعضهم البعض، كاليهوديّ والنصرانيّ.

والقدر المسلّم والمتيقّن من القاعدة هو الصورة الأولى فقط، أي في حالة اختلاف مذاهب السنّة عن مذهب الإماميّة.
وعليه يكون مفاد هذه القاعدة إلزام الآخرين بما ألزموا به أنفسهم، فيما لا نقول بصحّته عندنا، فكلّ ما يراه الآخر ملزماً له من ناحية أحكامه الدينيّة، سواء أكان ذلك من المال أم الحقوق أوالاعتباريّات ...، فيُلزم من قبل الإماميّ بما ألزم به نفسه.

فإنّ غير الإماميّ إذا قام بفعل معيّن يعتقد بصحّته، وكان الإماميّ لا يعتقد بصحّته، فله الحقّ في ترتيب الآثار التي هي في صالحه، بالرغم من عدم اعتقاده بصحّته في مذهبه، إلزاماً للطرف المقابل بما يقتضيه مذهبه. ولا بدّ في مورد إلزام الآخرين من وجود منفعة وسعة لنا.

مثال: يرى الإماميّة في باب إرث الزوجة أنّها ترث من الأموال المنقولة، وأمّا غير المنقولة - وهي الأرض وما ثبت عليها من بناء وأشجار - فلا ترث الزوجة من الأرض شيئاً، وترث ممّا ثبت عليها من قيمته دون عينه. وأمّا أهل السنة فيرون أنّها ترث من جميع التركة، وعلى هذا فلوكانت الزوجة من الإماميّة بينما بقيّة الورثة من غيرهم، فلها أخذ الربع أوالثمن من جميع التركة بقاعدة الإلزام.


--------------------------------------------------------------------------------
164

--------------------------------------------------------------------------------


بيان مدرك القاعدة
مدرك هذه القاعدة من الإجماع والتسالم والروايات:
الجهة الأولى: في مستندها من الحديث: الروايات المتعدِّدة الواردة في باب النكاح والطلاق والميراث، منها:
1- رواية عليّ بن أبي حمزة، عن أبي الحسن عليه السلام: "المطلّقة على غير السنّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك"1، فإنّها دلّت بوضوح على أنّ المطلّقة بطلاق فاقد للشروط الشرعيّة عند الإماميّة يجوز الزواج بها، وعلّل عليه السلام ذلك بتعليل عامّ وهو الإلزام بما ألزموا به أنفسهم.

وروى عبد الرحمن البصريّ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: "امرأة طلّقت على غير السنّة؟ فقال: تتزوّج هذه المرأة، لا تترك بغير زوج"2.
فإنّه لا يمكن حملها على المعتقد بالبطلان، فهي محمولة على من يطلّق على غير السنّة معتقداً صحّتها، فيلزم الزوج بما التزم به من مذهبه، وتكون المرأة خليّة فتأمّل.

2- صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: "سألته عن الأحكام؟ قال: تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلُّون"3، أي أنّ كلّ ما يرونه حلالاً وصحيحاً يكون ممضيّاً عليهم.

3- ما رواه الكلينيّ بسنده إلى عمر بن أذينة، عن عبد الله بن محرز: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمّه؟ فقال: المال كلّه لابنته


--------------------------------------------------------------------------------
165

--------------------------------------------------------------------------------


وليس للأخت من الأب والأمّ شيء. فقلت: فإنّا قد احتجنا إلى هذا والميّت رجل من هؤلاء الناسُ وأخته مؤمنة عارفة؟ قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنّتهم وقضاياهم. قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة، فقال: إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً"4.

دلّت على أنّ الوظيفة هي المؤاخذة منهم، لما ورد في مذاهبهم، والدلالة تامّة5، فتدلّ الرواية على ثبوت حقّ المقاصّة النوعيّة، وأنّه ما داموا هم يأخذون منكم فأنتم خذوا منهم بالمقابل أيضاً.

1. ما رواه عبد الله بن طاووس قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: "إنّ لي ابن أخ زوّجته ابنتي، وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق؟ فقال: إن كان من إخوانك فلا شيء
عليه، وإن كان من هؤلاء فَأَبِنْهَا منه، فإنّه عنى الفراق، قال: قلت: أليس قد رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس، فإنّهنّ ذوات الأزواج؟ فقال: ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء، إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم"6، وعموم الحديث نظراً إلى ذيله ظاهر.

ونكتفي بذكر هذا المقدار من الروايات الّتي يكاد يحصل القطع من خلالها بصدور مفاد القاعدة عن المعصومين عليهم السلام.


--------------------------------------------------------------------------------
166

--------------------------------------------------------------------------------


شمول القاعدة للأبواب الفقهيّة
قد عرفت ممّا مرَّ أنّ جلّ أحاديث الباب وردت في الإرث والنكاح والطلاق. ولكن هل يختصّ الحكم بهذه الأبواب الثلاثة، أو يشمل أبواباً مثل: الوصيّة والوقف والهبة وإحياء الموات والحيازة، ونحوذلك، من الأحكام والحقوق؟.

والجواب: إنّه لا يوجد أيّ مانع من شمولها لها بعد عموم الأدلّة، وشمول الإطلاقات، وعدم الدليل على تخصيصها. فلوأنّ أحداً من المذاهب الأخرى أوصى بوصيّة صحيحة عنده، باطلة عندنا، تشمل هذه الوصيّة أصنافاً منّا، فأيّ مانع من الأخذ بمقتضى وصيّته، والانتفاع بها، بعد عموم قوله: "ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم"، وقوله: "يجوز على كلّ ذوي دين ما يستحلّه"، وقوله: "من دان بدين قوم لزمته أحكامهم"، وقد مرّ ذكرها جميعاً في طيّ روايات الباب. وكذلك إذا وهب مالاً هبة صحيحة عنده، باطلة عندنا، يجوز التصرّف فيه بعنوان الهبة. وهكذا في أبواب المضاربة والإجارة والمزارعة والمساقاة، يجوز الأخذ بمقتضى ما يلتزمون به من أحكامهم، كما يأخذون منّا بمقتضاها. وكذلك الأمر في أبواب الحيازة وإحياء الموات، فلوأنّ أحداً منهم عمل ما يوافق قواعد الحيازة والإحياء عندنا، ولكنّه لا يراها صحيحة، بحسب أحكامهم، فيتركه من هذه الجهة، لا من باب الإعراض الّذي يوجب الخروج من الملك مهما كان، فلِمَ لا يجوز الأخذ بمقتضى مذهبهم فيما يكون عليهم، كما يأخذون منّا فيما يكون لهم؟ ولكنّ الأصحاب لم يتعرّضوا لهذه الفروع في كلماتهم، ولعلّه لعدم الابتلاء به كثيراً في غير أبواب النكاح والطلاق والإرث، ولكنّ عدم التعرّض لها لا يكون دليلاً على عدم قبولهم لها مع عموم الأدلّة، وإطلاق الفتاوى أحياناً7.


--------------------------------------------------------------------------------
167

--------------------------------------------------------------------------------


حدود القاعدة
وقع البحث في أنّ المراد بالقاعدة هل هو إلزام خصوص أهل المذاهب الأخرى، أو إلزام كلّ فرد بما يعتقد؟ فهل تعمّ القاعدة سائر ذوي الأديان؟ فلوفرض أنّ الكتابيّ طلّق زوجته طلاقاً فاقداً للشروط عند الإماميّة، فهل يجوز الزواج بها؟
الجواب نعم، لوجوه:
- إنّ المسلم من غير الإماميّة إذا كان يلزم بذلك، فبالأولى إلزام غير المسلم بذلك.
- ظاهر قوله عليه السلام: "خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنّتهم"، وقوله: "خذهم بحقّك في أحكامهم، كما يأخذون منكم"، في معرض السؤال عن حكم التعصيب، وقوله عليه السلام: "ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم"، في معرض السؤال عن جواز الزواج، وحكم الطلاق، أنّ الإلزام ناظر إلى أهل السنّة.

- إنّ صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة، قالت: "تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلّون"، وهذا يعمّ غير المسلم أيضاً. فالظاهر أنّ الإلزام لا يختصّ بالمسلمين، بل يلزم أهل كلّ دين بما يعتقدون، فيكون ذكرها بعد السؤال عن التعصيب والطلاق والزواج من باب التطبيق لا الاختصاص، كما هوالمفهوم عرفاً من ذلك.

وهنا ينبغي أن نشير إلى أنّ ما تقدّم من القول بعموم القاعدة لا يشمل الإماميّ مع الإماميّ، فيما لواختلف المكلّفون في التقليد، لأن لهما مذهباً واحداً، وإن احتمل الخطأ من أحدهما، مع احتمال شموله لهم, لأنّ المراد إلزام أهل كلّ اعتقاد بما يعتقدون، وليس أهل الاعتقاد نفسه مع بعضهم البعض.


--------------------------------------------------------------------------------
168

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- أهمّ فوائد هذه القاعدة أنّها تنظّم قضايا أساسيّة ومهمَّة في الأحوال الشخصيّة بشكل رئيس، بل في غيرها من الأحكام بين الإماميّة وغيرهم من المذاهب والديانات.
- مفاد القاعدة أنّ غير الإماميّ إذا قام بفعل معيّن يعتقد بصحّته، وكان الإماميّ لا يعتقد بصحّته، فللإمامي الحقّ في ترتيب الآثار الّتي هي في صالحه، بالرغم من عدم اعتقاده بصحّته,
إلزاماً للطرف المقابل بما يقتضيه اعتقاده.

- لا بدّ (في موارد إلزام الآخرين) من وجود منفعة وسعة للإماميّ.
- دلّت الروايات الواردة في النكاح والطلاق على القاعدة، منها ما رُوي عن أبي الحسن عليه السلام: "المطلّقة على غير السنَّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه
أنفسهم، وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك".

- لا مانع من شمول القاعدة للأبواب الفقهيّة غير النكاح والطلاق والإرث، كالوصيّة والوقف، والهبة، وإحياء الموات، والحيازة، بعد عموم الأدلة، وشمول الإطلاقات وعدم الدليل على
تخصيصها.

- إنّ المسلم من غير الإماميّة إذا كان يلزم بذلك، فبالأولى إلزام غير المسلم بذلك، لصحيحة محمّد بن مسلم: "تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلّون"، وهذا يعمّ غير المسلم أيضاً.



مطالعة

قاعدة نفي السبيل
معنى القاعدة هو نفي سلطة الكافر على المسلم، وعليه فكلّ عمل من المعاملات والعلاقات بين المسلمين والكفّار إذا كان موجباً لتسلّط الكفّار على المسلمين فإنّه لا يجوز شرعاً فردياً كان أوجمعياً، فعلى ذلك لا يجوز للمسلم إجارة نفسه للكافر بحيث يكون الكافر مسلّطاً على المسلم الأجير. ويمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما في قوله تعالى: ï´؟وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاًï´¾،8 فظاهر هذه الآية هو نفي السبيل بمعنى نفي الحكم الذي كان موجباً لتسلّط الكافر على المسلم، فلايكون مثل هذا الحكم مجعولاً شرعاً، كما قال السيّد الحكيم رحمه الله: "فإنّ السبيل إلى الشيء غير السبيل عليه، والأوّل: ظاهر في الوصول إلى ذاته والاستيلاء عليه (الشيء). والثاني: ظاهر في القدرة على التصرّف به، فحمل الآية - على المؤمنين - على الثاني متعيّن، فتدلّ على نفي السلطنة على التصرّف بالمؤمن9. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الملاك في المقام (السبيل المنفي) هو تسلّط الكافر من جانب وذلّة المسلم من جانب آخر، فلوتحقّق هذا الملاك فلا شكّ في فساد المعاملة، وإلّا فلا دليل على البطلان، كما قال السيّد الحكيم : "فالتحقيق أنّ السبيل المنفيّ ما كان موجباً لمذلّة المسلم ومهانة عليه لا مطلق, فإذا لم تكن الإجارة موجبة لذلك صحّت بلا مانع..."10.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- ينحصر مفاد القاعدة إذا قام غير الإماميّ بفعل يعتقد بصحّته، فللإماميّ الحقّ في ترتيب الآثار الشرعيّة الّتي هي في صالحه، بالرغم من عدم اعتقاده بصحّة عمله.
2- تنحصر قاعدة الإلزام في الأبواب الفقهيّة الآتية: (النكاح والطلاق والإرث).
3- لوعقد رجل من السنّة على امرأة بدون إشهاد بطل عقده، ولكن لا يجوز للإماميّ أن يتزوّجها بناءً على قاعدة الإلزام.
4- إذا طلّق غير الإماميّ المرأة بالكتابة، فإنّه يجوز للشيعيّ ترتيب آثار الطلاق عليه واقعاً.
5- لوكانت الزوجة من الإماميّة، بينما بقيّة الورثة من غيرهم، فلها أخذ الربع أوالثمن من جميع التركة بقاعدة الإلزام.
6- إنّ المسلم من غير الإماميّة إذا كان يلزم بشيء، فبالأولى إلزام غير المسلم بذلك الشيء, لصحيحة محمّد ابن مسلم: "تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلّون".

- عالج الأسئلة الآتية:
1- المطلَّقة، إذا كانت يائسة أوصغيرة، لا تجب عليها العدَّة مع الدخول عند الإماميّة، بينما تجب عند السنة، فلوفرض أنَّ الزوجة كانت شيعيّة دون زوجها، فهل لها حقّ المطالبة بالنفقة
أيَّام العدَّة أم لا؟ ولماذا؟

2- إذا كانت الزوجة من الشِّيعة ومات زوجها، وكان بقيَّة الورثة من السنّة، فهل لها أخذ الربع أو الثمن من جميع التركة، من دون تفصيل بين الأموال المنقولة وغير المنقولة، كما هوعند السنّة؟

3- لوكان الزوج إماميَّاً وله زوجة من السنّة وطلّق ثلاثاً في مجلس واحد، والذي هو باطل عند الإمامية، فما هي الأحكام التي تثبت بمقتضى قاعدة الإلزام؟ وما هي الأحكام الّتي تثبت بقطع النظر عن هذه القاعدة؟

4- إذا تزوّج الإماميّ بغير الإماميّة بدون إشهاد، فما هوالحكم تجاه نفقتها؟

5- إذا تزوّجت الإماميّة بغير الإماميّ بدون إشهاد، فما هي الأحكام المترتّبة بمقتضى قاعدة الإلزام؟

6- إذا كان الزوج إماميّاً وله زوجة غير إماميّة وطلّقها ثلاثاً في مجلس واحد الّذي هو باطل عندنا، فما هي الأحكام الّتي تثبت بمقتضى قاعدة الإلزام؟



هوامش

1- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج 22، باب30 من أبواب مقدّمات الطلاق، ح5.
2- م.ن،ح3.
3- م.ن، ج26، باب 4 من أبواب ميراث الأخوة، ح4.
4- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج26، باب 4 من أبواب ميراث الأخوة، ح1.
5- وأمّا السند ففيه الثقات الأجلّة، إلّا أنّ عبد الله بن محرز مجهول، ومع ذلك يؤخذ بهذه الرواية, وذلك لما ورد من الشهادة، في ذيلها، على صحّة المدلول، وهي: قال ابن اذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً. فبما أنّ ابن أذينة (الراوي عن ابن محرز) قال: فذكرت ذلك، يفيد الذكر بأنّه اعتمد على مدلول الرواية واعتقد بصدورها، وبعد ما سمع زرارة، فقال: إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً. فالذيل يوجب الوثوق بالصدور، ويتحقّق الموضوع لحجيّة الخبر فيتمّ المطلوب.
6- م.ن، ج15، باب30 من أبواب مقدّمات الطلاق، ح9.
7- الشيرازي، القواعدالفقهية، م.س، ج2، ص166.
8- النساء: 141.
9- الحكيم، نهج الفقاهة، م.س، ص314.
10- م.ن، ص317.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 13  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:43 PM


الدرس الثالث عشر: قاعدة الاشتراك في التكليف

أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة الاشتراك في التكليف وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
173

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
الأصل أن يشترك جميع المكلّفين في التشريعات والتكاليف الصادرة عن الشارع المقدّس, التزاماً بمبدأ عالميّة الدين الإسلاميّ، وتعميماً لجميع الأحكام الّتي صدرت في مناسبات مختلفة في صدر الإسلام، على جميع المكلّفين في الأزمنة التالية.

بيان المراد من القاعدة
المراد من القاعدة اشتراك جميع المكلّفين في التكليف في الأحكام الشرعيّة، وعدم اختصاص هذه الأحكام بجماعة دون جماعة، فهي تعمّ الحاضرين والغائبين والعالمين والجاهلين أجمعين، فلا اختصاص بزمان أومكان أو طائفة أو شخص أوجنس.

وذلك كما إذا صدر في واقعة ما حكم شرعيّ موجَّه إلى طائفة أوشخص معيَّن، فهذا الحكم سيكون مشتركاً بين جميع المكلَّفين، الرجل والمرأة، الحاضر والغائب، العالم والجاهل، والمراد به توسعة الخطاب أوالمخاطب. هذا إذا لم يكن هناك ما يدلُّ على مدخليَّة خصوصيَّة لا تنطبق إلاَّ على شخصٍ خاصٍّ، أوطائفة خاصَّة، أو زمان خاصّ، كزمان حضور الإمام عليه السلام فالحكم


--------------------------------------------------------------------------------
175

--------------------------------------------------------------------------------


سيكون مشتركاً بين جميع المكلَّفين إلى يوم القيامة، سواءً أكان ثبوته بخطاب لفظيّ، أم بدليل لبِّيّ من إجماعٍ وغيره.1

وهنا، لا بدّ من بيان أمور وتوضيحها:
أ- لا يُراد من الاشتراك اتّحاد جميع المكلَّفين في الأحكام بأيّ صفة كانت وعلى أيّ حال من الأحوال, لأنَّ هذا باطل بالضرورة، ولا إشكال في اختصاص بعض المكلَّفين دون بعض عند الضرورة وعدمها، وعند المرض وعدمه، وغيرها من القيود والشروط والاستثناءات.

ب- الاشتراك لا ينافي اختصاص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ببعض الأحكام, لامتيازه صلى الله عليه وآله وسلم من سائر البشر، وبلوغه أعلى مراتب الكمال. ولهذا لا يستشكل على بعض استثناءات القاعدة كاختصاصات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يستشكل أيضاً بالأحكام الخاصَّة بالرجل كالجهر دون المرأة، أوبالعكس ككون إرثها نصف إرث الرجل، في كثير من الأحيان, وذلك لأنّ الأصل الاشتراك، والخارج يحتاج إلى الدليل.

بيان مدرك القاعدة
تمهيد: إنَّ ذكر الدليل على اعتبار قاعدة الاشتراك كان من باب العمل بسيرة المحقِّقين، وإلاَّ فلا تحتاج هذه القاعدة إلى الاستدلال, لأنَّها من ضروريّات الفقه، ولا يكون فيها أيَّ شبهة وأدنى ريب عند المسلمين. "فالآيات والروايات الكثيرة دالَّة على اشتراك الأحكام الواقعيَّة بين العالم والجاهل، وإن شئت فعبِّر عنها بقاعدة الاشتراك، فإنَّها من ضروريات المذهب"2.

ومع هذا يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بأمور، هي:


--------------------------------------------------------------------------------
176

--------------------------------------------------------------------------------


الأوّل: إطلاق خطابات الكتاب:
يدلّ عليها من الكتاب الخطابات الشفهيّة، مثل: ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُï´¾، وï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ...ï´¾، وما أشبه، ممّا لا إشكال في اتّحاد مفادها مع مفاد سائر الأحكام الّتي لم تصدر بهذه الجمل، مثل: ï´؟كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُï´¾3، ï´؟وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ...ï´¾4،ï´؟وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم...ï´¾5، ï´؟وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِï´¾6، وما أشبه من غير فرق بين أن يكون للتكليف أو للوضع، مثل: ï´؟يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ...ï´¾،7 إلى غيرها.

واختصاص الخطاب بالمشافهين، أو الحاضرين دون الغائبين والقادمين، لقبح خطاب غير الحاضر أو المعدوم، إنّما يتمّ إذا لم يكن التشريع للجميع، كما يفهم كلّ أصحاب الأديان والقوانين، فإنّها على نحوالقضايا الحقيقيّة.

نعم، إذا كان على نحو القضايا الخارجيّة مثل "جهّزوا جيش أسامة"،8 لم يشمل حتّى غير المعنيّين، فكيف بغيرهم؟

الثاني: ويدلّ عليها من السنَّة الشريفة:
1- الحديث النبويّ المشهور: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة"9. وهويدلُّ على أنَّ الحكم الشرعيّ لا يختصُّ بفرد خاصّ، بل يعمُّ الجميع، بعد معرفة أنَّ المراد بالجماعة هوالعموم، لا جماعة خاصَّة.

2- صحيحة زرارة عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: "حلال محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرام محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم حرام أبداً


--------------------------------------------------------------------------------
177

--------------------------------------------------------------------------------


إلى يوم القيامة"10.

بعد وضوح أنَّ المراد "من الحلال والحرام" هو الأحكام والتشريعات الإلهيّة، دلَّ الحديث على أنَّ الحكم الشرعيّ لا يختصُّ بزمان ولا بشخص أو طائفة، بل يشمل الجميع، فيشترك جميع المكلَّفين في الحكم في مختلف الأعصار.

الثالث: الأدلَّة الأوَّليَّة:
إنَّ الأدلَّة الّتي تبيّن الحكم تكون على قسمين:
1- الإنشاء العامّ بنحو القضيّة الحقيقيّة، كقوله تعالى: ï´؟...وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً...ï´¾11، هذا القسم بظهوره يشمل الجميع, لأنَّ مفاده تحقُّق الحكم في فرض تحقُّق الموضوع، بلا فرق بين الحاضر والغائب.

2- الخطابات الشفاهيّة: مثل قوله تعالى: ï´؟...وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ...ï´¾ وغيره، هذا القسم بالأسلوب الأوَّليّ، منصرف إلى الحاضرين، ولكن قُرّر في أصول الفقه عدم اختصاصه بالحضور، كما قال المحقّق صاحب الكفاية: "ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ...ï´¾، ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ...ï´¾، بمن حضر مجلس الخطاب، بلا شبهة ولا ارتياب، ويشهد لما ذكرناه صحَّة النداء بالأدوات مع إرادة العموم من العامّ الواقع تلوها بلا عناية"12.

الرابع: بناء العقلاء:
إنّه بناء كافّة العقلاء، في جميع الأمصار والأدوار، هذا بالإضافة إلى الارتكاز والسيرة.


--------------------------------------------------------------------------------
178

--------------------------------------------------------------------------------


وعليه فلا خصوصيّة للرجل أو المرأة، والصبيّ أو الصبيّة، سواء أكان الخطاب ونحوه للأوّل أم للثاني، مع حفظ القيود والشروط في الموضوع، وبالعكس، ولذا لوسأل زرارة أو أمّ فلان، الإمام الصادق عليه السلام أنّ ثوبه أو ثوبها أصابه بول؟ فقال: اغسله في الماء الجاري مرّة، لم يشكّ في أنّه لا خصوصيّة لمن يسأل، كما لا يشكّ في أنّه لا خصوصيّة لأهل المدينة محلّ السؤال، أو للنهر الّذي أشارإليه الإمام عليه السلام مثلاً بقوله: اغسله فيه.

ولذا لم يشكّ الفقهاء قديماً وحديثاً ـ باستثناء المستند ـ في أنّ قوله عليه السلام: "انظروا إلى من معكم من الصبيان"13، يشمل البنات أيضاً.

حدود توسعة الاشتراك في التكليف
يمكن توسعة الخطاب الموجَّه للرجل، في ضوء القاعدة، للمرأة أيضاً، كما في قوله تعالى: ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ...ï´¾، فيكون الخطاب شاملاً للرجل والمرأة معاً، ويكون الخطاب كأنَّه: يا أيّها الذين آمنوا واللواتي آمنَّ.

وممَّا يراد بالقاعدة اشتراك الكفَّار مع المؤمنين في التكاليف الإنشائيَّة والفعليَّة، بمعنى أنَّه كما يكون المسلم مبعوثاً إلى مثل الصلاة، كذلك يتوجَّه البعث إلى الكافر أيضاً من دون فرق، وكما يكون المسلم مزجوراً عن مثل شرب الخمر، كذلك يتوجَّه الزجر إلى الكافر أيضاً بنفس ذلك الخطاب.14 على تفصيل في محلّه. ولكن يوجد رأي آخر يقول بعدم توجّه التكليف بالفروع إلى الكافي...


--------------------------------------------------------------------------------
179

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- يُراد بقاعدة الاشتراك: أنَّ جميع المكلَّفين مشتركون في التكليف، وأنَّ الأحكام تشتمل على الحاضر منهم والغائب والعالم والجاهل أجمع.
- استدلّ على القاعدة بروايات بعضها صحيح، استفيد منها عموم الخطاب.
- إنَّ الأدلَّة الأوَّليَّة إمَّا أن تكون على نحوالقضيَّة الحقيقيّة، وهذا النحويشمل جميع المكلَّفين، بلا فرق بين الحاضر والغائب، والعالم والجاهل، والرجل والمرأة، أوتكون على نحو الخطابات الشفاهيّة، وقد قرّر في محلّه من علم الأصول بأنَّها غير مختصَّة بالحاضرين، خصوصاً على القول بأنَّ الخطاب موجّه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
- يمكن توسعة عمومات أدلّة القاعدة لتشمل غير المسلمين في العديد من الخطابات الشرعيّة.



مطالعة

تطبيقات في قاعدة الاشتراك
1- الحكم بوجوب قضاء الصلاة الواجبة الّتي فات وقتها، عمداً أوسهواً أوجهلاً، أوبسبب النوم المستوعب للوقت أوغير ذلك، لا يختصُّ بالسائل وحده، بل يشمل الجميع, لأجل قاعدة
الاشتراك.

2- الماء الراكد القليل ينفعل بملاقاة النجاسة، وأمَّا إذا بلغ كرّاً فلا ينفعل، ودليل هذا الحكم هوجواب الإمام عليه السلام عن سؤال وُجّه إليه من أحد المكلّفين، في قضيَّة خاصَّة، وتسرية
الحكم إلى كلِّ ماءٍ يحتاج إلى القاعدة.

3- سئل الإمام عليه السلام عن حكم رجل شرب الخمر وبصق فأصاب ثوب شخص، فأجاب الإمام عليه السلام: لا بأس، وهذا الحكم يمكن تعميمه على كلّ شخص، ابتلي بمثل ذلك, لقاعدة الاشتراك.

4- هل يجب على الوليّ (الولد الأكبر) قضاء صوم المرأة، متناسقاً لقضاء صوم الرجل، أم لا؟ قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه الله: الأقوى هوثبوت القضاء وفاقاً لظاهر المعظم، بل نسب إلى الأصحاب, لقاعدة الاشتراك15.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- يُراد بقاعدة الاشتراك أنَّ جميع المكلَّفين مشتركون في التكليف، وأنَّ الأحكام تشتمل على الحاضر منهم والعالم فقط.
2- يقصد بقاعدة الاشتراك أنَّ جميع المكلَّفين - بلا فرق بين الحاضر منهم والغائب، والعالم والجاهل - مشتركون في التكليف، وأنَّ الأحكام تشمل جميعهم دون فرق.
3- لا يمكن توسعة عمومات أدلّة القاعدة لتشمل غير المسلمين، في العديد من الخطابات الشرعيّة.
4- يمكن التمسُّك (للاستدلال على القاعدة) باستصحاب بقاء الأحكام الثابتة لجماعة المسلمين في صدر الإسلام، في جميع الأزمنة المتأخِّرة عنه حتّى قيام الساعة.
5- يُراد من الاشتراك اتّحاد جميع المكلَّفين في الأحكام، بأيّ صفة كانوا، وعلى أيّ حال من الأحوال.

- عالج الأسئلة الآتية:
1- كيف يمكن الاستدلال على قاعدة الاشتراك بوساطة الأدلَّة الأوَّليَّة للأحكام؟
2- هل يصلح أصل الاستصحاب لإثبات اشتراك جميع المكلَّفين في الأحكام؟ وكيف؟
3- هل هناك روايات صحيحة تدلُّ على اعتبار قاعدة الاشتراك؟ وما هي؟
4- كيف نجمع بين مفاد أدلّة قاعدة الاشتراك، وبين تخصيص الكثير من الأحكام بالرجال دون النساء، أوالعكس مثلاً؟
5- هل يصحّ القول باشتراك الكفّار مع المسلمين في الخطابات؟ علّل، وأوضح ذلك.
6- ألا يقتضي الاشتراك في التكاليف عدم تمييز المرأة من الرجل، في حصّتها من التركة؟ كيف توجّه هذا الأمر؟



هوامش

1- اللنكراني، فاضل: القواعدالفقهية، تقديم محمّد جواد فاضل اللنكرني، ط1، قم المقدّسة، مطبعة مهر، 1416هـ.ق، ج1، ص295.
2- الخوئي، مصباح الأصول، م.س، ج2،ص257.
3- البقرة: 183.
4- البقرة: 43.
5- الأنفال: 41.
6- آل عمران: 97.
7- النساء: 11.
8- المجلسي، بحارالأنوار، م.س، ج30، ص432.
9- الإحسائي، عوالي اللآلي،م.س، ج1، ص99؛ المجلسي، بحارالأنوار، م.س، ج2، ص272.
10- الكليني، الكافي، ج1، كتاب فضل العلم، باب التقليد،ح19، ص47.
11- آل عمران: 97.
12- الخراساني، كفايةالأصول، م.س، ج1، ص358.
13- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج11، باب17 من أبواب أقسام الحج،ح3- 5.
14- اللنكراني، القواعد الفقهيّة، م.س، ج1، ص325.
15- النجفي، جواهرالكلام، م.س، ج17، ص45.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 14  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:44 PM


الدرس الرابع عشر: قاعدة الإقرار

أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة الإقرار وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
185

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
حدّدت الشريعة المقدّسة مجموعة من الحقوق الّتي تنفذ بإقرار المكلّف على نفسه، واعتبرت إقراره جائزاً، بل حجّة يترتّب عليه الأثر، إن كان لصالح الآخر، كما هوالغالب، وقد اعتمد الفقهاء عليها في العديد من الأبواب الفقهيّة، قال العلّامة الحلِّيّ في صيغته: "هي اللفظ المتضمّن للإخبار عن حقّ واجب، كقوله لك عليّ، أوعندي، أوفي ذمّتي، أو ما أشبهه، ويصحّ الإقرار بغير العربيّة اضطراراً واختياراً. وإطلاق الإقرار بالموزون ينصرف إلى ميزان البلد، وكذا المكيل، وكذا إطلاق الذهب أو الفضة، ينصرف إلى النقد الغالب في بلد الإقرار"1.

بيان المراد من القاعدة
المقصود من القاعدة أنّ كلّ عاقل إذا اعترف بشي‌ء هو في غير صالحه، كان ملزَماً باعترافه، فلو اعترف قائلاً بأنّ الدار الّتي أسكن فيها ليست هي لي، بل لزيد، أُخذ باعترافه وكان ملزماً به. وهكذا لو قال: إنّي لم أدفع المهر


--------------------------------------------------------------------------------
187

--------------------------------------------------------------------------------


لزوجتي، وهو بعدُ في ذمّتي، كان ذلك منه اعترافاً على نفسه، وكان ملزماً به.

أمّا إذا قال: الدار الّتي يسكن فيها زيد هي ليست له، بل قد غصبها منّي، لم يكن ذلك منه مقبولاً، بل احتيج في تصديقه إلى إثبات بالبيّنة, لأنّه ليس اعترافاً على نفسه، بل هوادّعاء في صالح نفسه ونفعها، والادّعاء المقبول هو ما كان في ضرر المدّعي، لا ما كان في صالحه.

توضيح مفردات القاعدة:
"على": ومنه يتّضح أنّ كلمة "على" المذكورة في لسان القاعدة يُراد بها الإشارة إلى حيثيّة كون الادّعاء في ضرر المدّعي، فهوعليه وليس له.

"جائز": المقصود من كلمة "جائز" الواردة في لسان‌القاعدة، هو الجواز بمعنى النفوذ والإلزام، وليس بمعنى الإباحة أو الجواز، في مقابل الحرام، فمعنى الإقرار على النفس جائز يراد به أنّ الإقرار على النفس نافذ وماض وتكون ملزمة به.

"الإقرار": والإقرار لغةً وعرفاً، عبارة عن جعل الشيء ذا قرار وثبات، فمتى أقرَّه على شغله: أي جعله ثابتاً في ذلك الشغل. والمراد من الإقرار هنا (في الفقه) هواعتراف المقرّ بما في ذمّته من الدَين أوالحقّ أوالضمان وغيرها، والإقرار هوأقوى الطرق لإثبات الحكم على المكلَّف، أونفيه عنه، وهومقدّم على الطرق الأُخرى، ولا شكّ في نفوذ الإقرار وترتُّب الأثر عليه.

وعليه فإذا اعترف المكلَّف بشيء وأقرّه على نفسه يثبت ما اعترف به قطعاً، كما إذا أقرَّ شخصٌ بكونه مديناً لشخص آخر كان ذلك الإقرار حجَّة قطعيّة، ويثبت عليه الدَين بإقراره، فيُلزم بإعادته إلى المالك الحقيقيّ، ويترتّب على هذا الإقرار أنَّ الإنكار بعده يسمع، فلوأقرّ بأنَّه مديون، لزمه ولوادَّعى بعد ذلك


--------------------------------------------------------------------------------
188

--------------------------------------------------------------------------------


الإيفاء، طُولِب بالبيِّنة.2

ومن المعلوم أنَّ مورد الإقرار إنَّما هو في الأمور الّتي تكون ضرريَّة وكلفة بالنسبة إلى المقرّ نفسِه - كما هوحاله عند الإقرار بالدين -، فعليه لا يكون الاعتراف بالأمر الّذي ينتفع به المقرّ نفعاً دنيويّاً ونحوه حجَّة له، بل لا يطلق الإقرار على ذلك الاعتراف بحسب الاصطلاح.

بيان مدرك القاعدة
الأصل في شرعيَّة الإقرار، بعد الإجماع من المسلمين أو الضرورة، السنَّة المقطوع بها من طرق المسلمين، وقد خصّص الحرّ العامليّ في الوسائل كتاباً خاصّاً جمع فيه الروايات الخاصّة بالإقرار3.

وقد تحقَّق التسالم عند الفقهاء بالنسبة إلى نفوذ الإقرار ولا إشكال فيه ولا خلاف، فالأمر متسالم عليه عندهم. قال الشيخ الأنصاريّ في مقدمة رسالته الّتي ألّفها في القاعدة المذكورة: "اشتهر على ألسنة الفقهاء، من زمان الشيخ قدس سره إلى زماننا، قضية كليّة يذكرونها في مقام الاستدلال بها، على ما يتفرّع عليها كأنّها بنفسها دليل معتبر أو مضمون دليل معتبر، وهي أنّ من ملك شيئاً ملك الإقرار به ..."4.

ومع هذا، يُستدلّ على حجّيَّة القاعدة بالأدلَّة الآتية:
الأوّل: الكتاب: يمكن الاستدلال على القاعدة بقوله تعالى: ï´؟كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْï´¾5. فهي تدلّ على أنّ الإنسان يجب أن يشهد بالحقّ ولوكان ذلك في غير صالح نفسه.


--------------------------------------------------------------------------------
189

--------------------------------------------------------------------------------


وغاية ما يقتضيه هذا أنّ ما ثبت كونه‌حقّاً تلزم الشهادة به، وبالالتزام العرفيّ تدلّ على وجوب قبوله، ولا تدلّ على أنّه لوشهد شخص على نفسه بشي‌ء، واحتملنا كونه مشتبهاً، يلزم قبول ذلك أيضاً.

وبكلمة أخرى: هي تدلّ على أنّ الحقّ إذا شهد به يلزم قبوله، وهذا أمر مسلّم به، غير قابل للشك وإلّا لم يكن الحق حقّاً، ولا تدلّ على أنّ كلّ ما شهد به، ما دام هوعلى النفس، يلزم قبوله حتّى ولو لم يحرز كونه حقّاً.

الثاني: الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب وتبلغ درجة التواتر.
منها: صحيحة عبد الله بن مغيرة، عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: "في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر: هما بيني وبينك، قال: فقال أبوعبد الله عليه السلام: أمَّا الذي قال هما بيني وبينك فقد أقرّ بأنَّ أحد الدرهمين ليس له فيه شيء، وأنَّه لصاحبه ويقسّم الثاني بينهما نصفين"6. دلَّت على نفوذ الإقرار ومؤاخذة المقرّ على ما أقرّ به.

ومنها: النبويّ المشهور بين الفريقين وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إقرار العقلاء على أنفسهم جائز"7.

ولا إشكال في دلالة الحديث، واعتماد الفقهاء عليه، حتّى في إطلاقه على اسم القاعدة، ولكنّ المشكلة في السند، فهوكما قال صاحب الوسائل: "رواه جملة من علمائنا في كتبهم الاستدلاليّة من دون أن يعرف له مستند غير ذلك"8. نعم، رواه الأحسائيّ في كتابه عوالي اللئالي، ناسباً إيّاه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم9، والكتاب المذكور ليس مورداً للاعتماد. وأمّا شهرة العمل به -


--------------------------------------------------------------------------------
190

--------------------------------------------------------------------------------


على تقدير كونه حديثاً- فهي لوتمّت كبرى وصغرى فلا يمكن التعويل عليها في المقام, لاحتمال أنّ استنادهم إليه ليس لثبوت حجّيّته لديهم كحديث, بل لأنّ مضمونه مضمون عقلائيّ لا يحتاج إلى رواية.

ومنها: خبر جرَّاح المدائنيّ عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا أقبل شهادة الفاسق إلاَّ على نفسه"10، وهذا الخبر يدلُّ على نفوذ الإقرار على النفس، وإن كان فاسقاً.
وبالمجموع دلّت هذه الروايات - بعد إلغاء الخصوصيّة عن المورد - على كون الإقرار طريقاً لإثبات متعلّق الإقرار على المقرّ.

خلاصة الكلام: إنّ الروايات الصادرة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام في الموارد الخاصّة الدالّة على نفوذ إقرار كلّ عاقل على نفسه، كثيرة جدّاً، ومن راجع كتب الحديث من الفريقين- باب القصاص، وباب الحدود، وباب الديَات، وباب الغصب، وباب الإقرار، وباب القضاء منها ـ وأمعن النظر، لا يتأمّل في أنّ ذكر الموارد لأجل تطبيق الكبرى الكلّيّة عليها، أو لأجل الجواب عن القضايا الشخصيّة، وإلّا فلا خصوصيّة لها، بل الحكم عام، أي مفاد تلك الأخبار نفوذ إقرار كلّ عاقل على نفسه في أيّ مورد كان، ويكون حكماً كليّاً لإقرارات جميع العقلاء في جميع الموارد.

الثالث: السِّيرة: استقرَّت السِّيرة العقلائيَّة منذ بداية التاريخ، وفي جميع الملل والأديان، على نفوذ إقرار كلِّ عاقل على نفسه، فإنَّ معظم المعاملات عند العقلاء يبتنى على أساس الإقرار، ويترتَّب عليه الأثر، وهو طريق مثبت لما أقرَّ به عندهم جميعاً ولم ينكره أحدٌ.


--------------------------------------------------------------------------------
191

--------------------------------------------------------------------------------


هل يختصّ الإقرار بالبالغ؟
لا ريب في صحَّة إقرار البالغ، وأمَّا بالنسبة إلى إقرار الصبيّ فإنَّ أدلَّة الإقرار لا تشمل إقرار الصبيّ قطع, ولا أقلّ من أنَّها منصرفة من الصبيان، فلا شكَّ في أنَّ ما دلّت عليه الأدلّة هوالبالغ، وأنّ المراد من قولهم: "إقرار العقلاء" هم البالغون دون غيرهم. فلا ينفع ذلك في إقرار الصبيّ فيما له أن يفعله11, وذلك للفرق الواضح بين المقامين.

استثناءات من قاعدة قبول الإقرار
تقدّم أنّ قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز هي من القواعد الّتي انعقدت عليها سيرة العقلاء، بيد أنّه يُستثنى من ذلك بعض الموارد، كموارد الاتّهام، كما لو فرض أنّ شخصاً أقرّ بكونه سارقاً، واحتملنا أنّ غرضه من وراء ذلك قطع يده، ومن ثمّ إعفاؤه من الخدمة العسكريّة، فإنّ الإقرار في مثل ذلك لا يكون نافذ, لأنّ مدرك حجّيّته على ما تقدّم هوالسيرة العقلائيّة، وهي خاصّة بموارد عدم الاتّهام.

الفرق بين قاعدة الإقرار وقاعدة من ملك شيئاً ملك الإقرار به
أوضحنا المراد من قاعدة الإقرار، وأمّا قاعدة: "من ملك شيئاً ملك الإقرار به" فالمقصود منها أنّ كلّ من كان من حقّه القيام بتصرّف معيّن، فمتى ما أخبر عن تحقّق ذلك التصرّف قُبِلَ إخبارُه من دون مطالبة بإثبات ذلك، فلوأخبر الزوج الّذي من حقّه طلاق زوجته متى ما شاء: إنّي طلّقت زوجتي، قُبِلَ منه الإخبار المذكور، وحكم بتحقّق طلاق الزوجة بدون أن يُطالب بإثبات ما أخبر عنه من خلال البيّنة.

وهكذا الحال لوأوكلنا تصرّفاً معيّناً إلى شخص فقلنا لأحد أصدقائنا: أنت


--------------------------------------------------------------------------------
192

--------------------------------------------------------------------------------


وكيلي في شراء الدار الفلانية، فجاء بعد مدّة مخبراً بأنّي اشتريتها بسعر كذا، قُبل منه ذلك بدون أن يطالَب بالإثبات.

ومن هذا يتّضح أنّ المقصود من جملة: "ملك شيئاً" السلطنة على التصرّف المعيّن. كما وأنّ المقصود من جملة: "ملك الإقرار به" نفوذ الإخبار عن تحقّق ذلك التصرّف المعيّن بلا مطالبة بالحجّة على تحقّقه. واتّضح أيضاً من خلال كلّ ما ذكرناه أنّ معنى كلمة الإقرار في القاعدة الأولى والقاعدة الثانية متغاير، ففي القاعدة الأولى يُراد منها الاعتراف في غير صالح النفس، بينما في القاعدة الثانية يُراد منها الإخبار عن تحقّق التصرّف المعيّن.

من خلال ما ذكرناه في معنى القاعدتين يتّضح أنّ القاعدتين‌لا ترجعان إلى قاعدة واحدة، بل لكلّ واحدة معنى يغاير المعنى المقصود من الثانية12. ومع هذا يمكن القول: إنّ القاعدتين متغايرتان مفهوماً، بيد أنّهما قد تلتقيان مورداً. فإذا أخبر شخص بأنّي قد أوقفت داري على الفقراء، أوأوصيت بها إليهم، قُبل منه، وكان ذلك مورداً لكلتا القاعدتين.

الفرق بين البيّنة والإقرار
الفرق بين البيِّنة والإقرار، أنَّ البيِّنة جعلها الشارع طريقاً نزّل مؤدَّاها منزلة الواقع، فإذا شهدت البيِّنة بطهارة ماء كان نجساً صار الماء بمنزلة ما لوطهَّرته بنفسك، فتشربه وتتوضَّأ به، أمَّا الإقرار فلا نظر في أدلَّة اعتباره إلى الواقع، بل غايته أنَّ المقرَّ يُلزم بإقراره، أمَّا غير المقرّ فلا يُلزم به. فلوأقرّ زيد بزوجيّة هند له وأنكرت هي، فإنَّه يُلزم بآثار الزوجيَّة من مهر نفقة وغيرهما، ولا تُلزم هي بشيء من آثار زوجيّته، أمَّا لو أقام البيِّنة عليها، أوحكم الحاكم، فإنَّها تُلزم بجميع الآثار، ولا يبقى أيّ أثر لإنكارها.13


--------------------------------------------------------------------------------
193

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- يراد بقاعدة الإقرار: إلزام الشخص بما يعترف به في ذمّته من الدَّين والحقّ والضمان وغيرها، وترتّب الأثر عليه.
- يعتبر الإقرار من أقوى الطرق في إثبات الحكم على المكلَّف، ومورد القاعدة إنَّما هوالأمور التي تكون ضرريَّة وكلفة بالنسبة إلى المقرّ دون ما ينتفع به.

- أهمّ ما يمكن الاستدلال به على اعتبار القاعدة هو:
1- الروايات الكاشفة عن السنَّة المقطوع بها.
2- السِّيرة العقلائيَّة.
3- التسالم عند الفقهاء بالنسبة إلى نفوذ الإقرار، بل هومن مرتكزات المتشرّعة.
4- يوجد فرق واضح بين قاعدة الإقرار وبين قاعدة من ملك شيئاً ملك الإقرار به.



مطالعة

تطبيقات في قاعدة الإقرار
1- لا يختصّ الإقرار باللفظ، فيصحّ بالإشارة المعلومة، والإشارة المفهمة بالنسبة إلى الأخرس.
2- إنَّ الإقرار يصدق إقراراً على نفسه، لا على غيره، وأمَّا ما يدَّعيه في حقِّ الآخرين فهومجرّد دعوى، ولا يسمَّى إقراراً.
3- لوأقرَّ الميّت في وصيّته بأنَّ جميع أمواله لزيد، نفذ إقراره في حصّته وهي (الثلث)، أمَّا إذا زاد على ذلك، فلا ينفذ بها إقراره، إلاَّ إذا صدَّقه الورثة.
4- إذا أقرّ بدَين مشترك عليه وعلى غيره، ينفذ إقراره على نفسه فقط دون غيره.
5- إذا أقرّ بالزنا بالمرأة الفلانيَّة، يترتّب على إقراره حدّ الزنا، الجَلد مع عدم الإحصان، والرّجم معه، لكنَّه لا يترتَّب على المرأة شيءٌ من جهة هذا الإقرار أصلاً.
6- لوأقرّ ببنوَّة شخصٍ، يترتَّب على إقراره وجوب الإنفاق ـ على تقديره ـ ، كما أنَّه يرثُ الشخص من المقرّ بمقتضى إقراره14.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- يُراد من قاعدة "إقرار العقلاء على أنفسهم جائز" أنّ كلّ عاقل غير متّهم، إذا اعترف بشي‌ء هو في غير صالحه، كان ملزماً باعترافه.
2- شخص أقرّ على نفسه بإشارة تفهم ذلك فيترتّب الأثر على إقراره.
3- إذا أقرَّ المكلَّف بولد أو أخ أو أخت، فينفذ إقراره مع احتمال صدقه فيما عليه من وجوب الإنفاق أو حرمة النكاح أو المشاركة في الإرث ونحوه.
4- إذا أقرّ شخص بأن لزيد دَيْناً على فلان، فلا يقبل إقراره.
5- إنَّ الإقرار يصدق إقراراً على النفس وعلى الغير.
6- لا يختصّ الإقرار باللفظ، فيصحّ بالإشارة المعلومة، والإشارة المفهمة بالنسبة إلى الأخرس فقط.

- عالج الأسئلة الآتية:
1- إذا أقرّ شخص بكون شي‌ء معيّن بيده ملكاً لزيد، ثمّ عقّبه بكونه ملكاً لعمرو، فما هو الموقف في الحالة المذكورة؟
2- إذا كان شخص يسكن داراً وادّعاها شخصان، فتارة يكذّبهما ويقول: هي لي، وأخرى يصدّق أحدهما، وثالثة يقول: ليست هي لي من دون أن يقول هي لهما، ورابعة يقول: هي لهما، فما هوالموقف في الحالات المذكورة؟
3- إذا قال شخص: داري بعتها لزيد بألف دينار مثلاً، وقال زيد: نعم، يستحقّ عليّ الشخص المذكور ألف دينار مقابل الدار صدّقا في ذلك، ولكن هل يُحتاج، في تصديقهما، إلى بيّنة أو يمين، ولماذا؟
4- إذا رأينا رجلاً وامرأة في خلوة وادّعيا الزوجيّة بينهما فهل يصدّقان، ولماذا؟
5- إذا قال شخص: هذا الكتاب الذي بيدي هو لزيد، وقال زيد: ليس هو لي، فما هو الحكم في هذه الحالة؟
6- إذا أقرَّ المكلَّف بأنَّه شريك مع زيد في متجره الّذي يديره هو، وأنَّ لزيد ثلث الأسهم من رأس المال، فهل يُلزم بهذا الإقرار؟ ولماذا؟



هوامش

1- الحلّي، نجم الدين جعفر بن الحسن: شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، تعليق السيد صادق الشيرازي، ط2، طهران، انتشارات استقلال؛ مطبعة أمير، 1409هـ.ق، ج‌3، ص690.
2- كاشف الغطاء، محمّد حسين: تحريرالمجلَّة،لاط، النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية، 1359هـ.ق، ج1،ص51.
3- انظر: العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج23، كتاب الإقرار.
4- الرسالة الملحقة في آخر كتاب المكاسب للشيخ الأنصاريّ قدس سره.
5- النساء: 135.
6- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج13، باب9 من كتاب الصلح، ح1، ص169.
7- م.ن، ج16، باب3 من كتاب الإقرار، ح1، ص11.
8- العاملي، وسائل الشيعة، ج16، باب3 من أبواب الإقرار،ح2.
9- الإحسائي، ابن أبي جمهور: عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، تقديم السيد شهاب الدين النجفي المرعشي، تحقيق الحاج آقا مجتبى العراقي، ط1، قم المقدّسة، مطبعة سيّد الشهداء عليه السلام، 1403هـ.ق/ 1983م، ج3، ص223.
10- الكليني، الكافي،م.س، ج7،باب مايراد من الشهود،ح5، ص395؛ العاملي، وسائل الشيعة،م.س، ج16، باب6 من كتاب الإقرار،ح1، ص112.
11- الأنصاري، المكاسب، م.س، الخيارات، ص368.
12- الإيرواني، محمّد باقر: دروس تمهيديّة في القواعد الفقهيّة، ج‌2، ص173.
13- الإيرواني، محمّد باقر: دروس تمهيديّة في القواعد الفقهيّة، ج‌2، ص173.
14- اللنكراني، القواعد الفقهيَّة، م.س، ج1، قاعدة الإقرار، ص73.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 15  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:44 PM


الدرس الخامس عشر: قاعدة القرعة

أهداف الدرس
- التعرّف إلى معنى قاعدة القرعة وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
199

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
قاعدة القرعة من القواعد المعمول بها في كثير من أبواب الفقه، عند اشتباه حال الموضوعات، وعدم معرفتها على ما هي عليه، وهي برغم شدّة ابتلاء الفقيه بها لم تنقّح في كلماتهم حقّ التنقيح، ولم يُبحث عنها بحثاً وافياً بها، ولذا يُرى في العمل بها تشويشٌ واضطرابٌ ظاهرٌ، فيُعمَل بها في موارد، وتُترك في موارد أخرى مشابهة لها ظاهراً، من دون أن يبيّنوا لهذه التفرقة دليلاً يُعتمد عليه1. ولكن لعلّ ذلك لعدم الحاجة إليه, لوجود أدلّة أخرى مثبتة، ولأنّ القرعة آخر الأدلّة.

بيان المراد من القاعدة
يقصد بالقاعدة المذكورة أنّ الواقع، إذا أشكل في مورد ولم يمكن تشخيصه من خلال أمارة أو أصل، فيمكن المصير في تعيينه إلى الاقتراع، وذلك بكتابة قطع متعدّدة وسحب واحدة منها. فيكون المراد من القرعة هنا، هوالاقتراع لتعيين المطلوب في الأمور الشرعيّة المشتبهة، فإذا اشتبه الأمر ولم يكن أيّ طريق إلى كشفه فيتوسّل بالقرعة ويتعيّن بها المطلوب. وقد تسالم الفقهاء على كون القرعة طريقاً لحلّ المشكل الفقهيّ (الشبهة)، وعليه قالوا: "القرعة لكلّ أمر مشكل".


--------------------------------------------------------------------------------
201

--------------------------------------------------------------------------------


بيان مدرك القاعدة
يمكن الاستدلال على حجّيّة القرعة بعدّة أدلّة من الكتاب والسنّة، إضافة إلى السيرة:
الأوّل: من الكتاب:
قوله تعالى: ï´؟وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَï´¾2، بتقريب أنّ يونس لمّا خرج من قومه غاضباً عليهم، ركب سفينة لم تتمكّن من مواصلة سيرها، إمّا لاعتراض الحوت لها وعدم اندفاعه إلّا بإلقاء واحد له ليلقمه, أو لزيادة وزنها الذي يحتاج معه إلى إلقاء واحد من الركاب، وبالتالي تمّ الاتّفاق على الاقتراع لتعيين ذلك الشخص، وخرجت القرعة باسم يونس، ووافق على نتيجة القرعة، فإنّ ذكرها في القرآن الكريم واشتراك النبي يونس عليه السلام بها وقبوله لنتيجتها يدلّ على حجّيّة القرعة، وإلّا لَمَا اشترك يونس عليه السلام الّذي هومعصوم في ذلك.

وقوله تعالى: ï´؟وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَï´¾3، وهي واردة في قصّة ولادة مريم عليها السلام، وما رامته أمّها امرأة عمران، حيث إنّها بعد ما وضعتها أنثى لفّتها في خرقة وأتت بها إلى المعبد ليتكفلّها عبّاد بني إسرائيل، وقد مات أبوها من قبل، فقالت دونكم النذيرة4، فتنافس فيها الأحبار, لأنّها كانت بنت إمامهم عمران، فوقع التشاحّ بينهم فيمن يكفل مريم حتّى قد بلغ حدّ الخصومة ï´؟إِذْ يَخْتَصِمُونَï´¾، فما وجدوا طريقاً لرفع التنازع إلّا القرعة، فتقارعوا بينهم، فألقوا أقلامهم الّتي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء، وقيل: ألقوا قداحهم للاقتراع، جعلوا عليها


--------------------------------------------------------------------------------
202

--------------------------------------------------------------------------------


علامات يعرفون بها من يكفل مريم، فارتزّ5 قلم زكريّا ثمّ ارتفع فوق الماء، ورسبت أقلامهم، وقيل ثبت قلم زكريّا وقام طرفه فوق الماء كأنّه في الطين، وجرت أقلامهم مع جريان الماء، فوقعت القرعة على زكريّا - وقد كانوا تسعة وعشرين رجلاً - فكفلها زكريّا، وكان خير كفيل لها وقد كان بينهما قرابة, لأنّ خالة أمّ مريم كانت عنده. هذا، ولكنّ في الآية نفسها إبهام, فإنّ كون جملة ï´؟إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْï´¾ بمعنى الاقتراع غير واضح، إلّا أنّ بعض القرائن الداخليّة والخارجيّة رافعة للإبهام عنها، كقوله تعالى: ï´؟أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَï´¾، وقوله: ï´؟إِذْ يَخْتَصِمُونَï´¾، وغير واحدة من الروايات الواردة في تفسير الآية الّتي تأتي الإشارة إليها.

وبالنتيجة، في الآية دلالة على أنّ القرعة كانت مشروعة لرفع النزاع والخصومة في الأمم السالفة، ويمكن إثباتها في هذه الأمّة أيضاً بضميمة استصحاب الشرايع السابقة، مضافاً إلى أنّ نقله في القرآن من دون إنكار، دليل على ثبوتها في هذه الشريعة أيضاً، وإلّا لوجب التنبيه على بطلانها في هذه الشريعة.

الثاني: من السنّة:
الرواية الأولى: صحيحة محمّد بن حكيم: "سألت أبا الحسن عليه السلام عن شيء؟ فقال لي: كلّ مجهول ففيه القرعة. قلت له: إنّ القرعة تخطئ وتصيب؟ قال: كلّ ما حكم الله به فليس بمخطئ"6. ووجه الاستدلال بالرواية، لناحية عدم تخصيص الحكم هنا بالمنازعة ونحوها، بل عنوانه "كلّ مجهول". وأما إبهام كلمة "شيء" واحتمال كون السؤال عن شيء خاصّ متنازع فيه، فالحقّ أنّه لا يضرّ بإطلاق قوله: "كلّ مجهول ففيه القرعة", لأنّ ورود السؤال في مورد


--------------------------------------------------------------------------------
203

--------------------------------------------------------------------------------


خاصّ لا يضرّ بعموم الحكم إذا كان اللفظ عامّاً. وأمّا قوله: "كلّما حكم الله به فليس بمخطىء"، فقد ذكر فيه احتمالان:
أحدهما: أن يكون المراد خروج سهم المحقّ واقعاً، فهوردع لقول السائل إنّ القرعة تخطىء وتصيب، وإثبات لعدم خطئها، وهذا المعنى بعيد عن ظاهر الرواية.
ثانيهما: وهو الأنسب بظاهرها أن يكون المراد عدم الخطأ في الحكم بحجّيّة القرعة، فإنّه لو لم يكن هناك مصلحة في العمل بالقرعة والحكم بحجّيتها، لما حكم به الله، فالمعنى أنّ خطأ القرعة عن الواقع، أحياناً، لا يمنع من كون نفس الحكم بحجّيّتها صواباً ومشتملاً على المصلحة، فحكم الله ليس بخطأ. والذي يؤيّد هذا المعنى بل يدلّ عليه أنّ قوله: "كلّ ما حكم الله به" بمعنى نفس الحكم، فعدم الخطأ فيه لا في متعلّقه الّذي هو القرعة. هذا، مضافاً إلى أنّ العلم بوقوع الخطأ في كثير من الأمارات الشرعيّة، مع أنّها ممّا حكم الله به، يمنع من حمل الحديث على هذا المعنى، لوفرض ظهوره فيه بادئ الأمر.

الرواية الثانية: صحيحة إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام: "رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهوحرّ فورث ثلاثة؟ قال: يقرع بينهم، فمن أصابته القرعة أُعتق. قال: والقرعة سنّة"7، فإنّ ذيلها "والقرعة سنّة" يمكن أن يُستفاد منه حجّيّة القرعة في جميع الموارد. وهذا الحديث، وإن كان وارداً في مورد خاصّ، ولكنّ قوله: "القرعة سنّة" يدلّ إجمالاً على عموم الحكم، وعدم اختصاصه بالمقام.

الرواية الثالثة: ما رواه الصدوق بإسناده عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام إلى اليمن،


--------------------------------------------------------------------------------
204

--------------------------------------------------------------------------------


فقال له، حين قدم: حدّثني بأعجب ما ورد عليك، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاني قوم قد تبايعوا جارية، فوطئها جميعهم في طهر واحد، فولدت غلاماً، فاحتجّوا فيه، كلّهم يدّعيه، فأسهمت بينهم فجعلته للذي خرج سهمه وضمنته نصيبهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى الله إلّا خرج سهم المحقّ"8.

ورواه في التهذيب والاستبصار، عن عاصم بن حميد، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر عليه السلام، إلّا أنّه قال: "ليس من قوم تنازعوا ثم فوّضوا..."، ولعلّه الأصحّ, فإنّ التفويض إلى الله إنّما يكون بعد التنازع وقبل القرعة كما في هذه النسخة، لا بعد القرعة، كما في نسخة الفقيه.

وعلى كلّ حال، هذه الرواية عامّة في جميع موارد التنازع والمشكلات، وموردها يكون من الأمور المشكلة الّتي لها واقع مجهول يراد كشفه، كما أنّ ظاهر الفقرة الواردة في ذيلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كون القرعة - مع شروطها، ومع التفويض إلى الله - كاشفة عن ذلك الواقع المجهول، وعلى هذا تكون منسلكة في سلك الأمارات، لوكان خروج سهم المحقّ غالبيّاً، ولوكان دائميّاً كانت القرعة أعلى من الأمارات المعمولة، وهذه الرواية المصحّحة المرويّة عن الكتب الأربعة من أحسن ما ورد في هذا الباب9.

هذا وهناك روايات خاصّة مبثوثة في مختلف أبواب الفقه تؤيّد عموم القاعدة وعدم اختصاصها بمورد معيّن، وإن لم يكن فيها تصريح بالعموم، ولكن ورودها وانبثاثها في تلك الأبواب المختلفة من المؤيّدات القويّة على المقصود، وقد أعرضنا عن ذكرها اختصاراً.10


--------------------------------------------------------------------------------
205

--------------------------------------------------------------------------------


الثالث: السيرة العقلائيّة: إنّ العقلاء يعملون بالقرعة عند تمشكل الأمر، فلو زاد عدد الطلّاب عن الحدّ المقرّر للقبول في المدرسة، أو زاد عدد من تقدّم بطلب الحجّ عن الحدّ المقرّر، أُقرع بينهم. والسيرة المذكورة حيث لا يحتمل حدوثها جديداً ولم يرد عنها ردع، تكون حجّة, لإمضائها.

اختصاص القرعة بالشبهات الموضوعيّة
المستفاد من مجموع الأدلّة والروايات الواردة في مورد القرعة اختصاصها في الشبهة الموضوعيّة الّتي تكون مقرونة بالعلم الإجماليّ، كالشبهة الواقعة في قطيع الغنم ومثلها، ولا أقلّ من أنّ القدر المتيقّن في التمسّك بها هوتعيين الموضوع. كما قال الشهيد الأوّل قدس سره: "ولا تُستعمل (القرعة) في العبادات في غير ما ذكرنا، ولا في الفتاوى والأحكام المشتبهة إجماعاً"11.

عموم القرعة لما لا تعيّن له واقعاً
إنّ الشيء المجهول هنا يُتصوّر على نحوين:
الأوّل: أن يكون متعيّناً واقعاً ومبهماً ظاهراً، كمن أعتق عبداً معيّناً من عبيده، ثمّ اشتبه عليه بعد ذلك.
والثاني: أن لا يكون له تعيّن حتّى واقعاً، كما لوأعتق، من البداية، عبداً غير معيّن من عبيده، ثمّ أراد الاقتراع لترجيح أحدهم.

والقدر المتيقّن من أدلّة حجّيّة القرعة هوالأوّل. أمّا إذا كان الشيء مبهماً واقعاً أيضاً فقد قيل بعدم شمولها له. وقرّب ذلك الشيخ العراقيّ بالقصور في المقتضي, وأنّ عنوان "المجهول" الوارد في أدلّة حجّيّة القرعة لا يصدق عرفاً إلّا على ما هومتعيّن واقعاً، وقد اشتبه وخفي ظاهراً12.


--------------------------------------------------------------------------------
206

--------------------------------------------------------------------------------


عموم القرعة لغير باب التنازع
المورد الّذي يراد فيه الرجوع إلى القرعة تارة يكون مشتملاً على التنازع ويحتاج في رفعه إلى القضاء، وأخرى لا يكون كذلك. فإذا اختلف شخصان في طفلٍ، كلٌّ منهما يدّعي أنّه ولده، كان مثالاً للأوّل.

أمّا إذا فرض أنّ كلّ واحد منهما يقول: لا أدري هو ولدي أو لا، مع فرض علمهما بأنّه لا يعدوهما وهوابن لأحدهما جزماً، كان ذلك مثالاً للثاني. والقدر المتيقّن من دليل حجّيّة القرعة هو المورد الأوّل، الّذي فيه نزاع وخصومة وقد وقع الاختلاف في شموله للثاني.

والمناسب الحكم بالشمول, فإنّ صحيحة إبراهيم المتقدّمة ناظرة للمورد الثاني، وقد حكم الإمام عليه السلام فيه بالقرعة، بل وقوله عليه السلام في ذيلها: "القرعة سنّة" يدلّ على حجّيّة القرعة فيما شابه المورد المذكور، ممّا ليس فيه نزاع، ولا يختصّ به13. هذا، مضافاً إلى عموم السيرة العقلائيّة وعدم اختصاصها بحالة النزاع.


--------------------------------------------------------------------------------
207

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- يُقصد بالقاعدة المذكورة أنّ الواقع، إذا أشكل في مورد ولم يمكن تشخيصه من خلال أمارة أو أصل، فيمكن المصير في تعيينه إلى الاقتراع.
- يمكن الاستدلال على حجّيّة القرعة من الكتاب، كقوله تعالى: ï´؟وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَï´¾.

- ومن السنّة، كصحيحة محمّد بن حكيم: "سألت أبا الحسن عليه السلام عن شيء؟ فقال لي: كلّ مجهول ففيه القرعة. قلت له: إنّ القرعة تخطئ وتصيب. قال: كلّ ما حكم الله به فليس بمخطئ".

- إنّ العقلاء يعملون بالقرعة عند تمشكل الأمر عليهم في العديد من الموارد.
- المستفاد من مجموع الأدلّة والروايات الواردة في مورد القرعة اختصاصها في الشبهة الموضوعيّة الّتي تكون مقرونة بالعلم الإجماليّ.

- القدر المتيقّن من أدلة حجّيّة القرعة، ما إذا كان الشيء متعيّناً واقعاً وطرأ عليه الإبهام ظاهراً. أمّا إذا كان الشيء مبهماً واقعاً أيضاً، فقد قيل بعدم شمولها له.
- القدر المتيقّن من دليل حجّيّة القرعة هو المورد الّذي يكون مشتملاً على التنازع ويحتاج في رفعه إلى القضاء، والمناسب الحكم بالشمول، حتّى بدون النزاع والخصومة؛ لقوله عليه
السلام في ذيل الرواية: "القرعة سنّة" يدلّ على حجّيّة القرعة فيما شابه المورد المذكور ممّا ليس فيه نزاع.



مطالعة

كيفيّة إجراء القرعة
المعلوم أنّ القرعة كانت متداولة بين العقلاء من قديم الزمان، ولم تكن مقيّدة بكيفيّة خاصّة عندهم. بل كانت كيفيّتها جعل علامات لكلّ واحد من أطراف الدعوى أوذوي الحقوق المتزاحمة أوغيرها، ممّا كان طرفاً للاحتمال، ثمّ الرجوع إلى ما يخرج صدفة من بينها، بحيث لا يحتمل فيه إعمال نظر خاصّ، بل كان استخراج واحد معيّن من بين أطراف الاحتمال، مستنداً إلى مجرّد الصدفة والاتّفاق، كي يكون حاسماً للنزاع والتشاحّ. ومن الواضح أنّ هذا المقصود يؤدّى بكيفيّات عديدة لا تحصى، فلا فرق فيها عندهم بين "الرقاع" و"السهام" و"الحصى" وغيرها، ولا خصوصيّة في شيء منها بعد اشتراكها جميعاً في أداء ذاك المقصود.

ومن هنا اختلفت عادة الأقوام في اقتراعاتهم، فكلٌّ يختار نوعاً أو أنواعاً منها، من غير أن يكون نافياً للطرق الأُخرى، ولكنّ الكتابة والرقاع أكثر تداولاً اليوم؛ لسهولتها وإمكان الوصول إليها في جلّ موارد الحاجة، مع بعدها عن احتمال إعمال الميول والأهواء الخاصّة. وقد تُستخرج الرقاع بيد صبيّ، أو بسبب آلة مخصوصة؛ ليكون أبعد من سوء الظن، وأقرب إلى العدالة في استخراجها. هذا ما عند العقلاء.

أمّا الروايات الواردة في هذه القاعدة فهي مختلفة: أكثرها مطلقة خالية من تعيين كيفيّة خاصّة للاقتراع، وهي دليل على إيكال الأمر إلى ما كان متداولاً بين العقلاء، وإلى العرف، وإمضاء طريقتهم في ذلك. ولكن ورد في غير واحد منها طرق خاصّة للقرعة من دون نصّ على حصرها فيه على الظاهر.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- يُقصد بالقاعدة المذكورة أنّ الواقع، إذا أشكل في مورد، وأمكن تشخيصه من خلال أمارة أو أصل، فيمكن المصير في تعيينه إلى الاقتراع أيضاً.
2- إذا علم المكلّف بنجاسة أحد إناءَيْن، فيُستعان بالقرعة لتشخيصه.
3- المستفاد من مجموع الأدلّة والروايات الواردة في مورد القرعة، اختصاصها في موارد الشبهة الموضوعيّة دون الحكميّة.
4- القدر المتيقّن من أدلّة حجّيّة القرعة، ما إذا كان الشيء متعيّناً واقعاً، وطرأ عليه الإبهام ظاهراً.
5- القدر المتيقّن من أدلّة حجّيّة القرعة، ما إذا كان الشيء متعيّناً واقعاً ومبهماً واقعاً أيضاً فقد قيل بعدم شمولها له.
6- المستفاد من دليل حجّيّة القرعة هوشموله لموردي التنازع والخصومة أو عدمهما.

- عالج الأسئلة الآتية:
1- إذا لم يكن للمرأة زوج، ووطئها إثنان بالشبهة، فبمن يُلحق الولد؟
2- في الفرض السابق إذا كان الوطء بالزنا (والعياذ بالله) فبمن يُلحق؟
3- لوعلم المكلّف بأنّه نذر شيئاً ولا يدري ما هو، فما هوحكمه؟
4- إذا شككنا في حرمة التدخين، فلماذا لا نرجع إلى القرعة لتشخيص الحكم؟
5- إذا أعتق المكلّف عبداً متعيّناً واقعاً من عبيده، ثمّ اشتبه عليه ذلك (أيّهم ظاهراً) فما العمل؟
6- لو أعتق عبداً غير معيَّن من البداية (لا تعيّنَ واقعيّاً له) ثمّ أراد تعيّنه، فما الحكم؟



هوامش

1- القواعد الفقهية، مكارم الشيرازي، 18، ص 323.
2- سورة الصافّات، الآيات: 140-142.
3- سورة آل عمران، الآية: 44.
4- التي نُذرت.
5- ارتزّ: ثبت.
6- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، باب 13 من أبواب كيفية الحكم، ح 11.
7- م.ن، ح2.
8- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج 18، باب 13، الحكم بالقرعة في القضايا المشكلة، ح5.
9- الشيرازي، القواعدالفقهية، م.س، ج1، ص330.
10- انظر: م.ن، ص337. حيث أورد هذه الروايات بالتفصيل.
11- العاملي، محمّد بن مكي(الشهيد الأوّل): القواعد والفوائد، تحقيق السيّد عبدالهادي الحكيم، لاط، قم المقدّسة، منشورات مكتبةالمفيد، لات، ج2 ص 23.
12- البروجردي، محمّد تقي: نهاية الأفكار(تقرير بحث آية الله العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي)، ج4، ص 104.
13- الإيرواني، دروس تمهيدية في القواعدالفقهية، م.س، ج2، ص21.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 16  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:44 PM


الدرس السادس عشر: قاعدة الإسلام يجُبُّ ما قبله

أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة "الإسلام يجُبُّ ما قبله" وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
213

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
هذه القاعدة من القواعد الّتي تعبّر عن فعل الحكيم بداية الدعوة الإسلاميّة، والّتي تأتي في مقام الامتنان والترغيب في الدخول في الإسلام، فهي بمنزلة العفوالعامّ المفتوح من قبل المشرّع الإسلاميّ عن الكثير من التكاليف الّتي تركها الكافر حال كفره، فلا يلزمه بالتكاليف إلّا من حين إسلامه.

بيان المراد من القاعدة
لا ريب أنّ لفظ "الإسلام" جاء في عنوان القاعدة بمعناه المعروف المبيّن في النصوص، وهوالإقرار بالشهادتين، وليس بمعنى الإيمان مطلقاً، بل بمعناه المصطلح في القرآن والأحاديث، وهوعقد القلب والخضوع الباطنيّ، كما ورد في الحديث "الإيمان ما وقر في القلوب"1، وعليه، فبمجرّد الإقرار بالشهادتين تجري قاعدة الجبّ، ولكنّه بشرط أن لا يعلم أنّه لأجل الحيلة والخدعة وغيرها من الدواعي المنافية لقصد الجدّ في الإقرار.

أمّا لفظ "الجبّ" بفتح الجيم، فهو، في اللغة، بمعنى القطع، جببته أي قطعته، كما ورد في معاجم اللغة العربية. فكأنّ الإسلام يقطع ويقلع ويرفع ما كان أحاط


--------------------------------------------------------------------------------
215

--------------------------------------------------------------------------------


بالكافر، ولصق به من الأوزار والآثار والتكليفيّة.

فإنّ الإسلام يُسقط الآثار الّتي تترتّب على الأفعال والأقوال الّتي تصدر من الكافر في حال كفره، فيما لودخل الإسلام، بمعنى أنّ الأثر الّذي يترتّب على فعله أوقوله لوكان مسلماً يسقط عنه لودخل الإسلام، وتسقط ما هو مطلوب منه أو مطالب به من الأحكام الوجوبية والتحريمية، فلوكان قد زنى، أو شرب الخمر، أو سرق، أو سبّ الله والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم... إلخ ـ حال كفره ـ ثمّ دخل في الإسلام فإنّه لا يؤاخذ على تلك الأفعال الصادرة عنه، فلا يخضع للحدود الإسلاميّة كالجلد أو قطع اليد، أو القتل، ونحو ذلك. نعم، لا تلغي القاعدة ما يتعلّق بحقوق الآخرين، فيجب عليه ردّ ما سرقه، أو ضمانه.

ماذا تشمل قاعدة الجَبّ؟
إنّ الإسلام يجُبُّ ما قبله للكافر، بمعنى أنّ الكافر لوأسلم وكانت ذمّته مشغولة بشيء، من طرف ما ارتكبه في حال الكفر، وكان اشتغال ذمّته من ناحية الإسلام، لا من ناحية كفره، فإسلامه موجب لسقوط ما في ذمّته. وبناءً على هذا فإنّ جميع العبادات الّتي فاتت منه في حال كفره وشركه من الصلاة والزكاة والخمس والصيام، حتّى الحجّ فيما إذا كان مستطيعاً حال كفره واستقرّ عليه ولم يؤدّه، فصار غير مستطيع، وبعد ذلك أسلم، فإذا أسلم يسقط جميع ذلك عنه بسبب جَبِّ الإسلام ما قبله.


--------------------------------------------------------------------------------
216

--------------------------------------------------------------------------------


فظهر أنّه بناءً على ما ذكرنا في معنى الحديث أنّ ما هو من حقوق الله تعالى مطلقاً - سواء أكان بدنيّاً فقط كالصلاة، أم ماليّاً فقط كالزكاة، أم كان مركّباً منهما كالحجّ، وليس للمخلوقين مدخل وحقّ فيه، إذا لم يكن معتقداً به، في حال الكفر، بل اعتقاده به يكون من ناحية إسلامه وبعده - فكلّها تسقط بالإسلام، ولا يكون عليه شيء، ولا قضاء فيما فيه القضاء على المسلم حال إسلامه, لِجَبِّ الإسلام ما قبله.

وأمّا في غير العبادات - كالديون والحقوق المتعلّقة بذمّة الكافر ونحوها... كما لوكان ديَة قتل الخطأ، أو الجرح والجناية على أعضاء الغير، ولو كان عن عمد، فيما إذا رضي المجنيّ عليه بالدية ثابتاً في دينه السابق قبل أن يسلم - فشمول الحديث لمثل هذا المورد مشكل جدّ, لما ذكرنا في استظهار المراد من الحديث أنّه عبارة عن أنّ ما صدر عنه من قول أو فعل أوكان له عقيدة، كلّ ذلك إن كان قبل أن يسلم وكان من أحكام الإسلام - ترتّب ضرر أو مشقّة أو عقوبة على ذلك القول أو على ذلك الفعل أوعلى تلك العقيدة - فالإسلام يرفع ذلك الأثر والضرر. والمفروض أنّ في المورد ليس من هذا القبيل، بل كان هذا الأثر والضرر يترتّب على قوله أوفعله حتّى في دينه، وما احتملناه ووجّهنا به الجَبَّ في نظيره في العبادات، لا يخلو من نظر وإشكال، كما هو غير خفيّ على الناقد البصير.

وينبغي أنّ نشير، هنا، إلى أنّ الكافر إذا أتلف شيئاً في دار الإسلام كان ضامناً له، اتّفاقاً، سواء أسلم أم لم يسلم، وإذا أتلف في دار الحرب لا يضمن إذا أسلم، قال الشيخ: لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله. والأقرب الضمان, لعموم قاعدة اليد، فإنّ مدركها بناء العقلاء، وهم يرون أن علّة الضمان الإتلاف بدون أن يكون للمكان أو الدِّين دخل في ذلك، ولأنّ قاعدة الجبّ تنفي الأحكام التكليفيّة لا الوضعيّة.

بيان مدرك القاعدة
الأوّل: حديث الجبّ: رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "الإسلام يجبّ ما قبله"،2 و"التوبة تجبّ ما قبلها".3وقد اختلفت كلمات الأعلام في تقييمه، قبولاً ورفضاً، فقال الميرزا القمّيّ: "ولا يجب القضاء على الكافر الأصليّ إذا أسلم, لأنّ


--------------------------------------------------------------------------------
217

--------------------------------------------------------------------------------


الإسلام يجبّ، ولعلّه من المتواترات4". و"ولا وجه للقدح في السند والدلالة، إذ هو متلقّى بالقبول، بل أدّعي تواتره"5، وقال: "ويظهر من بعض الأصحاب تواتره، رواه الخاصّة والعامّة"6.

وناقش الأعلام7 في وجودالرواية في مصادر الإماميّة، فقال السيّد الخوئيّ قدس سره: "ورواية حديث الجبّ لم ترومن طرقنا"8، وقال أيضاً عن الحديث: "غير صالح لأن يُستند إليه, لعدم روايته من طرقنا، لا في كتب الحديث، ولا في الكتب الاستدلاليّة للفقهاء المتقدّمين، كالشيخ ومن سبقه ومن لحقه، ما عدا ابن أبي جمهور الأحسائي في غوالي اللئالي9، الّذي لا يخفى ما في المُؤلَّف والمُؤلِّف، حتّى طعن فيه من ليس من شأنه الطعن، كصاحب الحدائق، ودعوى الإنجبار موهونة جدّاً، بل غير قابلة للتصديق، إذ كيف يحتمل استناد المشهور إلى رواية لم يذكروها في كتبهم الروائيّة ولا الاستدلاليّة؟"10. وذكر مثل هذه العبارة في كتاب الصلاة أيضاً11.

وقال قدس سره - أيضاً - في كتاب الصوم: "ولكنّها بعد الفحص التامّ والتتبّع


--------------------------------------------------------------------------------
218

--------------------------------------------------------------------------------


الكامل غير موجودة في كتب أحاديثنا جزماً، ولا مأثورة عن أحد من المعصومين عليهم السلام قطعاً، وإنّما هي مرويّة بغير طرقنا عن عليّ عليه السلام تارة، وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أخرى، نعم، رويت في بعض كتبنا مرسلة، كمجمع البحرين وغوالي اللآلي عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ومجرّد كونها مشهورة في كتب المتأخّرين لا يستوجب اعتبارها بعد خلوكتب السابقين عنها"12.

وقد وردت الرواية في مصادر السنّة بالصيغ الآتية:
- قال محيي الدين النوويّ: "هذا حديث صحيح، رواه مسلم في صحيحه من رواية عمرو بن العاص، أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الإسلام يهدم ما قبله"، هذا لفظ رواية مسلم، ذكره في أوائل الكتب، في كتاب الإيمان في رواية غيره: "يجبّ ما قبله"، بضم الجيم وبعدها الباء موحّدة، من الجبّ، وهوالقطع13.

- قال الشوكاني: "الحديث أخرجه أيضاً الطبراني، والبيهقي من حديثه، وابن سعد من حديث جبير بن مطعم، وأخرج مسلم في صحيحه معناه، من حديث عمروأيضاً بلفظ: "أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما قبلها، وأنّ الحج يهدم ما قبله؟". وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود قال: "قلنا: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل"14.

النتيجة: إذا اتّضح حال الحديث من حيث السند، وأنّه حتّى عند السنّة الذين رووه خبر آحاد، لا يفيد القطع، يتّضح مراد الميرزا القميّ القائل بتواتره، فلعلّه يقصد بذلك معنى مسامحي، هو شهرته وتداوله في كتب الفقهاء. والله العالم.

الثاني: روايتا الصوم: عن عيص بن القاسم، قال: "سألت أبا عبد الله عليه السلام


--------------------------------------------------------------------------------
219

--------------------------------------------------------------------------------


عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيّام، هل عليهم أن يصوموا ما مضى منه أويومهم الّذي أسلموا فيه؟ فقال: ليس عليهم قضاء ولا يومهم الّذي أسلموا فيه، إلّا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر"15. وعن الحلبيّ، عن أبي عبد الله عليه السلام: "أنّه سئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان ما عليه من صيامه؟ قال: ليس عليه إلّا ما أسلم فيه"16.

وفيه: أنّهما واردان في خصوص الصوم، فالانتقال منه إلى غيره يشاركه في العلّة الظنّيّة قياس لا نقول به، فلا يصحّ جعلهما دليلاً على قاعدة الجبّ بصورة عامّة، بل يقتصر على موردهما أعني الصوم.

هل ترفع القاعدة العقاب الأخرويّ؟
يوجد قولان في المسألة:
الأوّل: رفع العذاب الأخرويّ: ما ذهب إليه الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ بقوله: "أمّا بالنسبة إلى العقاب الأخرويّ والدنيويّ، فهوممّا لا شكّ في شمول الجبّ له، بل هذا هوالقدر المتيقّن من الحديث والآية، فإذا أسلم الكافرُ رُفع عنه العقاب من ناحية أعماله في حال كفره، وكذا الحدود والتعزيرات كلّها، بل الظاهر‌أنّ الآية 38 من سورة الأنفال: ï´؟قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَï´¾ مختصّة به، وكذلك قياسه على التوبة والحجّ والهجرة في بعض الروايات أيضاً من هذا الباب، فعلى هذا ترتفع آثار الفسق عن الكافر بعد إيمانه، ولا يُضرب حدّاً ولا تعزيراً17.

الثاني: عدم رفع العذاب الأخرويّ: ولا يخفى أنّ المرفوع بهذه القاعدة إنّما هوالأحكام والآثار الظاهريّة من الإعادة والقضاء والديات والقِصاص والحدود


--------------------------------------------------------------------------------
220

--------------------------------------------------------------------------------


وساير الجرائم والمؤاخذات الدنيويّة، لا رفع العقاب والعذاب الأخرويّ.

وذلك لأنّ الملاك في رفع العقاب والعذاب الأخرويّ هو الإيمان والتوبة، وهما أمران قلبيّان باطنيّان، كما قال تعالى: ï´؟قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَاï´¾18، وما ورد في الحديث: "الإيمان ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال"19.

ويشهد لذلك ما ورد من التقابل بين الإسلام والتوبة في بعض الطرق المرويّ من حديث الجبّ، مثل ما رواه الشيخ الطوسي مرسلاّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: وفي بعضها: "التوبة تجبّ ما قبلها"20، فالرافع للذنوب والمعاصي هوالتوبة والإيمان الحقيقيّ.

وعليه، فبمجرّد الإقرار بالشهادتين لساناً تجري هذه القاعدة وتترتّب أحكامها، ولولم يكن الإقرار عن إيمان قلبي وتوبة عمّا سلف.

وأمّا قوله تعالى: ï´؟قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَï´¾. فإنّ الانتهاء ظاهر في التوبة، لا مجرّد الإقرار بالشهادتين والإسلام ظاهراً.
وأمّا ما دلّ بظاهره على غفران ما سلف في الجاهليّة بالإسلام، فلا بدّ من حمله على إرادة الإسلام الباطنيّ الملازم للإيمان والتوبة. وإلّا فلا إشكال في أنّ ‌الّذي يرفع بالإسلام بما أنّه إسلام - أي الإقرار باللسان، كما فسّر في النصوص المتضافرة بهذا المعنى وجعل قبال الإيمان - هو الآثار الوضعية الظاهريّة كما قلنا، بلا فرق في ذلك بين حقوق الله وبين حقوق الناس. فالمرفوع المقطوع منهما، بحديث الجبّ، إنّما هوالآثار والأحكام الظاهرية الوضعيّة والتكليفية، كما سبقت الإشارة إليها آنفاً. نعم، إذا كان مقروناً بالإيمان والتوبة عمّا سلف، يترتّب عليه آثار التوبة والإيمان، من رفع العذاب الأخرويّ، وإلّا فإنّما يرفع الآثار الظاهرية فقط21.


--------------------------------------------------------------------------------
221

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- المراد من القاعدة أنّ الإسلام يُسقط الآثار الّتي تترتّب على الأفعال والأقوال الّتي تصدر عن الكافر في حال كفره، فيما لودخل الإسلام.
- معنى إسقاط الآثار أنّ الأثر الذي يترتّب على فعله أوقوله لوكان مسلماً يسقط عنه لودخل الإسلام.

- ظهر من القاعدة أنّه بناءً على ما ذكرنا في معنى الحديث أنّ ما هومن حقوق الله تعالى مطلقاً سواء أكان بدنيّاً فقط، أم ماليّاً فقط، أوكان مركّباً منهما، يسقط عن الكافر لو أسلم.
في غير العبادات كالديون والحقوق ونحوها...، كما لو كان عليه دية قتل الخطأ، أوالجرح والجناية على أعضاء الغير ولوكان عن عمد، ثابتاً في دِينه السابق قبل أن يسلم، فشمول الحديث لمثل هذا المورد مشكل جدّاً.

- مستند القاعدة حديث الجبّ، إلّا أنّ الحديث لم يُرْوَ من طرقنا كما صرّح الأعلام في كتب الحديث، ما عدا ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي االلئالي، ولهذا فالحديث غير صالح لأن يُستند إليه؛ لعدم روايته من طرقنا.

- كثيراً ما تشكّل سيرة المتشرّعة... الحلقة الوسيطة بين الإجماع والدليل الشرعيّ...، إنّ الإجماع المذكور يكشف عن رواية - حديث الجَبّ- غير مكتوبة، ولكنّها معاشة سلوكاً وارتكازاً بين عموم المتشرّعة.



مطالعة

حكم سقوط قضاء الصلاة
لا ريب في سقوط القضاء عن الكافر الأصليّ لو أسلم، ولكنّهم اختلفوا في مدرك هذا الحكم، فنرى بعضهم قد استدلّ بالإجماع المحقّق والمحكيّ، وبعضهم بحديث الجبّ والهدم، والضرورة، وبعضهم بقوله تعالى: ï´؟قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِï´¾22. وقال المقدّس النراقيّ: "ما فات عن الكافر الأصليّ فلا يجب عليه قضاؤه بالإجماع المحقّق، والمحكيّ مستفيضاً، وهو الدليل عليه دون الأصل وحديثِ الجبّ"23 وقال الميرزا القميّ: "لا يجب القضاء على الكافر الأصليّ إذا أسلم, لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله، ولعلّه من المتواترات، وللإجماع، بل قيل: إنّه ضروري"24.

حكم وجوب الغسل:
لوكان الكافر مجنباً ثمّ دخل الإسلام فهل يجب عليه أن يغتسل؟ والجواب: لا يرتفع الغسل بالإسلام، ولذلك يجب عليه أن يغتسل منها، قال في الجواهر: "بلا خلاف أجده فيه، ويصحّ منه لموافقته للشرائط جميعها، إذ الظاهر أنّ المراد بكونه يجبّ ما قبله إنّما هوبالنسبة للخطابات التكليفية البحتة، لا فيما كان الخطاب فيها وضعياً، كما فيما نحن فيه، فإنّ كونه جنباً يحصل بأسبابه، فيلحقه الوصف وإن أسلم"25. وقوله عليه السلام: "إذا التقى الختانان وجب المهر والعدّة والغسل"26، وقوله تعالى: ï´؟...وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ...ï´¾27 مطلقان، يدلاّن على حكم شرعيّ وضعيّ، أعني حدوث الجنابة، الّتي يترتّب عليها الحكم التكليفيّ، وهو وجوب الغسل، على من أجنب.

حكم زنا الكافر بالمسلمة اذا اسلم
إذا زنا الكافر بمسلمة ثمّ أسلم فهنا حالتان:
الأولى: أن يسلم بعد ثبوت الزنا عند الحاكم، فلا يسقط القتل عنه؛ لإطلاق صحيحة حنان بن سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "سألته عن يهوديّ فجر بمسلمة قال: يقتل"28.
الثانية: أن يسلم قبل ثبوت الزنا عند الحاكم، فقد يقال بسقوط الحدّ عنه؛ لرواية جعفر ابن رزق الله، قال: "قدم إلى المتوكّل رجل نصرانيّ فجر بامرأة مسلمة، وأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا، فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام، وسؤاله عن ذلك، فلمّا قدم الكتاب، كتب أبوالحسن عليه السلام: يضرب حتّى يموت، فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين سله عن هذا، فإنّه شيء لم ينطق به كتاب، ولم تجئ به السنّة، فكتب: إنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا، وقالوا: لم تجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا بِمَ أوجبت عليه الضرب حتّى يموت؟ فكتب عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم ï´؟فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَï´¾. قال: فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات"29.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- ظهر من القاعدة أنّ ما هومن حقوق الله تعالى مطلقاً - سواء أكان بدنيّاً فقط، أم ماليّاً فقط، أوكان مركّباً منهما - يسقط عن الكافر لو أسلم.
2- المراد من القاعدة أنّ الإسلام يُسقط الآثار الّتي تترتّب على الأفعال والأقوال في العبادات، وحقوق الله، الّتي تصدر عن الكافر في حال كفره، فيما لودخل الإسلام.
3- المستفاد من القاعدة أنّ الإسلام يُسقط الآثار التي تترتّب على الأفعال والأقوال في العبادات وحقوق الله، وجميع المعاملات الّتي تصدر عن الكافر في حال كفره، فيما لودخل الإسلام.
4- لوكان الكافر مجنباً ثمّ دخل الإسلام فلا يرتفع الغسل بالإسلام، ولذلك يجب عليه أن يغتسل منها.
5- إذا أسلم الكافر رُفع عنه العقاب الأخرويّ من ناحية أعماله في حال كفره، وكذا الحدود والتعزيرات كلّها.
6- لو سرق الكافر، أو سبّ الله والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ... إلخ ـ حال كفره ـ ثمّ دخل الإسلام فإنّه لا يؤاخذه على تلك الأفعال الصادرة عنه، فلا يخضع للأحكام والحدود الإسلاميّة.

- عالج الأسئلة الآتية:
1- هل يجب الحجّ على من كان مستطيعاً أيَّام كفره ثمَّ أسلم وأصبح غير مستطيع؟
2- لو زنى بامرأة حال كفره فحرمت ابنتها وأمَّها فهل ترتفع بإسلامه؟ ومن أوقب غلاماً حال كفره فحرم نكاح أمّه وأخته فهل ترتفع بإسلامه؟
3- إذا كان قد عقد النكاح في زمن الكفر، ولم يكن قد وقع بصيغته الّتي هي في الإسلام، فهل يحتاج إلى إعادة عقد النكاح بعد إسلامه؟
4- إذا كان في ذمّته دَين وحقوق للآخرين ثمّ أسلم فهل يرتفع الدَين؟ وإذا كان الجواب سلبياً، لماذا؟.
5- إذا طلّق زوجته وهوعلى مذهب الكفر دون مراعاة شروط الطلاق الواجبة في الإسلام، فهل يستطيع إعادة زوجته دون العقد؟
6- إذا أسلم في النصف الثاني من شهر رمضان، فما هوحكم ما فاته من الصوم؟



هوامش

1- الكليني، الكافي، م.س، ج2،باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام ولا عكس، ح3، ص26.
2- النوري، حسين: مستدرك الوسائل، ط2، بيروت، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لتحقيق التراث، 1408هـ.ق/ 1988م، ج7، باب15، من أسلم في شهر رمضان لم يجب عليه قضاء...،ص448،ح1-2.
3- م.ن، ج 12، باب 85، وجوب التوبة من جميع الذنوب،ح12، ص129.
4- القمّي، أبو القاسم: غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام، تحقيق عباس تبريزيان؛ وآخرون، ط1، قم المقدّسة، مركزالنشرالتابع لمكتب الإعلام الإسلامي، 1417هـ.ق/ 1375هـ.ش، ج3،ص339.
5- م. ن، ج4، ص 52.
6- م. ن، ج5، ص368.
7- ولكن يتّضح لكلّ من سبر كتب الفقه من زمان الشيخ إلى زمان المتأخّرين، يكاد يطمئنّ في استناد الفقهاء إليه في مقام الفتوى، ما يورث كون الحديث صادراً عنهم، متلقّى بالقبول، وقد عاشه المتشرّعة سلوكاً وتطبيقاً، وهذا ما يفسّر قيام الإجماع على مفاد قاعدة الجبّ، فإنّ الإجماع من أهل النظر والفتوى من فقهاء عصر الغيبة المتقدّمين يكشف عن ارتكاز ووضوح في الرؤية، متلقّى من الطبقات السابقة على أولئك الفقهاء المتقدّمين، بالرغم من عدم وجود مستند لفظيّ مشخّص بأيديهم، قال السيّد الشهيد الصدر رحمه الله: "وكثيراً ما تشكّل سيرة المتشرّعة.....الحلقة الوسيطة بين الإجماع والدليل الشرعيّ... إنّ الإجماع المذكور يكشف عن رواية غير مكتوبة، ولكنّها معاشة سلوكاً وارتكازاً بين عموم المتشرّعة"، "فإذا أمكن أن نستكشف بقرائن مختلفة أنّ سيرة المتشرّعة المعاصرين للأئمّة والمخالطين لهم واقتناعاتهم ومرتكزاتهم، كانت منعقدة على الالتزام بحكم معيّن، كفى ذلك في إثبات هذا الحكم".
8- الخوئي، شرح العروة الوثقى(تقرير بحث السيد الخوئي)، كتاب الحج، ج1، ص263.
9- الإحسائي، عوالي اللئالي، م.س، ج2، ص54.
10- الخوئي، شرح العروة الوثقى(كتاب الزكاة)،ج1، ص133.
11- الخوئي، شرح العروة الوثقى(كتاب الصلاة)،ج5، ق1، ص113.
12- الخوئي،شرح العروة الوثقى(كتاب الصوم)،ج2، ص156.
13- النووي، محيي الدين: المجموع، لاط، لام، دار الفكر، لات، ج7، باب ما يجبّ الحجّ على بائع مسلم...، ص18.
14- الشوكاني، محمّد بن علي بن محمّد: نيل الأوطار، لاط، بيروت، دار الجيل، 1973م، ج1، ص379.
15- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج10، الباب22 من أبواب أحكام شهر رمضان،ح1.
16- م.ن، ح2.
17- الشيرازي، القواعدالفقهية، ج2‌، ص179.
18- الحجرات: 14.
19- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج50، ص208.
20- الخلاف: ج 5، ص 469.
21- المازندراني، علي اكبر سيفي: مباني الفقه الفعّال في القواعد الفقهية الأساسية، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في الحوزة العلمية بقم المقدّسة، 1428ه‍ـ.ق، ج2، ص300.
22- الأنفال: 38.
23- النراقي، : مستند الشيعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياءالتراث، ط1، قم المقدّسة، مطبعة ستاره، 1416هـ.ق، ج7، ص269.
24- القمّي، غنائم الأيّام، م.س، ج3، ص339.
25- النجفي، جواهر الكلام، م.س، ج3، ص40.
26- العاملي، وسائل الشيعة، م.س،ج2، الباب54 من أبواب المهور،ح1.
27- المائدة: 6 .
28- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج28، الباب36 من أبواب حدّ الزنا، ح1.
29- م.ن، ح2.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 17  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:45 PM


الدرس السابع عشر: قاعدة السلطنة

أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة السلطنة وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
227

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
منحت الشريعة الإسلاميّة الإنسان مجموعة مهمّة من الحقوق الّتي تنظّم علاقات الناس بعضهم ببعض، فأعطتهم حقّ التملّك، وحقّ السلطنة على الأموال والممتلكات، الّذي يترتّب عليه جواز سائر التصرّفات المحلّلة في كلّ ما يملكه.

ويظهر للمتتبّع لكلمات الفقهاء وجود اتّفاق بينهم على العمل بقاعدة السلطنة، والإفتاء في ضوئها. وقد استدلّوا بها في موارد متعدّدة، فذكرها العلماء في مصنّفاتهم1، كالخلاف، والسرائر، وجامع المقاصد، ومفتاح الكرامة، وجواهر الكلام، وغيرها.

بيان المراد من القاعدة
المراد من السلطنة ـ هنا ـ هوتسلّط المالك على ماله بنحوكامل شامل، فله أن يتصرّف كيف يشاء، بالنسبة إلى أنحاء التصرّفات المحلّلة ضمن الحدود الشرعيّة، فله الحقّ في بيعه وإهدائه وإيجاره وأكله وغير ذلك من التصرّفات الّتي لم يثبت من الشريعة ردع عنها. فكلّما شكّ في جواز التصرّف والتسلّط يتمسّك


--------------------------------------------------------------------------------
229

--------------------------------------------------------------------------------


بالقاعدة ويثبت الجواز، قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه الله: "قاعدة سلطان المالك - وتسلّط الناس على أموالهم - أصل لا يخرج عنه في محلّ الشكّ"2.

فالمالك سلطان في ماله، له الحقّ التامّ في مطلق التصرّفات، ولا أحد يمنعه عنه، أويقف بوجهه في تحديد هذا السلطان، ولا أحد يشاركه فيه، بدون إذنه، بحيث لوكُفّن الميّتُ بكفنٍ مغصوبٍ فالشارعُ يعطي الصلاحيةَ للمالك - والحالُ هذهِ - في نبش الأرض وأخذ قماشه، ولا يجب عليه قبول القيمة.

وليس المقصود منها أنّ المالك لشيءٍ لا يحقّ لغيره التصرّف فيه بدون رضاه وطيب نفسه، فإنّ ذلك ليس تمام المقصود من قاعدة السلطنة، بل المقصود منها أوسع من ذلك، وهوأنّ المالك لشيءٍ له حقّ التصرّف فيه بأيّ شكل شاء، ولازم ذلك أنّ الغير لا يحقّ له التصرّف فيه بدون رضاه.

بيان مدرك القاعدة
أوّلاً: من الكتاب: استدلّ على حجّيّة القاعدة بآيات ادّعي دلالتها على المطلوب، منها: قوله تعالى: ï´؟لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًاï´¾،3 وقوله تعالى: ï´؟وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَï´¾4.

فالمستفاد من الآيتين عدم جواز أكل أموال الناس إلّا من خلال طرق خاصّة مشروعة، تبنى على رضا الطرفين، وجعل حرمته كحرمة قتل الأنفس، وكأنّ هذا القول يتوافق مع الحديث المعروف: "حرمة مال المسلم كحرمة دمه"5، وكأنّه


--------------------------------------------------------------------------------
230

--------------------------------------------------------------------------------


يريد القول: إنّ عدم جواز أكل أموال الناس وحرمته متفرّع عن كونهم مسلّطين عليها. مراده أنّ تصرّف الغير بإذن المالك هو إعمال للسلطنة بالإذن.

وفيه أنّه لا ريب في دلالة الآيتين الكريمتين على حرمة مال المسلم، وهذا المعنى يختلف عمّا يُراد إثباته في قاعدة السلطنة، فقاعدة احترام مال المسلم، وقاعدة السلطنة مستقلّتان عند العقلاء وفي الشريعة - دليلاً وملاكاً6 - فإنّ قاعدة السلطنة قاعدة عقلائيّة هي من أحكام المالكيّة عند العقلاء، فالمالك للشيء مسلّط عليه بأنحاء التسلّط عندهم، وقد أمضاها الشارع وأنفذها بقوله في النبوي المشهور: "الناس مسلّطون على أموالهم"، وقاعدة حرمة المال عبارة عن كونه في حريم المملوكيّة ومحترماً، لا يجوز لأحد التصرّف فيه بلا إذن من مالكه، ومع الإتلاف كان ضامناً. وهذا غير سلطنة المالك على ماله وجواز دفع الغير عن التصرّف فيه، وهذه أيضاً قاعدة عقلائيّة أمضاها الشارع، والدليل عليها روايات كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلّغت؟"7، فينبغي عدم الخلط بينهما.

ثانياً: أدلّة القاعدة من السنّة: يمكن الاستدلال على القاعدة بعدّة طوائف من الروايات:
الطائفة الأولى: ما دلّ على أنّ لصاحب المال الحقّ بالتصرّف بماله ما شاء، منها:
- ما عن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: "الرجل يكون له الولد أيسعه أن


--------------------------------------------------------------------------------
231

--------------------------------------------------------------------------------


يجعل ماله لقرابته؟ قال: هوماله يصنع ما شاء به إلى أن يأتيه الموت"8، وعنه أيضاً قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عطيّة الوالد لولده؟ فقال: "أمّا إذا كان صحيحاً فهوماله يصنع به ما شاء، وأمّا في مرضه فلا"9.

- ما عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، وزاد: "إنّ لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيّاً إن شاء وهبه، وإن شاء تصدّق به، وإن شاء تركه إلى أن يأتيه الموت، فإن أوصى به فليس له إلّا الثلث، إلّا أنّ الفضل في أن لا يضيّع من يعوله ولا يضرّ بورثته"10.

وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات أنّها تصرّح بسلطنة صاحب المال على ماله، فيتصرّف فيه كيف شاء، وأنّ كون الشيء (ماله) يكون علّة تامّة في جواز تصرّفاته، ولكنّها ضعيفة سنداً.

الطائفة الثانية: النبويّ المشهور: "الناس مسلّطون على أموالهم"11، فهذا النبويّ هومدلول القاعدة بتمامه وكماله، والقاعدةمتّخذة منه، فلا كلام ولا إشكال في تماميّة الدلالة وعموميّتها، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: وأمّا قوله عليه السلام: "الناس مسلّطون على أموالهم"، كان عمومه باعتبار أنواع السلطنة، فهوإنّما يجدي فيما إذا شكّ في أنّ هذا النوع من السلطنة ثابت للمالك وماضٍ شرعاً في حقّه أم لا؟12.

والإشكال إنّما هوفي السند, لأنّ النبويّ مرسل، أضف إلى ذلك أنّه لم يذكر في مصادر الحديث عند الإمامية، فعليه لا يصلح أن يكون هذا النبويّ بعنوانه دليلاً في المقام، ولكنّ الّذي يسهِّل الخطب أنّ مدلوله يُستفاد من الروايات الواردة في


--------------------------------------------------------------------------------
232

--------------------------------------------------------------------------------


أبواب المعاملات. منها: ما رواه الحسن بن علي بن شعبة، عن الصادق عليه السلام، سؤالاً عن معائش الناس، في حديث طويل الذيل: "وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله وهبته. - إلى أن قال عند بيان وجوه الحلال -: ما يجوز للإنسان إنفاق ماله وإخراجه بجهة الحلال في وجوهه، وما يجوز فيه التصرّف والتقلّب من وجوه الفريضة والنافلة"،13 يدلّ هذا الحديث على قاعدة سلطنة المالك بالنسبة إلى ماله، دلالة تامّة كاملة. ولكنّه بما أنّ الحديث مرسل لا يمكن المساعدة عليه تجاه الاستدلال، فلا يُستفاد منه هناك إلّا التأييد للمطلوب.

ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: "سأله رجل من أهل النيل عن أرض اشتراها بفم النيل، وأهل الأرض يقولون: هي أرضهم، وأهل الأسنان يقولون: هي من أرضنا، فقال: "لا تشترها إلا برضا أهلها"14. دلّت على عدم جواز الاشتراء بدون ارتضاء المالك، وهذا هومعنى سلطنة المالك على ماله، وكيف كان الأمر فالروايات الدالّة على مدلول القاعدة كثيرة جدًّا، ولا يسعنا المجال لذكرها.

الاستدلال بالسيرة
المدرك المهمّ لهذه القاعدة سيرة المتشرّعة، وسيرة العقلاء:
1- سيرة المتشرّعة:
إنّ بناء المتديّنين والمتشرّعين، بل أهلٍ التقوى، قائم على أنّ لكلّ مالك أن يتصرّف في ملكه بما شاء، ممّا يكشف إنّا15 عن تلقّي ذلك من الشارع، ولا يحتمل


--------------------------------------------------------------------------------
233

--------------------------------------------------------------------------------


أن يكون هذا السلوك ناشئاً من غفلتهم عن الاستعلام عن حكمه الشرعيّ، وخصوصاً مع ملاحظة حجم السيرة وشمولها وامتدادها. وعلى هذا الأساس يُفسَّر الإجماعُ القائمُ على ذلك، بتقريب أنّه يكشف عن الارتكاز المتشرّعي المتلقّى من المعصوم المعاش سلوكاً، لا رواية مكتوبة.

2- سيرة العقلاء:
فقد استقرّت السيرة عند العقلاء بأنّ صاحب المال مسلّط على ماله تمام التسلّط، ولا تحديد ولا ردع إلّا في مورد الضرر والحرمة، وعليه أفتى الفقهاء بأنّ التمليك بدون إذن المالك باطل، فإنّ بناءهم في كلّ عصر ومصر قائم على أساس أنّ المالك له كلّ حقوق التصرّف في ماله، يتصرّف فيه كيف يشاء، من نقل وهبة ووصيّة وإعارة...إلخ، وليس لأحد أن يزاحمه في ذلك، ولا أن يمنعه عنه، والشارع قد أمضى هذه السيرة، ويكفي للقطع به سكوته، إمّا على أساس العقل16، حيث إنّ سكوته وعدم نهيه - مع افتراض عصمته - يكشف إنّاً عن كونها مرضيّة لديه, وإمّا على أساس الظهور الحاليّ المستكشف من كونه شارعاً ومسئولاً عن تبليغ الشريعة, فسكوته - مع افتراض مخالفتها للدين - خلاف ظاهر حاله، مع أنّه لم يصل إلينا ولو برواية ضعيفة تدلّ على نهي الشارع عنها، بل وصل إلينا - ولوبروايات ضعيفة - ما يعزّز الحجّيّة ويؤيّدها. وهذا ما ذكره الإمام الخمينيّ قدس سره: "إنّ قاعدة السلطنة قاعدة عقلائيّة هي من أحكام المالكيّة عند العقلاء، فإنّ المالك للشيء مسلّط عليه بأنحاء التسلّط عندهم، وقد أمضاها الشارع وأنفذها بقوله في النبويّ المشهور: الناس مسلّطون على أموالهم"17.


--------------------------------------------------------------------------------
234

--------------------------------------------------------------------------------


حدود قاعدة السلطنة
لم تمضِ الشريعة الإسلاميّة قاعدة السلطنة على إطلاقها، بل وضعت بعض الضوابط، فأخرجت عدّة عناوين بنحوالتخصيص أوالتخصّص، نذكر منها:
- موارد التبذير والإسراف، فمن حقّ كلّ إنسان التصرّف في أمواله، ما دام لم يصل تصرّفه حدّ الإسراف والتبذير، وإلّا منع, لقوله تعالى: ï´؟وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا *إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِï´¾18، ومثل هذه الموارد خارجة من القاعدة بالتخصيص.

- موارد الضرائب المالية، فليس من حقّ المالك التصرّف في الأموال التي تتعلّق بها ضريبة الزكاة أو الخمس قبل إخراج الضريبة.
ومثل هذا راجع إمّا إلى تخصيص القاعدة، بمعنى أنّ المالك للأموال المتعلّق بها الضريبة هومالك لها جميعاً، ولكنّه ممنوع من التصرّف فيها قبل إخراج الضريبة، أو إلى التخصّص، بمعنى أنّ المالك للأموال المتعلّق بها الضريبة ليس هومالكاً لمجموعها بل هو مالك لما عدا مقدار الضريبة، فمقدار ذلك يكون ملكاً لأصحابه، وحيث إنّه مشاع فيكون المالك ممنوعاً من التصرّف باعتبار أنّ المال المشترك لا يجوز التصرّف فيه إلّا بموافقة جميع الملّاك.

- موارد صرف المال في المجال المحرّم، فليس من حقّ المالك الشراء بأمواله خمراً، أو إقراضه أو بيعه بشكل ربويّ مثلاً، فإنّ قاعدة السلطنة قد طرأ عليها التخصيص في المجالات المذكورة.

- مورد مرض الموت، فإنّ المشهور اختار أنّ المالك إذا مرض بمرض الموت


--------------------------------------------------------------------------------
235

--------------------------------------------------------------------------------


فليس من حقّه إهداء أمواله أوبيعها بأقلّ من ثمن المثل، إلا إذا كان ذلك التصرّف في حدود ثلث ما يملكه.

- التصرّف بعد الموت بمقدار ما زاد على الثلث، فإنّ من حقّ كلّ إنسان ـ ما دام حيّاً - أن يهب جميع أمواله أويوقفها أو...، وأمّا بعد موته فله الحقّ في ذلك بمقدار الثلث، دون ما زاد إلّا مع إجازة الورثة.

وهذا في روحه يرجع إلى التخصّص دون التخصيص، بمعنى أنّ الشخص بعد وفاته لا يكون مالكاً لأمواله إلّا بمقدار الثلث، لا أنّه مالك لجميعها، ويمنع من التصرّف بما زاد على الثلث.

التسلّط على النفس
هل الإنسان مسلّط على نفسه وأعضائه كما هومسلّط على أمواله؟ كلّا، لعدم ثبوت دليل على السلطنة المذكورة. بل يمكن أن يُقال بدلالة الدليل على العدم. والوجه في ذلك:
أمّا بالنسبة إلى نفي السلطنة على النفس فلقوله تعالى: ï´؟وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِï´¾19، حيث تدلّ على أنّ الإنسان ليس له سلطنة على نفسه بإلقائها في التهلكة من خلال الانتحار ونحوه.

التسلّط على الأعضاء:
وأمّا بالنسبة إلى التبرّع بأعضاء الحي إلى آخَر- كالتبرّع بالكلية أو العين ونحوهما - ففي المسألة تفصيل كثير، يمكن إجماله بالآتي:
أوّلاً: الاستدل على نفي السلطنة على الأعضاء، وحرمة قطع الأعضاء ونقلها إلى الآخر، بمجموعة من الأدلّة، منها:


--------------------------------------------------------------------------------
236

--------------------------------------------------------------------------------


- التمسّك بالسيرة العقلائيّة الجارية على تجنُّب كلّ ما يوجب الضرر، وحيث إنّه لم يردع عنها شرعاً فتكون ممضاة.
- التمسّك بحديث نفي الضرر، حيث ورد في الحديث الشريف: "لا ضرر ولا ضرار"20، وحيث إنّ إرادة النهي عن الإضرار من الفقرة الثانية "ولا ضرار" أمر قريب جدّاً فيلزم الحكم بحرمة الإضرار.

- التمسّك بما دلّ على حرمة الجناية على النفس وظلمها، بتقريب أنّ قطع مثل اليد أوالرجل ونحو ذلك ظلم لها، فيحرم, لقوله تعالى: ï´؟وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَï´¾21.
- التمسّك ببعض الروايات الدالّة على أنّ علّة تحريم بعض المحرّمات إضرارها ببدن الإنسان، من قبيل رواية المفضّل بن عمر: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لِمَ حرّم الله تعالى الخمر والميتة ولحم الخنزير؟ قال: إنّ الله تبارك وتعالى... علم ما يضرّهم فنهاهُم عنه وحرّمه عليهم..."22، بتقريب أنّ علّة تحريم المحرّمات، إذا كان هو إضرارها بالنفس، فيلزم حرمة كلّ ما يوجب الضرر بالنفس، كقطع اليد أوالرجل، وإلّا لما صلح أن يكون علّة لتحريم المحرّمات.

ثانياً: الاستدل على جواز التبرّع بالأعضاء إلى الآخرين على تفصيل بين الموارد: وخلاصة الكلام باختصار هي:
أمّا حكم أصل القطع: فلقائل أن يقول بحرمة قطع الحيّ بعض أعضاء بدنه للغير، فإنّه إضرار بالنفس والبدن، والإضرار حرام في الشريعة، سواء بنفسه أم


--------------------------------------------------------------------------------
237

--------------------------------------------------------------------------------


بغيره، وسواء انجرّ إلى تلف النفس أم لم ينجرّ، ووجوب حفظ النفس المحترمة كفاية إنّما هو بالطرق المتعارفة، لا بقطع أعضاء بدن المكلّفين وزرعها في بدن المضطرّ، فإنّ هذا النحو من الحفظ لم يذكره الفقهاء، فضلاً عن عدم وروده في الكتاب والسنّة.

ولبيان الحكم بشكل أوضح ينبغي التفصيل بين أنواع الإضرار: فالإضرار بالنفس على ثلاثة أوجه:
الأوّل: إلقاء النفس إلى التهلكة بأيّ وجه كان، وهذا حرام منصوص لا إشكال فيه. بل لا يجوز مساعدة المحتاج في هذا المورد بلا إشكال، حتّى إذا فرضنا علم المساعد بموته بعد دقائق، فإنّه لا يجوز إتلاف نفسه في هذه الدقائق اليسيرة.

الثاني: إتلاف الأعضاء المهمّة كقطع اليد أو الرجل واللسان، أو قلع العين، ونظائر ذلك ممّا يعلم بعدم رضا الشارع به، ومثله التسبيب لابتلاء النفس بالأمراض الخطيرة، كالسلّ والسرطان والإيدز وأمثالها، ودليل الحرمة هنا هو العلم المذكور، سواء أوجد دليل لفظي عليها أم لا. وهذه الحرمة في بعض الموارد كقلع عين واحدة لزرعها في رأس عالم جليل ذي مكانة دينية أعمى مثلاً مبنيّة على الاحتياط23 .

وفصّل آخرون في المسألة فذهبوا إلى عدم جواز التبرّع بالأعضاء التي يوجب نقلها نقص الإنسان و تشوّهه...، كالعين واليد والرجل وما شاكل ذلك، ولا فرق فيه بين الحيّ والميّت، فلا تكون وصيّة الشخص نافذة بالتبرّع بها بعد موته, لأنّه من الوصيّة في الحرام، و لا فرق في حرمة التشويه بين تشويه الإنسان نفسه أو غيره، فإنّ الإنسان لا يملك أعضاءه التي تتوقّف حياته عليها، كالرأس


--------------------------------------------------------------------------------
238

--------------------------------------------------------------------------------


والقلب ونحوهما، أو ما يكون نقلها موجباً لتشوّهه في الخلقة والهندام، كالعين واليد والرجل، وأمّا غيرها من الأعضاء فيجوز له نقلها إلى غيره تبرّعاً أو بإزاء مال، كالكلية والدم و الجلد و ما شاكل ذلك، هذا شريطة أن لا يؤدّي إلى الضرر المعتدّ به، و إلّا لم يجز أيضاً24.

الثالث: الإضرار بأدون من الوجهين المذكورين، وهذا غير محرّم, لعدم الدليل عليه، فإنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" لا يدلّ على حرمة الإضرار بالنفس ظاهراً، والرجوع إلى أصالة البراءة بل إلى بناء العقلاء على تسلّط الناس على أموالهم وأنفسهم يعطي الجواز، وترى العقلاء يقدمون على بعض الإضرار بمشي زائد أو أكل زائد أو عمل شاق، ولا يذمّ أحد أحداً على ذلك. أضف إلى ذلك أنّ مساعدة الغير في هذا المورد راجحة ولا إشكال فيها، وإذا توقّفت حياة أحد عليها تجب"25.


--------------------------------------------------------------------------------
239

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- المراد من السلطنة - هنا - هو تسلّط المالك على ماله بنحوكامل شامل، فله أن يتصرّف كيف يشاء، وليس له أيّ مانع بالنسبة إلى أنحاء التصرّفات المحلّلة ضمن الحدود الشرعيّة.
- المالك سلطان في ماله، له الحقّ التامّ في مطلق التصرّفات، ولا أحد يمنعه عنه، أو يقف بوجهه في تحديد هذا السلطان، ولا أحد يشاركه فيه، بدون إذنه.

- أهمّ أدلّة القاعدة من الروايات النبويّ المشهور: "الناس مسلّطون على أموالهم"، فهذا النبويّ دليل القاعدة بتمامه وكماله، والقاعدة متّخذة منه، فلا كلام ولا إشكال في تماميّة الدلالة
وعموميّتها.

- المدرك الأهمّ للقاعدة هو سيرة العقلاء، وسيرة المتشرّعة، فإنّ بناء العقلاء في كلّ عصر ومصر قائم على أساس أنّ المالك له كلّ حقوق التصرّف في ماله، يتصرّف فيه كيف يشاء،
من نقل وهبة ووصيّة وإعارة...الخ، والشارع قد أمضى هذه السيرة.

- وأمّا سيرة المتشرّعة فإنّ بناء المتديّنين والمتشرّعة، بل أهل التقوى قائم على أنّ لكلّ مالك أنّ يتصرّف في ملكه بما شاء، مّما يكشف إنًّا عن تلقّي ذلك من الشارع، وخصوصاً مع
ملاحظة حجم السيرة وشمولها وامتدادها.

- لم تمضِ الشريعة الإسلاميّة القاعدة على إطلاقها، بل أجرت عليها بعض القيود وأخرجت عدّة أفراد بنحو التخصيص أو التخصّص، كموارد التبذير والإسراف، وموارد الضرائب
الماليّة، كالزكاة أو الخمس. ومنعت صرف المال في المجال المحرّم...

- لا دليل على التسلّط على النفس والأعضاء، بل يمكن أن يقال بدلالة الدليل على العدم مع وجود استثناء...



مطالعة

صفات المالك وهي على أنحاء
1- الصغر والسفه: فقد منع الشارع المالك الصغير والسفيه من التصرّف في جميع ماله، وألغى سلطنته عليه، حتّى يتحقّق فيه أمران: البلوغ، والرشد، وقد تصدّى الأعلام لبيان الحدود
الزمنيّة وغيرها الّتي بها يتحقّق الأمران، في المرأة والرجل، يُرجع في معرفة ذلك إلى كتب الفقه الاستدلاليّ.

والمراد بالرشد القدرة العرفيّة على إدارة أمواله وإصلاحها، فلو بلغ سفيهاً استمرّ الحجر عليه، وكذا لو عرض عليه السفه، فالشارع إنّما يعطي السلطنة لمن يكون حكيماً في تصرّفه المالي، فلا يرضى بتضييع المال في غير محلّه، وإن كان صادراً عن مالكه.

وتُمنح السلطنة في مال الصغير بعد سلبها منه للأب والجدّ من جهة الأب، فيشتركان فيها، فإن اتّفقا على أمر نفذ، وإن تعارضا قُدّم عقد السابق، على تفصيل في محلّه.
ولو بلغ سفيهاً بقيت سلطنتهما عليه, عملاً بالاستصحاب، ولوعرض عليه السفه بعد أن كان بالغاً رشيداً سقطت سلطنته، وأعطيت للحاكم الشرعيّ خصوصاً دون الأب والجدّ.

2- الجنون: يكون سبباً في إسقاط سلطنة المالك وإلغائها حتّى يفيق ويكمل عقله. والسلطنة في ماله للأب والجدّ، على النحوالمتقدّم في الصغير.

3- السفه: يكون سبباً في سلبِ الشارعِ سلطنةَ المالكِ بشروط:
- أن تكون ديونه ثابتة عند الحاكم.
- أن تكون أمواله قاصرة عن ديونه.
- أن تكون ديونه حالّة، فلا تسقط سلطنته على ماله لأجل الديون المؤجّلة، وإن لم يفِ ماله لوحلّت، ولوكان بعضها حالًّا وبعضها مؤجّلاً فإنْ قصر ماله عن الحالة يحجر عليه، وإلّا فلا.

4- مطالبة الغرماء الحجر:
5- الاحتكار: يجوز للحاكم الشرعيّ إجبار المحتكر (في بعض الموادّ) على البيع، وإسقاط سلطنته عن الامتناع منه، ولكنّ الخلاف بينهم في التسعير عليه وعدمه. ويصحّ إدخال هذا
العنوان تحت عنوان الإضرار بالمجتمع الإسلاميّ.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- المالك سلطان في ماله، له الحقّ التامّ في مطلق التصرّفات، ولا أحد يمنعه عنه، أو يقف بوجهه في تحديد هذا السلطان، ولا أحد يشاركه فيه، بدون إذنه.
2- يُستفاد من أدلّة القاعدة إمكانية التسلّط على النفس والأعضاء إضافة إلى الملك.
3- إذا شكّ المكلّف في حليّة لحم الأرنب الّذي يملكه، فيمكنه التمسُّك بقاعدة السلطنة لإثبات جواز أكله مع الإغماض عن سائر الأدلّة والأصول العمليّة.
4- المشهور أنّ المالك، إذا مرض بمرض الموت، فليس من حقّه إهداء أمواله أو بيعها بأقلّ من ثمن المثل، إلّا إذا كان ذلك التصرّف في حدود ثلث ما يملكه.
5- المراد من السلطنة هنا هوتسلّط المالك على ماله بنحوكامل شامل، فله أن يتصرّف كيف يشاء، وليس له أيّ مانع بالنسبة إلى أنحاء التصرّفات المحلّلة ضمن الحدود الشرعيّة.
6- لو سرق الكافر، أو سبّ الله والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم... إلخ ـ حال كفره ـ ثمّ دخل الإسلام فإنّه لا يؤاخذ على تلك الأفعال الصادرة عنه، فلا يخضع للأحكام والحدود
الإسلاميّة.

- عالج الأسئلة الآتية:
1- هل يمكن التمسّك بقاعدة السلطنة لإثبات جواز شراء الإنسان بأمواله الأدخنة مع ثبوت ضررها؟ ومن ثمّ جواز التدخين بها؟
2- كيف توفّق بين قاعدة السلطنة على المال، وبين منع الشريعة للمكلّف من التصرّف في ماله أو صرفه في موارد محدّدة، كموارد التبذير والإسراف، وموارد الضرائب الماليّة، كالزكاة أوالخمس، وصرف المال في المحرّم.
3-من حقّ الإنسان أن يتناول الأطعمة المباحة، هل بإمكانه إسقاط الحقّ المذكور بقاعدة السلطنة؟
4- من حقّ الرجل الزواج بالثانية. هل بإمكانه إسقاط الحقّ المذكور؟ وإذا لم يمكنه ذلك، فما هوالطريق لتوصّل الزوجة الأولى إلى عدم تزوّج زوجها بزوجةٍ ثانية؟
5- هل يمكن التمسّك بقاعدة السلطنة لإثبات جواز طلاق الزوجة نفسها، إذا اشترط لها الزوج ذلك في العقد؟ وما هي الطريقة الشرعيّة للتوصُّل إلى ذلك إذا لم يمكن التمسُّك بقاعدة
السلطنة؟
6- شخص بلغ سفيهاً فمن حقّه الحصول على ماله, لأنّه أصبح مسلّطاً عليه.



هوامش

1- الشيرازي، القواعدالفقهية، م.س، ج2، ص14.
2- النجفي، جواهرالكلام، م.س، ج27، ص138.
3- النساء:29.
4- البقرة: 188.
5- الشيرازي، القواعدالفقهية، م.س، ج2، ص14.
6- الملاك: ما في الفعل من مصلحة أو مفسدة.
7- العاملي، وسائل الشيعة، م.س،ج29، الباب1 من أبواب القصاص في النفس،ح3.
8- م.ن، ج19، الباب17 من أبواب أحكام الوصايا،ح1.
9- م.ن،ح 11.
10- م.ن،ح2.
11- المجلسي، بحارالأنوار، م.س، ج2، ح7، ص272.
12- الأنصاري، المكاسب (البيع)، م.س، ص83.
13- العاملي، وسائل الشيعة،ج12، باب2 م نأبواب ما يكتسب به،ح1، ص 55-57.
14- م.ن، باب1 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح3، ص249.
15- الإنّ: هو كشف المعلول عن علّته.
16- الأساس العقليّ يقوم إمّا على كون المعصوم مكلّفاً، وإمّا على كونه شارعاً هادفاً، هدفه تبليغ الأحكام بشكلها السليم. فلو كان ما يفعله العقلاء منكراً لنهاهم المعصوم عنه، ولمّا لم ينههم يكشف ذلك عن كونه صحيحاً غير منكر. ولو كان ما يفعله العقلاء ناشئاً عن الجهل لكان الواجب على المعصوم أن يعلّمهم, لأنّ تكليفه تعليم الجاهل. وهذا على أساس كون المعصوم مكلّفاً، ولو فرضناه شارعاً هادفاً، وقد سكت، فهذا يكشف عن كون الفعل لا يتنافى مع هدف الشارع.
17- روح الله الموسوي الخميني، بدائع الدررفي قاعدة نفي الضرر، م.س، ص127.
18- الإسراء: 26 ـ 27.
19- البقرة: 195.
20- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج18، باب12 من أبواب إحياء الموات، ح3.
21- النحل: 118.
22- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج24، باب1 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح1.
23- المحسني، محمّد آصف، الفقه والمسائل الطبيّة، ص 217.
24- الفيّاض، إسحاق، المسائل المستحدثة, ص: 181. ويراجع السيستاني، علي، الاستفتاءات (309)، ص85.
25- المحسني، محمّد آصف، الفقه والمسائل الطبيّة، ص 217.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 18  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:45 PM


الدرس الثامن عشر: قاعدة الغرور

أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة الغرور وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
247

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
حفظت التشريعات الإسلامية جميع الحقوق المتعلّقة بأفراد المجتمع، ومنعت من الاعتداء عليها، أو اتّباع الأساليب غير الشرعيّة في الحصول عليها، وألزمت المعتدي على حقوق الآخرين وأموالهم أو المسيطر عليها بالخداع والغرور بالضمان، وكذا لو صدر عن أحد فعل يوجب الضرر على آخر بانخداعه فيه، فله أن يرجع على من خدعه وغرّه، ويكون استقرار الضمان على الغارّ.

بيان المراد من القاعدة
يقصد بالغرور الخديعة، يقال: غرّه غروراً، بمعنى خدعة خديعة. وينبغي عدم الخلط بين الغرور والغرر، فالأوّل يراد به الخديعة، بينما الثاني يراد به كلّ جهالة تشتمل عليها المعاملة.
والمقصود من القاعدة على هذا: هو تضرّر المشتري لوقوعه في خداع من قبل البائع، فإذا انخدع المشتري وأصبح متضرّراً فوق المتعارف يكون هوالمغرور، والّذي تسبّب بالضرر هوالغارّ، وعندئذ يرجع المشتري (المغرور) إلى البائع (الغارّ) بتدارك الضرر، كما لو باع الغارّ مال الغير للمشتري الجاهل بدون إذن المالك يتحقّق الغرر الوارد عليه. أوكما إذا قدّم الطعام المغصوب لغيره ضَمِنَ


--------------------------------------------------------------------------------
249

--------------------------------------------------------------------------------


ذلك الغير الآكل قيمة الطعام لصاحبه, لقاعدة على اليد أو الإتلاف، ولكنّه بدوره يرجع على الغاصب الغار, لقاعدة الغرور.

خلاصة الكلام أنّ حجر الأساس لتحقّق كيان الغرر هوعلم المغرِّر، وجهل المغرور، كما قال السيّد الخوئيّ قدس سره: "إنّ الغرر إنّما يتقوّم بأمرين: أحدهما علم الغارّ بالعيب، وثانيهما جهل المغرور به، ومع انتفاء أحدهما ينتفي الغرور"1.

بيان مدرك القاعدة
تحقّق التسالم على مدلول القاعدة في الجملة، كما قال الشيخ الأنصاريّ رحمه الله: بأنّ للمشتري المتضرّر الرجوع على المالك, لقاعدة الغرور المتّفق عليها ظاهراً2. وقال العلّامة الأصفهانيّ رحمه الله: "واستناد الأصحاب إلى قاعدة الغرور معروف مشهور"3 .

هذا ويستدلّ لإثبات القاعدة بعدّة روايات، منها:
الأولى: النبويّ المشهور: "المغرور يرجع على من غرّه". وقد نُسب هذا الحديث في لسان كثير من الفقهاء إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كما في جواهر الكلام، ومستمسك السيّد الحكيم، وغيرهما4.

ودلالة هذه الجملة على المقصود في المقام - أي رجوع المغرور إلى الغارّ فيما تضرّر من ناحية تغريره إيّاه - واضحة لا تحتاج إلى شرح وإيضاح, إذ لا معنى لرجوع المغرور إلى الغارّ في المتفاهم العرفيّ إلّا هذا المعنى، أي يكون له أخذ ما تضرّر من الغارّ. والعمدة إثبات سندها، وقد ادّعى بعضهم عدم وجودها


--------------------------------------------------------------------------------
250

--------------------------------------------------------------------------------


في كتب الحديث، وإن كان عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود، لكنّ صرف احتمال الوجود لا أثر له.

بيد أنّه لا يوجد في معاجم الحديث عند السنّة فضلاً عن الشيعة رواية منسوبة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم باللفظ المذكور. ودعوى انجبار ضعف سند الرواية بعمل المشهور بها لا تنفع في المقام، بعد عدم ثبوت ما ذكر كرواية منقولة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّ الشهرة تجبر ما ثبت كونه رواية منقولة في كتب الحديث، دون ما لم تثبت روائيّته. نعم، نقل البيهقيّ في سننه عن الشافعيّ عن عليّ عليه السلام: "المغرور يرجع بالمهر على من غرّه"5. ولكنّه على تقدير تماميّة سنده لا ينفع في إثبات القاعدة، لاختصاصه بالمهر.

الثانية: الاستدلال بصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: "امرأة شهد عندها شاهدان بأنّ زوجها مات، فتزوّجت ثمّ جاء زوجها الأوّل، قال: لها المهر بما استحلّ من فرجها الأخير، ويضرب الشاهدان بالحدّ، ويضمنان المهر بما غرّا الرجل، ثم تعتدّ وترجع إلى زوجها الأوّل"6. فإنّ الباء في جملة "بما غرّا الرجل" سببيّة، أي: يضمنان بسبب أنّهما غرّا الرجل، ويتمسّك بعموم التعليل، ويثبت بذلك أنّ مطلق الغرور يوجب الضمان. هذا ويمكن دعوى انعقاد سيرة العقلاء أيضاً على الحكم بضمان الغارّ، وحيث لم يردع عنها فتكون ممضاة.

الثالثة: الروايات الواردة في مختلف الأبواب، منها: صحيحة محمّد بن قيس، عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل شهد عليه رجلان بأنّه سرق فقطع يده، حتّى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل


--------------------------------------------------------------------------------
251

--------------------------------------------------------------------------------


آخر فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، إنّما شبّهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرّمهما نصف الدية، ولم يجز شهادتهما على الآخر"7.

ومنها: صحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه السلام، في شاهد الزور، قال: "إن كان الشيء قائماً بعينه رُدّ على صاحبه، وإن لم يكن قائماً ضُمِنَ بقدر ما أتلف من مال الرجل"8، ووجه الاستدلال بالصحيحتين هو أنّ الّذي أصابه الضرر من الغير، له أن يتدارك ضرره بالرجوع إلى ذلك الغير، وبما أنّه لا خصوصيّة للمورد يُستفاد منهما العموم. والإشكال بأنّ تدارك الضرر إنّما هو بوساطة الإتلاف مندفع, وذلك لأنّ التدارك إذا كان على أساس الإتلاف، لكان الحاكم شريكاً في الأمر، وبما أنّ المستفاد من النصّين هوالرجوع على الشاهد فقد تمّت الدلالة على مفاد القاعدة. ولكنّ الأولى الاقتصار في مورد القاعدة على ما إذا علم الغارّ, لأنّه هوالمتيقّن. كما قال السيّد الحكيم رحمه الله: "لا دليل على قاعدة الغرور كلّيّة، وأنّه يمكن استفادتها في خصوص صورة علم الغارّ من نصوص تدليس الزوجة"9.

الرابعة: الروايات العديدة الواردة في موارد خاصّة، الدالّة على رجوع المغرور إلى الغار في مقدار الضرر الّذي أوقعه فيه بوساطة تغريره له، كالروايات الواردة في تدليس الزوجة، الدالّة على رجوع الزوج بالمهر على المدلّس، معلّلة بقوله عليه السلام: "لأنّه دلّسها" في خبر رفاعة: و"إنّ المهر على الّذي زوّجها وإنّما صار عليه المهر, لأنّه دلّسها"10، فجعل عليه السلام مناط الرجوع وعلّته تدليسه لها،


--------------------------------------------------------------------------------
252

--------------------------------------------------------------------------------


أي خداع الزوج بتدليسه إيّاها، وإراءَتها على خلاف الواقع، فمقتضى عموم التعليل رجوع كلّ من خدع وتضرّر إلى الّذي خدعه.

بناء العقلاء: بمعنى أنّ العقلاء في معاملاتهم وسائر أعمالهم، إذا تضرّروا بوساطة تغرير الغير إيّاهم، يرجعون فيما تضرّروا فيه إلى الغارّ، ويأخذون منه مقدار الضرر الّذي صار سبباً لوقوع المغرور فيه، وسائر العقلاء لا يستنكرون هذا المعنى بل يغرّمون الغارّ. وهذا أمر دائر شايع بينهم، من دون نكير لأحد منهم، وعندي أنّ هذا الوجه أحسن الوجوه الّتي ذكروها في هذا الباب11.

إن قلت: إنّ بناء العقلاء يحتاج، في حجّيّته، إلى الإمضاء، قلنا: أوّلاً: عدم الردع يكفي في الإمضاء، ولم يثبت ردع من طرف الشارع. وثانياً: اتّفاقهم على الاستدلال بهذه القاعدة في موارد متعدّدة من دون اعتراض من أحدهم على هذا الاستدلال، يكشف كشفاً قطعيّاً عن إمضاء الشارع لهذه الطريقة والبناء.

اعتبار الجهل في صحّة التمسّك بالقاعدة
لتوضيح المقام يوجد عدّة صور:
الأولى: أن يكون الغارّ والمغرور عالمين بالغرر، ففي هذه الصورة لا يصدق عنوان الغرر، ولا تدخل هذه الصورة تحت عموم قاعدة الغرور، فلا غارّ ولا مغرور، ولا خدعة ولا غرور في البين, لأنّ جهل المغرور مأخوذ في حقيقة كونه مغروراً، وإلاّ يكون هوبنفسه مقدِماً على الضرر.

الثانية: أن يكون المغرور جاهلاً بالضرر، والغارّ عالماً به، وهذه الصورة القدر المتيقّن من القاعدة، إذ يصدق فيها عنوان الغرور بشكل واضح وجليّ، ويقرّ به عموم الناس بلا أيّ شكّ أوتردّد.


--------------------------------------------------------------------------------
253

--------------------------------------------------------------------------------


الثالثة: أن يكون المغرور عالماً بالغرر، والغارّ جاهلاً به، فهذه الصورة خارجة من تحت القاعدة، لعدم صدق الغرور مع علم المغرور.

الرابعة: أن يكون الغارّ والمغرور جاهلين: هنا يوجد قولان:
الأوّل: عدم صدق عنوان الغرور, لأنّ الجاهل بضرر فعل، إذا أوقع شخصاً في ارتكاب ذلك الفعل، لا يصدق عليه عنوان (الغارّ)، خصوصاً إذا كان مشتبهاً، وتخيّل النفع في ذلك الفعل، ودعاه إليه باعتقاد أنّه نافع له، ثمّ ظهر أنّه يضرّه، كالطبيب الّذي يصف الدواء الفلانيّ له باعتقاد أنّه نافع له، ثمّ بعد استعماله تبيّن أنّه أضرّه، فمثل هذا لا يعدّ عند العرف تغريراً أوخدعاً لذلك الآخر المتضرّر.

الثاني: صدق عنوان الغرور: بدعوى أنّ عناوين الأفعال ليست متقوّمة بقصد تلك العناوين، فمن قام أو قعد يصدق عليه عنوان القائم أو القاعد وإن لم يكن قاصداً لذلك على نحو اسم المصدر، بل كان غافلاً.

وهكذا من قدّم طعام الغير إلى آخر فأكله أوتصرّف به، يصدق عليه عنوان الغارّ، ولو لم يكن ملتفتاً إلى أنّه طعام الغير، بل كان معتقداً أنّه طعام نفسه، وبما أنّ قصد عناوين الأفعال ليس معتبراً في صدق عنوان ذلك الفعل، فإذا ضرب أحداً يصدق عليه عنوان الضرب وإن لم يقصده، فالتغرير عبارة عن ترغيب شخص إلى فعل يترتّب عليه الضرر، وإن كان المرغّب جاهلاً بترتّب الضرر على ذلك الفعل، وإيقاعه في ذلك الفعل. نعم، العناوين القصديّة - في العبادات مثلاً - لا تحصل بدون قصد ذلك العنوان، فالتعظيم الّذي هو من العناوين القصديّة لا يحصل من صرف ذلك القيام والركوع والسجود، بدون قصد ذلك العنوان، ولكنّ التغرير وإيقاع الآخر بالغرور ليس من تلك العناوين القصديّة, كونه يتحقّق ويترتّب عليه الأثر بمجرّد وقوعه.


--------------------------------------------------------------------------------
254

--------------------------------------------------------------------------------


ومع هذا، إنّ الدعوى المذكورة خلاف ما نشعر به عرفاً من صدق عنوان الغرور بعلم الغارّ وجهل المغرور، خاصّة وأنّ المتديّن يحتاط عادة قبل التصرّف في ملك الغير، ولا يقدم على أيّ فعل دون التحقّق.


--------------------------------------------------------------------------------
255

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- المقصود من القاعدة هو تضرّر المشتري على أساس خداع البائع، فإذا انخدع المشتري وأصبح متضرّراً يكون هوالمغرور، والّذي تسبّب بالضرر هو الغارّ، وعندئذٍ يرجع المشتري
المغرور إلى البائع الغارّ بتدارك الضرر.

- إنّ الغرر يتقوّم بأمرين: أحدهما علم الغارّ بالعيب، وثانيهما جهل المغرور به، ومع انتفاء أحدهما ينتفي الغرور.
- لقد تحقّق التسالم على مدلول القاعدة في الجملة.

- يُتمسّك، لإثبات القاعدة، بالحديث المشهور: "المغرور يرجع على من غرّه". وقد نسب على لسان كثير من الفقهاء إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كما في جواهر الكلام،
والمستمسك وغيرهما.

- إنّ العقلاء في معاملاتهم وسائر أعمالهم إذا تضرّروا بوساطة تغرير الغير إيّاهم، يرجعون فيما تضرّروا فيه إلى الغارّ، ويأخذون منه مقدار الضرر الّذي صار سبباً لوقوع المغرور
فيه، وسائر العقلاء لا يستنكرون هذا المعنى، بل يغرّمون الغارّ.



مطالعة

قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع
معنى القاعدة هو قولهم: كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، فإذا حكم العقل بوجوب شيء - مثلاً- حكماً قطعياً مستقلّاً، لا بدّ من حكم الشرع به أيض, لعدم الانفكاك بين الحكمين...، ولا يخفى أنّ هذه القاعدة ذكرت في علم الكلام لإثبات عدالة الله، وذكرت في علم الأصول في بحث الملازمات، وبما أنّه يثبت بها الحكم الشرعي يصلح ذكرها في عداد القواعد الفقهية، وقد تحقّق التسالم بين الأصوليين على مدلول القاعدة.

هذا إضافة إلى أنّ الشارع من العقلاء، فإذا كان الحكم ثابتاً عندهم قطعاً كان ذلك الحكم كذلك عند الشارع, لأنّه أعقل العقلاء وأفضلهم. قال الشهيد الصدر رحمه الله: "المشهور بين علمائنا الملازمة بين الحكم العملي العقلي والحكم الشرعي"12. والصحيح أنّ الملازمة ثابتة إذا كان الحكم قطعياً بمستوى الضروريات كحسن العدل وقبح الظلم وما شاكلهما. وأمّا الإشكال بأنّ العقل ضعيف ودين الله لا يصاب بالعقول وارد على القسم الداني من الحكم العقلي، وهو الحكم الظنّي كالقياس والاستحسان وغيرهما. والمراد من حكم العقل هنا هو كشفه عن الحكم الشرعي لا إنشاء الحكم، كما قال الشهيد الصدر رحمه الله: "ودور العقل بالنسبة إليه دور المدرك لا دور المنشئ والحاكم"13.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- يتقوّم الغرر بأمرين: أحدهما جهل الغارّ بالعيب، وثانيهما جهل المغرور به، ومع انتفاء أحدهما ينتفي الغرور.
2- العقلاء، في معاملاتهم وسائر أعمالهم، إذا تضرّروا بوساطة تغرير الغير إيّاهم، يرجعون فيماتضرّروا فيه إلى الغارّ ويغرّمونه.
3- إذا قدّم الغاصب مال المالك إليه (للمالك) بعنوان الضيافة، وكان المالك جاهلاً بكونه له، لا يجب على الغاصب الضمان لعدم صدق الغرور.
4- إذا كان المغرور جاهلاً بالضرر، والغارّ عالماً به، فتطبّق القاعدة، بل هوالقدر المتيقّن منها.
5- إذا قدّم شخص طعاماً لآخر كضيافة ليأكله، ثمَّ ظهر أنَّه لغيره، فللغير أن يطالبه بقيمة الطعام, للقاعدة، ويرجع بما دفعه على من غرَّه.
6- إذا باع الصغير بضاعة غيره لآخر، وفجأة ظهر المالك الحقيقيّ، فيجب ردّ البضاعة إلى المالك وتغريم الصغير.

- عالج الأسئلة الآتية:
1- شخص قدّم طعاماً للغير باعتقاد أنّه له، ثمّ اتضح أنّه لغيره، فهل يكونان ضامنين؟ ولماذا؟
2- إذا قال شخص لآخر: توجد في معرض الكتاب كتب تباع بسعر زهيد، فسافر إليه فلم يجد الأمر كما أخبر، فهل يمكن تغريمه أجور السفر؟
3- شخص أراد الزواج ومدح له ثانٍ أخلاق امرأة معيّنة، فلمّا تزوّجها ظهر له سوء أخلاقها، فهل يكون المادح غارّاً ويلزمه ضمان المهر؟
4- إذا دخل شخص داره ووجد فيها طعاماً فأكله باعتقاد أنَّه له، ثمّ اتّضح أنَّه لغيره، فهل يكون ضامناً؟
5- إذا رأى شخص سيّارة في الموضع الّذي يضع فيه سيّارته واعتقد أنّها سيّارته لشدّة شبهها بها، فلمّا ركبها اتّضح أنّها سيّارة الغير، فهل يكون ضامناً لأجرة التصرّف فيها، وضمان
العيب لوفرض طروُّه عليها؟
6- لو باع مرابحة فبان رأس ماله أقلّ، كان المشتري بالخيار بين ردّه، وأخذه بالثمن. السؤال: هل يصحّ جعل قاعدة الغرور مستنداً لهذا الخيار؟



هوامش

1- الخوئي، أبو القاسم: مصباح الفقاهة، تحقيق جواد القيّومي الأصفهاني، ط1، قم المقدّسة، المطبعة العلمية, مطبعة الداوري، لات، ج3، ص759.
2- الأنصاري، المكاسب(البيع)، م.س،ص147.
3- الأصفهاني: حاشيةالمكاسب، تحقيق الشيخ عبّاس محمّد السبّاع القطيفي، ط1، قم المقدّسة، نشر أنوار الهدى, المطبعة العلمية،1418 هـ.ق، ج1، ص192.
4- النجفي، جواهرالكلام، م.س، ج37، ص145, الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، م.س، ج14, ص350.
5- البيهقي، السنن الكبرى، م.س، ج7، باب من قال يرجع المغرور بالمهر على من غرّه، ص219.
6- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج18، باب14 من أبواب الشهادات، ح2.
7- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج18، باب14 من كتاب الشهادات، ح1، ص243.
8- م.ن، باب11 من كتاب الشهادات، ح2، ص239.
9- الحكيم، محسن: نهج الفقاهة، لاط، قم المقدّسة، انتشارات 22 بهمن، لات، ص273.
10- الكليني، الكافي، ج5، باب المدالسة في النكاح وما ترد منه المرأة، ح9، ص407, وانظر: لبقيّة الروايات: العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج14، أبواب العيوب والتدليس، باب2، ح4, ح7، ص597, الطوسي، محمّد بن الحسن: تهذيب الأحكام، ج7، باب التدليس في النكاح، ص432، ح1, ح34.
11- البجنوردي، القواعدالفقهية، م.س، ج1، ص722.
12- على تفضيل في محلّه.
13- الصدر، دروس في علم الأصول (الحلقةالثالثة – القسم الأوّل)، م.س، ص428.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 19  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:45 PM


الدرس التاسع عشر: قاعدة الإتلاف

أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة الإتلاف وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
261

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
إنّ من جملة القواعد الفقهيّة المشهورة الّتي تمسّك بها الفقهاء في موارد الضمان هي قاعدة: "من أتلف مال الغير بلا إذن منه فهو له ضامن". وتعتبر قاعدة الإتلاف في باب الضمانات، ولزوم تدارك الخسارة (الضمان القهريّ) من البحوث المهمّة - ولاسيّما في عصرنا الحاضر, لضمان الحقوق الفرديّة والاجتماعيّة، وتحقيق العدالة الاجتماعية -، وهي من أهمّ القواعد في هذا المجال، لو لم نقل إنّها الأهمّ على الإطلاق، وإنّ الأمر متسالم عليه عند الفريقين، بل إنّ هذه القاعدة من ضروريّات الفقه، ولا خلاف ولا إشكال في مدلولها.

بيان المراد من القاعدة
المراد من الإتلاف ـ هنا ـ هو استهلاك مال مسلم بدون الإذن والرضا، وهو أعمّ من أن يكون عن عمد أوعن خطأ، ويكون مفادها هوالضمان على من يتلف مال الغير، كما اشتهر على ألسن المتقدّمين والمتأخّرين قولهم: "من أتلف مال الغير فهوله ضامن"، فإذا تحقّق إتلاف مال الغير بدون إذنه ورضاه، وبدون قصد الإحسان إليه، يكون المتلف ضامناً حتّى يؤدّي ما أتلفه إلى مالكه قيمة أو مثلاً. ولا يخفى أنّه قد يعبّر عن هذه القاعدة (الإتلاف) بقاعدة من أتلف.


--------------------------------------------------------------------------------
263

--------------------------------------------------------------------------------


ما المراد بالإتلاف؟
الإتلاف قد يكون بالمباشرة وقد يكون بالتسبيب:
الأوّل: عبارة عن الفعل الّذي يصدر عن الإنسان مباشرة، ويؤدّي إلى إتلاف مال الغير، مثل أن يأكل ماله الّذي من المأكولات، أو يشرب ماله الّذي من المشروبات، أو يحرق أثوابه، وأمثال ذلك ممّا يوجب أويسبِّب فناء مال الغير عن نفسه، بدون توسيط فاعل إراديّ أوغير إرادي آخر. وهذا القسم من الإتلاف موجب للضمان قطع, لما سيأتي من الأدلّة، وعليه الاتّفاق من المسلمين قاطبة، بل عليه اتّفاق جميع عقلاء العالم من المسلمين وغير المسلمين من ذوي الأديان، بل ومن غير ذوي الأديان.

الثاني: عبارة عن كلّ فعل صار سبباً لوقوع التلف، ولم يكن علّة تامّة للتلف، أو لم يكن الجزء الأخير من العلّة التامّة، بل يكون بحيث لولم يصدر عنه هذا الفعل لم يقع التلف، كما لوحفر بئراً مكشوفة في الطريق، فوقع فيها شيء وتلف، فهوالسبب. ولهذا عرّفوا السبب بأنّه ما لا يلزم من وجوده الوجود، وإلّا فهو العلّة التامّة أو الجزء الأخير منها، ولكن يلزم من عدمه العدم. فعلى هذا المعنى للتسبيب، أي ما يلزم من عدمه عدم التلف أيضاً، يمكن القول إنّه موجب للضمان، وقد ادّعى في الجواهر1 نفي الخلاف فيه، وتدلّ عليه مجموعة من الأخبار كما سيأتي.


--------------------------------------------------------------------------------
264

--------------------------------------------------------------------------------


بيان مدرك القاعدة
1- الآيات: استدلّ بقوله تعالى: ï´؟فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْï´¾،2 بتقريب أنّ إتلاف مال الغير أومنافعه أوحقوقه بغير إذنه من مصاديق التعدّي، وحينئذ يجوز (بناءً على دلالة الآية) تضمين المتعدّي، والضمان يشكّل المدلول الالتزامي للآية، لولم نقل أنّه مدلولها المطابقي الصريح.

وقد تمسّك بعض الفقهاء (كالشيخ الطوسيّ وابن ادريس) بالآية، مضافاً إلى إثبات أصل قاعدة الإتلاف, لإثبات نوعيّة الضمان من المثليّ والقيميّ، فقال الشيخ الطوسيّ: "الأموال على ضربين: حيوان وغير حيوان، فأمّا غير الحيوان فعلى ضربين: ما له مثل وما لا مثل له...، فإذا غصب غاصب من هذا شيئاً، فان كان قائماً ردّه، وإن كان تالفاً فعليه مثله, لقوله تعالى: ï´؟...فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْï´¾. ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بأمور:
الأوّل: إنّ الاعتداء هو الإتلاف عمداً، ولا يشمل فرض الخطأ والنسيان، أضف إلى أنّ المدّعى في مفاد القاعدة هوضمان المتلف سواء أكان الإتلاف عن عمد واختيار، أم كان عن غفلة وإكراه، في حين أنّ المأخوذ في الآية عنوان ï´؟العدوانï´¾، وهوصادق في حال العمد والاختيار، دون ما كان عن غفلة أوإكراه، وعليه فالدليل في الموردين أخصّ من المدّعى.

الثاني: إنّ مورد الآية المباركة في جواز التعدّي على العدوفي الحرب إذا تعدّى، ولا ربط له بباب الضمان، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره (مستشكلاً على الاستدلال بالآية لإثبات الضمان): "لكن يردّ عليه أنّه لا شبهة في دخول الاعتداء بالحرب في الآية، لولم نقل باختصاصها به, لأجل كونها في سياق آيات الجهاد، كقوله تعالى: ï´؟وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ


--------------------------------------------------------------------------------
265

--------------------------------------------------------------------------------


ï´؟فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ...ï´¾3، فقوله تعالى: ï´؟فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ...ï´¾4 تفريع على ذلك، فهوإمّا مختصّ بالحرب فلا دلالة فيه على الضمان المطلوب، أوكبرى كلّيّة، فلا محالة يكون الاعتداء بالحرب داخلاً فيها، ولا يمكن إخراج المورد عنها وتخصيصها بمورد الماليّات"5.

2- الروايات، منها: صحيحة أبي ولاّد في اكترائه البغل من الكوفة إلى قصر أبي هبيرة وتخلّفه عنه، فذهب من الكوفة إلى النيل وبغداد ذهاباً وإياباً، قال: فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام، فقال: "أرى له عليك مثل كراء البغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء البغل من النيل إلى بغداد، ومثل كراء البغل من بغداد إلى الكوفة وتوفّيه إياه"6، دلّت على أنّه من أتلف مال الغير (المالأوالمنفعة) يكون ضامناً، ويجب عليه الوفاء بالمثل أو القيمة.

ومنها: صحيحة الحلبيّ عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "سألته عن الشيء يوضع على الطريق فتمرّ الدابّة فتنفر بصاحبها فتعقره؟ فقال: كلّ شيء يضرُّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه"، فُيستفاد من عموم هذه الصحيحة أنّ كلّ من يوجب تلف مال المسلم، يكون ضامناً لما يتلفه.

ومنها: صحيح زرارة عنه عليه السلام أيضاً، قلت له: "رجل حفر بئراً في غير ملكه، فمرّ عليها رجل فوقع فيها؟ فقال عليه السلام: عليه الضمان لأنّ كلّ من حفر في غير ملكه كان عليه الضمان"7


--------------------------------------------------------------------------------
266

--------------------------------------------------------------------------------


ومنها: موثّقة سماعة8، ومدلولها نفس مدلول صحيح أبي ولاّد المتقدّم. قال العلّامة الأصفهانيّ رحمه الله: الظاهر أنّه (إتلاف) مأخوذ من الموارد الخاصّة المحكوم عليها بالضمان، كما في الرهن والمضاربة والوديعة والعارية والإجارة، فإنّه حكم فيها بالضمان مع التعدّي والتفريط، وكذا في غيرها كقوله: "من أضرّ..." إلخ. والظاهر بل المقطوع أنّه لا خصوصية لتلك الموارد على كثرتها وتشتّتها، ولذا جعلوا الإتلاف سبباً للضمان كلّيّة"9.

3- السيرة العقلائيّة: من جملة ما استدلّ به الفقهاء على هذه القاعدة السيرة العقلائيّة، حيث إنّ العقلاء يعتبرون من أتلف مال غيره ضامناً، ولم يكتفِ الشارع بعدم الردع عن تلك السيرة، بل إنّ هناك ما يدلّ على إمضائه لها في النصوص.كما قال الإمام الخمينيّ قدس سره: "فالظاهر أنّ قاعدة الإتلاف بنطاق أوسع من مفهوم الإتلاف أمر عقلائيّ، فلوأتلف مال الغير، أو أفسده، أو أكله، أو عيّبه، أو أفسده على صاحب المال، ولو لم يفسده في نفسه - كمن سلّم مال الغير إلى غاصب لا يمكن أخذه منه، أوإخراج الطير من قفصه، إلى غير ذلك من التضييع والإفساد - فهوضامن عند العقلاء، يرجع بعضهم إلى بعض في الضمان"10.

فإذاً، السيرة العقلائيّة تدلّ على الضمان، إلّا أنّها غير قابلة للتمسّك بها على سعته وعمومه, وذلك لكونها دليلاً لبّيّاً لا إطلاق له حتّى يُتمسّك به.

الضمان على السبب أو المباشر
هل يُشترط في تحقّق الإتلاف مباشرة المتلف، أم لا؟ من المعلوم أنّ الإتلاف بالمباشرة كأكل ما يؤكل وشرب ما يشرب من مال الغير ممّا لا شكّ في كونه


--------------------------------------------------------------------------------
267

--------------------------------------------------------------------------------


موجباً للضمان، وأمّا إذا كان العمل سبباً لتلف مال الغير كحفر البئر في الطريق الموجب لعقر الدابّة فهل يوجب الضمان أيضاً أم لا؟ التحقيق: أنّ السبب إذا كان على نهج يستند التلف إليه عرفاً بدون وساطة فاعل عاقل في البين موجب للضمان قطعاً، وذلك - مضافاً إلى تسالم الفقهاء - لأنّ الحكم منصوص في الروايات كصحيحة الحلبيّ المتقدّمة.

وكذا لو وضع سكّيناً بيد مجنون فجرح أو قتل، أو فتح باب الحبس على سبع فافترس إنساناً أوحيواناً، أو ألقى حيّة على نائم أو من ليس بنائم ولكن لا يقدر على التحرّز عنهابقتلها، أوفراره عنها، فلدغته، وأمثال ذلك من النظائر الكثيرة. ففي جميع هذه الموارد يكون الضامن هوالسبب لا المباشر، وذلك فيما لو لم يكن المباشر فاعلاًعاقلاً بل يصدر عنه الفعل بدون ترو وتفكّر في عواقبه، لعدم قدرته على التروّي والتفكّر، وإن شئت عبّر عن هذا بأنّ السبب أقوى من المباشر، ولعدم إمكان كون الضمان على المباشر - في مثل الحيوان - لعدم العهدة في الحيوان أي السبع أو الحيّة المباشرين للإتلاف، حتّى يكون الضمان عليهما.

هل يشترط في الضمان البلوغ والعقل؟
هل ضمان المتلف مشروط بالبلوغ والعقل؟ أو أنّه يشمل المجنون والصبيّ أيضاً؟
تارة يفرض أنّ الشخص الّذي يتلف مال غيره وهو بالغ عالم بأنّه مال غيره. وفي مثله لا إشكال في الضمان. وأخرى يفترض جهله أو عدم بلوغه، وفي مثله لا بدّ من الحكم بالضمان, لأنّ الضمان حكم وضعيّ، ولا مانع من شموله للجاهل أو غير البالغ، وإنّما الّذي لا يشملهما هو الحكم التكليفيّ بالخصوص.

وعليه فوجوب الردّ - كحكم تكليفيّ - لا يشمل غير البالغ بخلاف الضمان


--------------------------------------------------------------------------------
268

--------------------------------------------------------------------------------


لوتحقّق التلف عنده، فإنّه لا محذور في شموله له، غايته يكون المكلّف بالدفع من أموال الصبيّ وهو وليّه. وهكذا الحال في من وضع يده على مال الغير، وهو يتصوّر أنّه ملكه فإنّه ضامن له.

هنا نقول: إنّه لوكان الدليل الدالّ على القاعدة هوالإجماع أو الضرورة أو السيرة العقلائيّة فلا يمكن التمسّك بها في حالات الشكّ, إذ ينبغي الاقتصار على القدر المتيقّن منه، وهوالبالغ العاقل. ولكن حيث إنّ عمدة الدليل هي الروايات فإنّه يمكن التمسّك بإطلاقها ليشمل ضمان المجنون والصغير، وهذا ما فعله الفقهاء في المقام، حيث لم يشترطوا في الأحكام الوضعية شرط البلوغ والعقل والعلم. ولهذا أفتى غيرُ فقيه عن سؤال في ضمان ما أتلفه الصبيّ والمجنون أنّه عليهما أوعلى الولي؟ فقالوا بأنّه عليهما الضمان، ولمّا كان الضمان من الأحكام الوضعيّة ولا يشترط فيها ما يشترط في الأحكام التكليفيّة فلا حاجة لإطالة البحث في ذلك بعد وضوحه.


--------------------------------------------------------------------------------
269

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- إذا تحقّق إتلاف مال الغير بدون إذنه ورضاه وبدون قصد الإحسان إليه يكون المتلف هوالضامن حتّى يؤدّي ما أتلفه إلى مالكه قيمةً أومثلاً.
- اتّفق الفقهاء على مدلول القاعدة، والأمر متسالم عليه عند الفريقين.

- استُدلّ على حجيّة القاعدة بالآيات والروايات وسيرة العقلاء.

- الإتلاف قد يكون بالمباشرة وقد يكون بالتسبيب:
- الأوّل: كأن يأكل ماله الّذي من المأكولات، أو يحرق أثوابه، وأمثال ذلك مّما يوجب أو يسبّب فناء مال الغير عن نفسه، بدون توسيط فاعل إرادي أو غير إراديّ آخر. وهذا القسم يقيناً
من الإتلاف الموجب للضمان، وعليه الاتّفاق من المسلمين قاطبة، بل عليه اتّفاق جميع العقلاء.
- والثاني: عبارة عن كلّ فعل صار سبباً لوقوع التلف، ولم يكن علّة تامّة للتلف أو الجزء الأخير من العلّة التامّة، بل يكون بحيث لو لم يصدر عنه هذا الفعل لم يقع التلف، وهذا القسم
الثاني موجب للضمان.

- عرّفوا السبب بأنّه ما لا يلزم من وجوده الوجود، وإلّا فهوالعلّة التامّة أو الجزء الأخير منها، ولكن يلزم من عدمه العدم. فعلى هذا المعنى للتسبيب فلو حفر بئراً مكشوفة في الطريق فوقع فيها شيء وتلف، فهو السبب.

- القدر المتّفق عليه في ضمان المتلف البالغ العاقل، ويشمل المجنون والصبيّ أيض, لأنّ الضمان حكم وضعيّ، ولا مانع من شموله للجاهل أوغير البالغ، وإنّما الذي لا يشملهما هوالحكم التكليفيّ بالخصوص.



مطالعة

قاعدة الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي
معنى القاعدة هوأنّ الشيء الذي تعلّق به المنع الشرعي (كشرب الخمر) يستحيل أن يتعلّق به الأمر (الأمر بالشرب)، ويكون حاله حال الممتنع العقلي، الذي لا يمكن أن يقع متعلّق الأمر كالأمر بالطيران بدون الوسيلة. ويمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بأمور:
- تحقّق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف، ولا إشكال فيه بينهم، بل الأمر عندهم من المسلّمات في مختلف المجالات.
- التكليف بما لا يطاق: من المعلوم أن الفعل المنهيّ عنه إذا وقع متعلّقاً للأمر لا يتمكّن المكلّف من الامتثال، فيكون من التكليف بما لا يطاق, لاستحالة الجمع بين الضدّين.
- اشتراط القدرة: لا ريب أنّ القدرة من الشروط الأصلية للتكليف الشرعي، فلا يصحّ التكليف للعاجز (فاقد القدرة). والمقصود من القدرة هنا هي القدرة الشرعية، بمعنى عدم المانع
الشرعي تجاه العمل، وعليه لوكان هناك مانع شرعيّ لم تتواجد القدرة على التكليف، وهذا هو معنى قولهم إنّ الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، وذلك لعدم التمكّن من إتيان العمل المشروع - في صورة وجود المانع الشرعي - شرعاً وعقلاً.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- إذا تحقّق إتلاف مال الغير بدون إذنه ورضاه لكن لا عن قصد، يكون المتلف هوالضامن حتّى يؤدّي ما أتلفه إلى مالكه قيمةً أومثلاً.
2- لا فرق في وجوب الضمان على المتلف بين البالغ العاقل، والمجنون والصبيّ.
3- يشترط في تحقّق الإتلاف والضمان مباشرة المتلف، ولا يكفي أن يكون مسبّباً لذلك.
4- إذا سلّم مال الغير إلى غاصب لا يمكن أخذه منه، يصدق أنّه متلف له ويجب عليه الضمان عند العقلاء.
5- المراد من الإتلاف الموجب للضمان ـ هنا ـ هواستهلاك مال مسلم بدون الإذن والرضا، في حال العمد دون الخطأ.
6- لا فرق في وجوب الضمان على المتلف فيما إذا كان الإتلاف عن عمد واختيار، أو كان عن غفلة وإكراه.

- عالج الأسئلة الآتية:
1- ما الفرق بين إيقاع الآخر بالإتلاف بالسبب المباشر وغير المباشر المعبّر عنه بالتسبيب؟
2- لوحفر شخص خندقاً مكشوفاً في الطريق فوقعت فيه سيّارة وتضرّرت، فهل يجب الضمان؟ ولماذا؟
3- كيف نوجّه الاستدلال على القاعدة بقوله تعالى: ï´؟...فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ...ï´¾؟
4- كيف يستدلّ بصحيحة أبي ولّاد في إكراء البغال على حجّيّة القاعدة؟
5- بأيّ توجيه نسوِّغ ضمان الصبي غير البالغ، وضمان المجنون، فيما لو أوقعا الضرر على غيرهما، مع أنّهما غير مكلّفين، بحسب حديث الرفع؟
6- لو وضع سكّين بيد مجنون فجرح شخصاً غير بالغ نتيجة اعتدائه عليه، فمن يكون ضامناً؟ ولماذا؟



هوامش

1- النجفي، جواهرالكلام، م.س، ج37، ص46.
2- البقرة: 194.
3- البقرة: 191.
4- البقرة: 194
5- الخميني، روح الله: كتاب البيع، تحقيق ونشر مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني قدس سره، ط1، طهران، 1421هـ.ق، ج1،ص481.
6- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج17، باب7 من كتاب الغصب،ح1، ص313.
7- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج19، باب 8أبواب موجبات الضمان،ح1، ص179.
8- م.ن،ح3، ص180.
9- الأصفهاني، حاشية المكاسب، م.س، ص87.
10- الخميني، كتاب البيع، م.س، ج2، ص458.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر

الشيخ عباس محمد
عضو برونزي
رقم العضوية : 81994
الإنتساب : Apr 2015
المشاركات : 1,118
بمعدل : 0.93 يوميا

الشيخ عباس محمد غير متصل

 عرض البوم صور الشيخ عباس محمد

  مشاركة رقم : 20  
كاتب الموضوع : الشيخ عباس محمد المنتدى : المنتدى الفقهي
افتراضي
قديم بتاريخ : 06-01-2018 الساعة : 08:46 PM


الدرس العشرون: قاعدة: المسلمون عند شروطهم

أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة: المسلمون عند شروطهم وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


--------------------------------------------------------------------------------
275

--------------------------------------------------------------------------------


المقدّمة
هذه القاعدة من القواعد المعروفة الّتي تطابقت آراء الفقهاء على الأخذ بها، في مقام استنباطهم للأحكام الشرعية. ومفادها أنّ المسلم ملزم شرعاً بكلّ ما ألزم به نفسه للآخرين، والتزمه لهم، والإنصاف أنّ القاعدة في كمال الاعتبار والوثوق بصدورها عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام.

بيان المراد من القاعدة
معنى القاعدة هولزوم الوفاء بالشرط، فالقاعدة تتكوّن من شطرين: الشطر الأوّل: تسلّط المؤمنين على الاشتراط، فيتسلّط المتعاملان على جعل الالتزام والتعهّدات الّتي نسمّيها بالشروط. والشطر الثاني:
وجوب العمل بمقتضى الشرط، فيجب على المتعاملين العمل بما تعهّدا به من الشروط السائغة.
فيجب على كلّ مسلم إذا التزم لشخصٍ بأمرٍ له الوفاءُ له بذلك الأمر، وذلك من جهة وضوح أنّ هذه الكبرى الكلّيّة الصادرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في مقام إنشاء الحكم، لا الإخبار عن أمر خارجيّ، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلمون عند شروطهم" أي: جميع المسلمين, لأنّ الجمع المعرّف باللّام يفيد العموم، فهو صلى الله عليه وآله وسلم يحكم على جميع المسلمين بلزوم الثبوت عند جميع شروطهم. والمراد من الثبوت والاستقرار


--------------------------------------------------------------------------------
277

--------------------------------------------------------------------------------


عند الشرط هوترتيب الأثر على شرطه الّذي شرط، وعدم الفرار عن العمل على طبق التزامه.

وقد ورد في اللغة أنّ الشرط هوالإلزام والالتزام1. وبهذا المعنى يصحّ أن يُطلق على جميع الأحكام الإلزاميّة من قبل الله على العباد أنّها شروط من قبل الله تعالى، أي: الزامات من قبله تعالى عليهم.

وبناءً على ما ذكرنا يكون معنى "المسلمون عند شروطهم" هو وجوب الوفاء على كلّ مسلم بما التزم لغيره، لا بما ألزم غيره به, لأنّه لا معنى لأن يكون ثابتاً عند إلزامه غيره بأمر، ولو لم يكن استثناء في البين لكان وجوب الوفاء عامّاً بالنسبة إلى جميع التزاماته، ولكن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلمون عند شروطهم، إلّا كلّ شرط خالف كتاب الله"، كما سيأتي في موارد الاستثناءات.

بيان مدرك القاعدة
1ـ الكتاب العزيز:
استُدلّ على القاعدة بقوله تعالى: ï´؟وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَï´¾، بتقريب أنّ الآية بصدد بيان صفات المؤمنين اللّازمة والواجبة عليهم، فذكرت الصلاة، والإعراض عن اللّغو، وأداء الزكاة، وحفظ الفروج، ورعاية العهد، ومن مصاديقه الشرط، فيتمّ المطلوب, إذ يصير معنى الآية: (يجب على المؤمنين رعاية شروطهم والتزاماتهم للآخرين).

2ـ الروايات:
الأولى: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: "من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الّذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزّ وجلّ"2. وقد


--------------------------------------------------------------------------------
278

--------------------------------------------------------------------------------


أطلق الشيخ الأنصاريّ3 عليها الصحيحة، بالرغم من وجود سهل في سندها، على تفصيل في سهل.

الثانية: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "المسلمون عند شروطهم إلّا كلّ شرط خالف كتاب الله عزّ وجلّ فلا يجوز"4، صرّحت على مدلول القاعدة وعلى نوعيّة الاشتراط.

الثالثة: موثّق إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام: "إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يقول: "من شرط لامرأته شرطاً فليفِ لها به, فإنّ المسلمين عند شروطهم، إلّا شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً"5.

الرابعة: عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام "أنّه قضى في رجل تزوّج امرأة وأصدقته هي واشترطت عليه أنّ بيدها الجماع والطلاق؟ قال: خالفت السنّة، وولّيت حقًّا ليست بأهله، فقضى أنّ عليه الصداق، وبيده الجماع والطلاق، وذلك السنّة".6

ودلالة هذه الروايات على القاعدة تامّة، وكذلك غيرها من الأخبار حتّى بلغت حدّ الاستفاضة فيه، كما عن الجواهر7 والمكاسب8، فإنّ الأخبار في هذا المعنى مستفيضة، بل متواترة معنى. قال الشيخ الأنصاريّ رحمه الله: "والأصل فيه (الاشتراط) الأخبار العامّة المسوِّغة لاشتراط كلّ شرط إلّا ما استُثني، والأخبار الخاصّة الواردة في بعض أفراد المسألة، فمن الأولى الخبر المستفيض الّذي لا يبعد تواتره: إنّ المسلمين عند شروطهم"9. فالقاعدة متّخذة من النصوص بنفس الصياغة.


--------------------------------------------------------------------------------
279

--------------------------------------------------------------------------------


3ـ إطلاقات العقود والتجارة:
قال في الجواهر: "بل لعلّ إطلاق الأمر بالوفاء بالعقود، والتجارة عن تراض كاف"10. وتوضيح ذلك: إنّ الشروط الواقعة في ضمن العقود الصحيحة اللّازمة هي من توابع تلك العقود، وأدلّة وجوب الوفاء بالعقود تدلّ على وجوب الوفاء بالشروط المرتبطة بتلك العقود.

ما المقصود من الشرط السائغ؟
إنّ الشرط الّذي يجب الوفاء به هوالشرط الذي تحقّقت فيه الأمور الآتية:
الأوّل: أن يكون شرطاً مقدوراً عليه من قبل المشروط عليه، بمعنى أنّ إيجاده داخل تحت قدرته, لأنّ المشروط عليه، بالتزامه بذلك الشرط، يجعل عهدته مشغولة به، فلا بُدّ أن يكون مقدوراً له، وعليه فلوكانا عالمين بعدم التمكّن منه، إمّا لامتناعه ذاتاً، أولعدم تمكّن المشروط عليه منه، بطل.

الثاني: أن لا يكون مخالفاً لحكم شرعيّ، وهو المعبّر عنه بمخالفة الكتاب أو السنّة، والمراد به مخالفة الجعل الإلهيّ، سواء أثبت بالكتاب أم بغيره. ويُقصدُ بذلك أن لا يكون مضمونه مخالفاً للحكم الشرعيّ، وأن لا يقتضي الشرط إلزاماً بترك واجب، أو فعل حرام، كما إذا اشترط أحدهما على الآخر أن يشتري منه العنب بشرط أن يعصره له خمراً، أو أن يترك الصلاة، أمّا الالتزام بفعل المكروه أو ترك المستحب، فلا مانع منه.

والدليل على اعتبار هذا الشرط في الصحّة عدّة روايات، منها: صحيحة عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: "من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الّذي اشترط عليه،


--------------------------------------------------------------------------------
280

--------------------------------------------------------------------------------


والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزّ وجلّ"11.

الثالث: أن لا يكون الشرط منافياً لمقتضى العقد، وتتحقّق بأن يكون منافياً لما يراد إثباته من خلال العقد، كأن يشترط في عقد البيع أن لا يحصل تمليك العين، وفي عقد الزواج أن لا تحصل العلقة الزوجية، أو بشرط أن لا يستحقّ الثمن.

ومن الشروط الجائزة عندنا أن يبيعه شيئاً، ويشترط في متن العقد أن يشتري منه شيئاً أو يبيعه شيئاً آخر، أويقرضه شيئاً، أو يستقرض منه...، هذه الشروط كلّها سائغة لا تخالف كتاب الله تعالى، فوجب جوازها ولزومها وصحّة العقد معها12.

حكم الشرط الفاسد
لا إشكال في أنّ الشرط الفاسد لا يجب الوفاء به ولا إلزام به شرعاً، وإنّما الكلام في الشرط الفاسد الّذي لم يقم دليل على فساد العقد أوصحّته معه، في أنّه هل يوجب فساد العقد أم لا؟، وإلّا فيتّبع الدليل، فليس كلامنا في بيع الخشب على أن يعمله صنماً، أو صليب, لأنّ هذا البيع باطل، سواء اشترط أم لم يشترط، ما دام عالماً بذلك، فليس فساد العقد ناشئاً من الشرط, وذلك لدلالة الأخبار الخاصّة على ذلك، كما عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام "أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتخذه برابط؟ فقال: لا بأس به. وعن رجل له خشب فباعه ممن يتّخذه صلباناً، قال لا"13.

وعن عمروبن حريث، قال: "سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن التوت أبيعه يصنع للصليب والصنم؟ قال: لا"14.


--------------------------------------------------------------------------------
281

--------------------------------------------------------------------------------




الأفكار الرئيسة

- معنى القاعدة هولزوم الوفاء بالشرط بين المتعاقدين، فيجب على كلّ مسلم أن يكون ثابتاً عند التزاماته.
- تتكوّن القاعدة من شطرين: الأوّل: تسلّط المؤمنين على الاشتراط فيتسلّط المتعاملان على جعل الالتزام والتعهّدات الّتي نسمّيها بالشروط. الثاني: وجوب العمل بمقتضى الشرط، فيجب على المتعاملَيْن العمل بما تعهّدا به.

- استُدلّ للقاعدة بعدّة أدلّة، منها: قوله تعالى: ï´؟وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَï´¾، بتقريب أنّ معنى الآية: يجب على المؤمنين رعاية شروطهم والتزاماتهم.
- ومن الروايات: ما عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: "من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزّ وجلّ".

- إنّ الشرط الّذي يجب الوفاء به هوالشرط الّذي يكون مقدوراً عليه من قبل المشروط عليه، ولا يكون مخالفاً لحكم شرعيّ، وهو المعبّر عنه بمخالفة الكتاب أو السنّة، ولا يكون الشرط
منافياً لمقتضى العقد.

- لا إشكال في أنّ الشرط الفاسد لا يجب الوفاء به ولا إلزام به شرعاً.



مطالعة

الفرق بين الشروط الابتدائيّة، وبين الشروط الواقعة في ضمن العقود
إنّ إطلاق الشرط على مطلق الالتزام بشيء لشخص - سواء أكان في ضمن عقد أم كان التزاماً ابتدائيّاً غير مربوط بشيء - لا يخلومن نظر وتأمّل، بل الظاهر، حسب المتفاهم العرفيّ، هو أن يكون إلزامه أو التزامه بشيء في ضمن عقد ومعاملة أو أمر آخر، بمعنى أن يكون إلزامه غيره بشيء أو التزامه لغيره بشيء مربوطاً بأمر آخر، وليس معنى الشرط مطلق الإلزام والالتزام.

فالشرط بالمعنى المصدريّ عبارة: عن جعل شيء مرتبطاً بأمر آخر - وبهذا المعنى يكون مبدأ للاشتقاقات منه، كالشارط والمشروط وأمثالهما من المشتقّات من هذه المادّة، وبمعنى الاسم المصدريّ عبارة:
عن الشيء المرتبط بغيره. هذا هو المتفاهم العرفيّ، مضافاً إلى أنّه لو كان مطلق الإلزام والالتزام - ولوكانا ابتدائيّين غير مربوطين بشيء - يلزم تخصيص الأكثر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم "المؤمنون عند شروطهم"، وهو مستهجن جدّاً. فلا بدّ من حمل الشروط في الحديث على الشروط الواقعة في ضمن العقود، كي لا يلزم تخصيص الأكثر المستهجن, لأنّ الشروط الابتدائيّة لا يجب الوفاء بها إجماعاً، فإنّ قلنا بأنّ الشرط أعمّ من الشروط الابتدائيّة وغيرها، فيكون استعماله في الحديث عنائياً مجازيّاً، وهوخلاف ظاهر هذا الكلام.

وعلى كلّ حال لا شبهة في أنّ المتفاهم العرفيّ من لفظ الشرط بالمعنى المصدريّ هو إلزام المشروط عليه، أو الالتزام للمشروط له بأمر في ضمن عقد أو عهد أو أمر آخر، فالإلزامات أو الالتزامات الابتدائيّة لا يُطلق عليها الشرط إلّا بالعناية، ولا يجب الوفاء بها إجماعاً.



أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- إنّ الشرط الّذي يجب الوفاء به هوالشرط الّذي يكون مقدوراً عليه من قبل المشروط عليه.
2- لا فرق في الشرط الّذي يجب الوفاء به بين الشرط الّذي يكون مخالفاً لحكم شرعيّ، أو الشرط المنافي لمقتضى العقد.
3- المتفاهم العرفيّ من لفظ الشرط هو إلزام المشروط عليه أو الالتزام للمشروط له بأمر في ضمن عقد أو عهد أو أمر آخر.
4- إذا باع شخص شيئاً لآخر، واشترط في متن العقد أن يشتري منه (الآخر)، شيئاً أو يبيعه شيئاً آخر، أو يقرضه شيئاً، فهذا الشرط جائز يجب الوفاء به.
5- لا إشكال في أنّ الشرط الفاسد لا يجب الوفاء به ولا إلزام به شرعاً.
6- لا فرق في وجوب الوفاء بالشرط بين أن يكون للكبير أو للصغير.

- عالج الأسئلة الآتية:
1- ما هوالمقصود بقاعدة: "المسلمون عند شروطهم"؟ وما معنى "المسلمون عند شروطهم" في الاستدلال؟
2- كيف نستدلّ على القاعدة بقوله تعالى: ï´؟وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَï´¾؟
3- ما الفرق بين الشرط المخالف لكتاب الله والشرط الموافق له؟ وأعطِ مثالاً واضحاً في عقد النكاح أوغيره على الشرط المخالف لكتاب الله.
4- ما الفرق بين الشروط الابتدائيّة والشروط الواقعة في ضمن العقد؟
5- رجل باع عقاراً واشترط على المشتري أن يجعله وقفاً، فهل يصحّ هذا الشرط؟ ولماذا؟
6- إذا باعه واشترط الخيار لنفسه لمدّة سنة كاملة، فهل يجوز هذا الشرط؟ وهل يجب على المشتري الالتزام به؟



هوامش

1- الفيروزآبادي، محمّد بن يعقوب: القاموس المحيط، ج2، مادّة "شرط"، ص542.
2- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج12، باب6 من أبواب الخيار، ح1.
3- الأنصاري، المكاسب، م.س، ج6، ص22.
4- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج12، باب6 من أبواب الخيار،ح1.
5- م.ن، ح2.
6- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج15، باب29 من أبواب المهور، ح1.
7- النجفي، جواهرالكلام، م.س، ج23، ص199.
8- الأنصاري، المكاسب، م.س، ج6، ص2.
9- م.ن، الخيارات، ص228.
10- النجفي، جواهرالكلام، م.س، ج23، ص199.
11- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج12، ص353.
12- الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهّر: تذكرة الفقهاء، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياءالتراث، ط1، قم المقدّسة، مطبعة ستاره، 1420هـ.ق، ج10، ص250.
13- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج17، باب41 من أبواب مايكتسب به، تحريم بيع الخشب ليعمل صليباً،ح1.
14- م.ن، باب تحريم معونة الظالمين،ح2.



يتبع

من مواضيع : الشيخ عباس محمد 0 منع تدوين الحديث من قبل ابوبكر وعمر ومعاوية ومانتج منه
0 بحث مفصل في قضية فدك
0 ( فــــــــــــدك )مصادر سنية
0 البيعة / اسئلة واجوبة
0 شبهة أن أبي عبد الله (ع) يأمر بتولي أبي بكر وعمر
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 07:43 PM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.2 © 2000 - 2018
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية